الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين يقال : غني بالمكان يغنى بوزن " رضي يرضى " إذا نزل به وأقام فيه ، هكذا أطلقوه ، وقيده بعضهم بقيد أو قيدين ، قال الراغب : وغني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنيا به عن غيره ، واكتفى بعضهم بقيد طول الإقامة ، وبعضهم بالإقامة في رغد عيش .

                          والآية بيان مستأنف من قبل الله عز وجل ناقض لقول الملأ من قوم شعيب لقومهم : لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون وقولهم قبله : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا كأن سائلا يسأل عنهم باعتبار كل من الحالين : كيف انتهى الأمر فيها ؟ وكيف كان عاقبة أهلها ؟ فأجيب عن الأول بقوله : الذين كذبوا شعيبا وهددوه وأنذروه الإخراج من قريتهم قد هلكوا ، وهلكت قريتهم فحرموها كأن لم يقيموا ، ولم يعيشوا فيها مطلقا أو في ذلك العيش الرغيد ، والأمد المديد فمتى انقضى الشيء صار كأنه لم يكن .

                          وأجيب عن الثاني بقوله : الذين كذبوا شعيبا ، وزعموا أن من يتبعه يكون خاسرا ، وأكدوا زعمهم بأقوى المؤكدات ، كانوا هم الخاسرين لما يعتزون به من تقاليد ملتهم ، ومن مالهم ووطنهم ، ولما كانوا موعودين به من سعادة الدنيا والآخرة لو آمنوا ، دون الذين اتبعوه فإنهم كانوا هم الفائزين المفلحين ، فالجملة تفيد حصر الخسار في المكذبين له بالنص ، وتقتضي نفيه عن المتبعين له بالأولى ، ومناسبة الجزاء للذنب يجعل الحرص على التمتع بالوطن والاستبداد فيه على أهل الحق سببا للحرمان الأبدي منه ، وجعل الحرص على الربح بأكل أموال الناس بالباطل سببا للخسران بالحرمان منه ومن غيره .

                          واختار بعضهم في نكتة الفصل والتكرار وجها آخر ، وهو أنه بيان مستأنف من الله تعالى جاء بأسلوب الخطابة العربية المؤثرة في الوعظ والتوبيخ ، وما في معناهما ، نحو : أنت [ ص: 13 ] الذي جنيت علينا ، أنت الذي سلطت علينا أعداءنا ، أنت الذي فرقت كلمتنا ، أنت الذي أوقعت الشقاق بيننا .

                          وقال الزمخشري في الكشاف : إن في هذا الاستئناف وتكرير الموصول والصلة مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم ، وتسفيها لرأيهم ، واستهزاء بنصحهم لقومهم ، واستعظاما لما جرى عليهم ا هـ ، وقد خفيت على بعض العلماء الأذكياء دلالة العبارة على هذه المعاني كلها لعدم تأملها ، فأما المبالغة في الرد فظاهرة لما يدركه كل من الفرق في نفسه بين ما مثلنا به آنفا لأسلوب الخطابة ، وبين ذكر تلك المستندات بالعطف ، وسببه أن تكرار ذكر المسند إليه بصيغة الموصول والصلة المؤذن بعلة الجزاء يعيد صورة كل منهما في الذهن ، ويكون حكما جديدا بعد حكم ، وللحكمين من التأثير في النفس ما ليس للحكم الواحد ، وأما تسفيه الرأي والاستهزاء بذلك النصح ، فهو تابع لهذا التأثير المتضمن لما ذكر من التصوير والتمثيل .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية