الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( ومن تطوع خيرا ) ففيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : قراءة حمزة ، وعاصم ، والكسائي ( يطوع ) بالياء وجزم العين ، وتقديره : يتطوع ، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما ، وهذا أحسن لأن المعنى على الاستقبال ، والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال ، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء ، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن ، وأما الباقون من القراء فقرءوا ( تطوع ) على وزن تفعل ماضيا ، وهذه القراءة تحتمل أمرين :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون موضع ( تطوع ) جزما .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن لا يجعل ( من ) للجزاء ، ولكن يكون بمنزلة ( الذي ) ويكون مبتدأ ، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ الموصول ، والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر ، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة ، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول كقوله : ( وما بكم من نعمة فمن الله ) [ النحل : 53 ] فما مبتدأ موصول ، والفاء مع ما بعدها خبر له ، ونظيره قوله : ( الذين ينفقون أموالهم ) [ البقرة : 274 ] إلى قوله : ( فلهم أجرهم ) وقوله : ( إن الذين فتنوا المؤمنين ) [ البروج : 10 ] إلى قوله : ( فلهم عذاب جهنم ) وقوله : ( ومن عاد فينتقم الله منه ) [ المائدة : 95 ] وقوله : ( ومن كفر فأمتعه قليلا ) [ البقرة : 126 ] وقوله : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) [ الأنعام : 160 ] وقوله : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) [ الكهف : 29 ] ونذكر هذه المسألة إن شاء الله عند قوله : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) [ البقرة : 274 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : قال أبو مسلم : ( تطوع ) تفعل من الطاعة ، وسواء قول القائل : طاع وتطوع ، كما يقال : حال وتحول وقال وتقول وطاف وتطوف وتفعل بمعنى فعل كثيرا ، والطوع هو الانقياد ، والطوع ما ترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : الذين قالوا : السعي واجب ، فسروا هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب [ ص: 147 ] ومنهم من فسره بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة ، وقال الحسن : المراد منه جميع الطاعات وهذا أولى ؛ لأنه أوفق لعموم اللفظ .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية