الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انتظار شخص حتى الموت..هل هي فكرة منطقية؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أحب ذلك الشاب كثيراً، ولماذا؟ لأن شكله جميل، وابتسامته جميلة، ويبدو كما تمنيتُ أن يكون زوجي، ورغم هذا كله، حصل بيننا انجذاب عابر، عبر الابتسامات المتزامنة، والغمزات المتزامنة المقصودة، والنظرات الدافئة؛ كما أنني بكيتُ في عينيه -لو صح القول- وواساني لحظتها عبر نظراته.

عامةً، أظن أنه نشأ بيننا الكثير من الحب عبر النظرات والإيحاءات، ثم عندما ركضتُ بعيداً عنه لأن تعبير وجهه أخافني (لأنني أظن أنني لم أفهمه ولم أستطع مجاراته)، فقدتُ توازني بسبب نظراته وما حصل بيننا، ثم سمعتُ ضحكة رقيقة وتعابير صوتية مؤثرة ربطتُها به؛ لأنه منطقياً الشخص الوحيد الذي قد يصدر منه ذلك بعد الذي حدث بيننا؛ كنا في الحرم المكي، وكان هو متطوعاً هناك.  

يحزنني أن أتزوج غيره، وأشعر أنني أود انتظاره حتى أموت لكي أتزوجه، حتى في الآخرة لو كان ذلك ممكناً، أشعر أنني لا أريد فقدان الأمل فيما يتعلق به، رغم أن الموقف قديم جداً، فقد حدث تقريباً في عام 2019.

أشعر أنني أحبه كثيراً، فهلا ساعدتموني فيما يجب عليّ فعله؟ أخاف من الزواج لأنني حينها يجب أن أنساه، وأنا أحب تذكر الموقف رغم أن ذلك قد يكون فعلاً سيئاً أو ذنباً، هل من الممكن أن أتزوجه في الدنيا، أم أنه يوجد حقاً بديل مُرضٍ؟ وماذا عن حبي؟ أرجو منكم التفصيل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ شهد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعيشين حالة من التعلق العاطفي الشديد تجاه شاب رأيته في الحرم المكي منذ عام 2019، وأن هذا الموقف رغم قصره وبساطته في الظاهر، إلا أنه ترك أثرًا عميقًا في وجدانك، لدرجة أنك تفضلين انتظاره حتى الموت أو لقاءه في الآخرة على الزواج من غيره.

لقد هزتنا مشاعرك الصادقة ووفاؤك لهذا الشعور، ومن الطبيعي جدًا أن يميل القلب إلى الجمال والسكينة، خاصة في أطهر البقاع، لكن دعيني أقف معك وقفات هادئة لننظر إلى هذا الأمر بميزان الحكمة والواقعية الإيمانية، من خلال النقاط التالية:

• ما حدث كان انجذابًا عفويًا في لحظة روحانية عالية، وقد زين الخيال هذا الموقف وأعطاه أبعادًا أكبر من حجمه بمرور السنين، نحن نميل أحيانًا لرسم صورة مثالية للشخص الذي نعجب به من نظرة واحدة، فنضع فيه كل الصفات التي نتمنى أن نجدها في شريك الحياة، وهذا ما يسمى في علم النفس بالإسقاط، أي أنك تحبين الصورة التي رسمتها له في خيالك أكثر مما تحبين حقيقة الشخص الذي لا تعرفين عنه شيئًا في الواقع.

• الأمر الآخر هو أن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، وقد يكون هذا الشعور ابتلاء لقلبك ليعلم الله أين تضعين وجهتك، هل ستظلين أسيرة لماض عابر أم ستتوكلين على الله في مستقبلك؟

أختي الكريمة، إن اللجوء إلى الله -عز وجل- هو المفتاح، يقول الله تعالى في محكم كتابه: (وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، إن تعلقك بشخص لم تتحدثي معه ولم تعرفيه حق المعرفة منذ سنوات طويلة قد يكون عائقًا أمام رزقك الذي قدره الله لك.

الحب الحقيقي في الإسلام هو الذي ينمو بالمعاشرة والمودة والرحمة داخل إطار شرعي، أما ما دون ذلك فقد يكون من باب حديث النفس، أو وسوسة الخيال التي تشغل العبد عن عمارة حياته الحاضرة.

من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- على تجاوز هذه الحالة ما يلي:

• التسليم لقضاء الله، فإذا كان هذا الشاب من نصيبك، فسيأتي به الله ولو بعد حين، وإن لم يكن، فاعلمي أن الله صرفه عنك لخير لا تعلمينه، لا تربطي سعادتك وأملك بسراب من الماضي، بل اجعلي أملك في رب الماضي والمستقبل.

• لا تدعي الله أن يزوجك إياه بعينه، بل قولي: اللهم إن كان في فلان خير لي في ديني ومعاشي فقدره لي، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان. الجئي إلى الاستخارة دومًا.

• أنت تقولين إنك تحبين تذكر الموقف، لكن هذا التذكر هو الذي يغذي التعلق ويمنع الجرح من الالتئام. حاولي إشغال وقتك وتفكيرك بأهداف عملية، دراسية أو مهنية أو دينية.

• فكرة انتظار شخص لا يعرف عنك شيئًا إلى الموت هي فكرة قد تحرمك من نعمة الأمومة والبيت المستقر، البديل المرضي موجود -بإذن الله-، وهو الزوج الصالح الذي يطرق بابك بالحلال، فالحب الحقيقي يأتي مع العشرة والمواقف الصعبة، وليس فقط مع النظرات العابرة.

• لا تقلقي من نسيان الحب الأول (التعلق بهذا الشخص)، فبمجرد أن يرزقك الله الزوج الحقيقي سوف تنسين هذه الأفكار وتعيشين واقعك.

تذكري دائما أن الراحة والسكينة في الرضا بما قسمه الله، وكما قال الشاعر في شأن الصبر والرضا بالمقدور:

فَإِن تسألني كَيفَ أَنتَ فَإِنني ... صَبورٌ عَلى رَيبِ الزَمانِ صَعيبُ
حَريصٌ عَلى أَن لا يُرى بي كآبَةٌ ... فَيَشمَتَ عادٍ أَو يُساءَ حبيبُ

أو كما قال الإمام الشافعي في ديوانه:
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى ... ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها ... فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ

أختي الكريمة، لا تحزني على ما فات، فالحرم المكي الذي شهد تلك اللحظات هو نفسه المكان الذي نرفع فيه أكف الضراعة لنسأل الله أن يملأ قلوبنا بحبه هو أولًا، ثم بمن يحبه ويرضاه لنا.

أخيرًا: إذا وجدت أن هذا التعلق يؤثر على حياتك اليومية بشكل يعوقك عن ممارسة مهامك أو يسبب لك كآبة مستمرة، فقد يكون من المفيد التحدث مع أخصائية نفسية لمساعدتك على فك هذا الارتباط العاطفي بطرق سلوكية مدروسة.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يرزقك الزوج الصالح الذي تقر به عينك ويسعد به قلبك في الدنيا والآخرة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً