الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عشقت فتاة وأريدها للزواج ولكنها ترفض، فما الحل؟

السؤال

لقد بدأت قصتي مع الحب برسالة ومحادثة، ومن يومها تعرفتُ إلى بنت أكبر مني وفيها نفس صفاتي، أعجبتني وغيّرت حياتي ونظرتي للحب.

ومع الوقت تعرفتُ إليها أكثر، وعشقتها، وعلّمتني وغيّرت فيّ أشياء كثيرة، وغيرت تفكيري وشخصيتي، وعرفتُ قصتها وعرفت كل شيء عنها، ووقعتُ في حبها، لكنها لا تحبني.

حاولتُ أن أجعلها تحبني، لكنها لا تريد ذلك، وتريد أن تبقى علاقتنا علاقة بعيدة، ولا تريد أن تخسرني، ودائمًا تنصحني.

أنا لا أريد أن أتكلم معها الآن؛ لأني كلما كلمتها اقتربتُ منها أكثر وزاد حبي وعشقي لها، وأريد أن أتزوجها، لكنها لا تريد الزواج ولا الحب، وأنا أريد الحب والزواج.

ما حل مشكلتي هذه؟ أرجو الرد عليّ في أقرب وقت ممكن، وشكرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ خليفة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك أخي الكريم أنك تعاني من تعلق عاطفي شديد بفتاة لا تبادلك نفس المشاعر، وأن هذا التعلق بدأ يؤثر عليك بشكل كبير؛ فكلما حاولت الاقتراب منها زاد تعلقك وعشقك لها، بينما هي واضحة في رفضها لأي علاقة عاطفية أو زواج، وتريد فقط أن تبقى العلاقة بعيدة، وأن تكون صديقًا لها فقط.

ابني العزيز: دعني أكون صريحاً معك في هذه المسألة؛ فالصراحة من علامات الأخوة الصادقة، والنصيحة الحقيقية تحتاج إلى شجاعة في المواجهة.

إن العلاقات بين الرجل والمرأة خارج إطار الزواج الشرعي محرمة تماماً، فلا يجوز أن تكون هناك محادثات، أو رسائل، أو صداقة بين الجنسين، حتى لو كانت بنية الزواج المستقبلي، يقول النبي ﷺ: "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"، والخلوة هنا تشمل الخلوة الإلكترونية عبر المحادثات والرسائل.

ثانياً: ما تمر به الآن هو ما يعرف نفسياً بـ "التعلق العاطفي غير المتبادل"، وهو من أصعب أنواع التعلق؛ لأن فيه ألماً مستمراً؛ فأنت تحب من لا يحبك، وتسعى وراء من لا يريدك، وتعلق قلبك بمن لا تملك قلبها، والمشكلة الأكبر أخي الكريم، أنك واقع في دائرة مفرغة؛ كلما تكلمت معها زاد تعلقك، وكلما زاد تعلقك زاد ألمك، وكلما زاد ألمك بحثت عن التواصل معها لتخفيف الألم، فتقع في نفس الدائرة مرة أخرى، هذا ما يسميه علماء النفس بـ "الإدمان العاطفي"؛ حيث أصبحت مدمنًا على التواصل معها رغم أنه يزيدك ألماً.

الأمر الآخر الذي يجب أن تدركه، هو أن هذه الفتاة واضحة جداً في موقفها؛ فهي لا تحبك، ولا تريد علاقة عاطفية، ولا تريد الزواج منك، وتريد فقط أن تبقيك في منطقة الصداقة البعيدة، وهذا في حد ذاته رسالة واضحة يجب أن تفهمها وتحترمها؛ فالاستمرار في محاولة جعلها تحبك هو إهدار لوقتك وعمرك ومشاعرك، وهو نوع من عدم احترام رغبتها الصريحة.

ثالثاً: الجواب واضح وصريح أخي الكريم: يجب عليك قطع التواصل معها نهائياً، وبلا تردد، وهذا ليس رأياً شخصياً، بل هو حكم شرعي أولاً، وضرورة نفسية ثانياً، وحكمة عملية ثالثاً.

من الناحية الشرعية: استمرارك في هذه العلاقة معصية لله عز وجل، وكل دقيقة تمضيها في الحديث معها هي دقيقة في معصية الله، وكل رسالة ترسلها لها هي خطوة في طريق الحرام، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾؛ فالله تعالى لم يقل لا تزنوا، بل قال "لا تقربوا"، أي لا تقتربوا من أي طريق يؤدي إليه، والعلاقات المحرمة هي من أعظم الطرق المؤدية إلى الفاحشة.

من الناحية النفسية: استمرارك في التواصل معها يعني استمرار الألم والتعلق، ولن تستطيع أن تشفى من هذا التعلق إلا بالقطع التام والنهائي، الأطباء النفسيون يؤكدون أن الطريقة الوحيدة للتعافي من التعلق العاطفي غير المتبادل هي قطع التواصل تماماً، ولا توجد طريقة أخرى، ومحاولة الاستمرار في "الصداقة البعيدة" كما تطلب هي منك هي وهم كبير؛ لأنك لا تريدها صديقة، بل تريدها زوجة وحبيبة، والصداقة مع من تحبها بهذا الشكل هي ألم مستمر، وفي الشرع أصلًا لا يوجد شيء اسمه صداقة بين رجل وامرأة أجنبيين عن بعضهما.

من الناحية العملية: أنت تضيع عمرك وشبابك وطاقتك في شيء لا أمل فيه، فهي واضحة في أنها لا تريد الزواج، ولا تريد علاقة عاطفية، فلماذا تستمر في إهدار وقتك؟! ألا يستحق قلبك أن يتعلق بمن يحبك ويريدك؟ ألا تستحق أن تتزوج من فتاة صالحة تحبك وتقدرك، وتريد بناء حياة معك؟!

رابعاً: كيف تقطع التواصل وتتجاوز التعلق؟
أعلم أن هذا صعب عليك، وأعلم أنك ستشعر بألم شديد في البداية، لكن صدقني يا بني، هذا الألم المؤقت أهون بكثير من الألم المستمر الذي تعيشه الآن، وأهون بكثير من غضب الله عليك بسبب استمرارك في هذه المعصية.

الخطوة الأولى: اتخذ قراراً حاسماً وواضحاً بقطع التواصل معها نهائياً، لا تترك لنفسك مجالاً للتردد؛ فالتردد سيجعلك تعود مرة أخرى، اكتب رسالة أخيرة لها تخبرها فيها أنك قررت قطع التواصل، وأن هذا القرار نهائي، ولا تدخل في نقاشات، أو تفسيرات، فقط أخبرها بالقرار، ثم اقطع التواصل.

الخطوة الثانية: احذف رقمها من هاتفك، واحذف جميع المحادثات والصور والذكريات، وأغلق جميع قنوات التواصل معها، سواء على الواتساب أو الانستغرام أو أي وسيلة أخرى، قد يبدو هذا قاسياً، لكنه ضروري؛ فوجود أي طريق للعودة سيجعلك تعود في لحظة ضعف.

الخطوة الثالثة: املأ الفراغ الذي ستشعر به بعد قطع التواصل بالعبادة والذكر والقرآن، يقول الله عز وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فالقلب المتعلق بالمخلوق لا يشفى إلا بالتعلق بالخالق، أكثر من الاستغفار، فالنبي ﷺ يقول: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً".

الخطوة الرابعة: أشغل نفسك بما ينفعك، سواء في دراستك أو عملك أو هواياتك، ومارس الرياضة بانتظام؛ فالرياضة من أعظم ما يساعد على تجاوز الألم النفسي، اقضِ وقتاً مع أصدقائك وأهلك، واملأ يومك بما يشغلك عن التفكير فيها.

الخطوة الخامسة: اعلم أن الألم الذي ستشعر به في الأيام والأسابيع الأولى هو ألم طبيعي، وهو علامة على أنك تتعافى، الشفاء من التعلق العاطفي يشبه الشفاء من أي مرض جسدي؛ يحتاج إلى وقت وصبر، لكنك ستتعافى بإذن الله، وستأتي لحظة تنظر فيها إلى الوراء وتشكر الله أنك اتخذت هذا القرار.

الخطوة السادسة: إذا شعرت أن التعلق شديد جداً، ولا تستطيع التغلب عليه بمفردك، فلا تتردد في استشارة أخصائي نفسي مسلم؛ فطلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفاً، بل هو حكمة وشجاعة.

بني العزيز: يبدو من رسالتك أن هذه الفتاة غيرت نظرتك للحب وشخصيتك وتفكيرك، وهذا في حد ذاته إشارة خطيرة على أن تعلقك بها وصل إلى درجة غير صحية؛ فلا يجوز لمخلوق أن يكون له هذا التأثير الكبير على حياتك وشخصيتك.

الحب الحقيقي والصحي هو الذي يكون في إطار الزواج الشرعي، ويكون مبنياً على التقوى والاحترام المتبادل والتوافق الحقيقي، وليس مجرد مشاعر عابرة أو انبهار بشخصية معينة.

الحب قبل الزواج والذي يبنى على علاقات محرمة غالباً ما يكون وهماً كبيراً؛ لأنك لا تعرف الشخص الحقيقي، بل تعرف الصورة المثالية التي رسمتها له في خيالك.

بني الكريم، أعلم أنك الآن في قمة الألم، وتشعر أنك لن تستطيع العيش بدونها، لكن صدقني، هذه مشاعر مؤقتة وستمر بإذن الله، كثيرون مروا بنفس تجربتك، وشعروا بنفس الألم، لكنهم بعد فترة تجاوزوا الأمر، بل وشكروا الله أن الأمور لم تتم كما كانوا يريدون؛ لأنهم وجدوا من هو أفضل لهم، ووجدوا السعادة الحقيقية.

يقول الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ فربما خيرة الله لك في عدم الزواج من هذه الفتاة، وربما هناك من هو أصلح لك وأنسب لك، لكنك لا تدري ذلك الآن.

الأمر الآخر، أنت تقول أنك تريد الزواج منها وهي لا تريد الزواج، فهذا تناقض أساسي في الأهداف والرغبات؛ وحتى لو افترضنا جدلاً أنها وافقت على الزواج منك (وهذا بعيد جداً)، فكيف ستبني حياة سعيدة مع من لا يشاركك نفس الرغبة في الزواج؟ كيف ستبني أسرة مع من دخلت معك في الزواج مجبرة أو مضطرة؟

بني الكريم، ما مضى قد مضى، والله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ فمهما كانت ذنوبك، ومهما طالت فترة العلاقة المحرمة، فباب التوبة مفتوح.

تب إلى الله توبة صادقة، واعقد العزم على عدم العودة إلى هذه المعصية، واستغفر الله كثيراً، وصلِّ النوافل والتهجد، واقرأ القرآن بتدبر، وستجد السكينة والطمأنينة تملأ قلبك، وستجد أن الله يعوضك خيراً مما فقدت.

يقول النبي ﷺ: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"؛ فاصبر على هذا الابتلاء، واحتسب الأجر عند الله، وسيعوضك الله خيراً بإذنه.

أيها الشاب الشجاع، القرار في يدك الآن؛ إما أن تستمر في هذه الدائرة المفرغة من الألم والتعلق والمعصية، وإما أن تتخذ قراراً شجاعاً بقطع التواصل والعودة إلى الله وإعادة ترتيب حياتك.

أعلم أن الخيار الثاني صعب، لكنه الخيار الصحيح، وهو الخيار الذي سيقودك إلى السعادة الحقيقية والراحة النفسية والرضا الإلهي.

لا تنتظر حتى تكون مستعداً أو حتى تشعر بالقوة؛ فالاستعداد التام لن يأتي أبداً، والقوة تأتي من خلال الفعل وليس قبله، اتخذ القرار الآن، وابدأ التنفيذ فوراً، واستعن بالله وتوكل عليه، وادعه أن يعينك على نفسك وعلى هواك.

وتذكر قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَّ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾؛ فاتقِ الله في نفسك، واقطع هذه العلاقة، واعلم أن الله سيجعل لك مخرجاً، وسيرزقك من حيث لا تحتسب، وسيعوضك خيراً مما فقدت.

بني الكريم، إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء، والتوكل عليه ومناجاته أمر لا بد منه في مثل هذه الأحوال، ادعُ الله في جوف الليل أن يشفي قلبك، وأن يصرف عنك هذا التعلق، وأن يرزقك الزوجة الصالحة التي تكون قرة عين لك وسكناً لروحك، واعلم أن الله قريب مجيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمَنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.

نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يصرف عنك كل سوء، وأن يعوضك خيراً مما فقدت، وأن يرزقك الزوجة الصالحة التي تقر بها عينك، وأن يجعل قلبك معلقاً به سبحانه لا بأحد من خلقه، إنه سميع مجيب.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً