الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعيش في عذاب بسبب كثرة الابتلاءات... لمن أبكي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي مشكلة في حياتي لم أستطع حلها، فقد كنت صحيحة معافاة، ولكن في سن العشرين بدأت تظهر عندي أعراض الهلع والخوف الشديد؛ ممَّا أثر على حياتي، وأنا الآن منذ تسع سنوات أتخبط بين الأطباء، حيث ذهبت إلى طبيب الأعصاب، واكتشفوا أن لدي "متلازمة كياري"، وأعراضها كلها تظهر عندي، وكانت أحد أسباب العذاب الذي عشته، من آلام في القلب والظهر، وغثيان ودوخة، ونوبات هلع، وفقدان للسيطرة على حركة الجسم.

تضرعت إلى الله بكل السبل، من الصدقة، والدعاء في الثلث الأخير من الليل، وفي آخر ساعة من يوم الجمعة أن يشفيني، ولكنني في كل سنة أكتشف مرضًا أو عرضًا جديدًا يزيد من اكتئابي، فأنا أدعو بالشفاء وتتعقد الأمور أكثر، حتى أصبحت لا أستطيع النوم ولا الأكل ولا العمل، وعندما ذهبت إلى طبيب العيون أخبرني أن لدي "قوس الشيخوخة المبكر"، وأن هذا قد يكون من أمراض القلب، أو مؤشرًا لشيء ما في جسدي، وهنا دخلت في دوامة أكبر من الظلام.

أنا صغيرة في العمر، وحتى الطبيب تعجب من حالي، وقد خضعت لفحص الجينات، وكانت التحاليل سليمة، فتسع سنوات من عمري وأنا أتنقل من طبيب إلى آخر، دون إجابة شافية، وأبكي بحرقة كل ليلة، لأنني أتألم، ولا أستطيع قيادة السيارة؛ لأن أعراضي شديدة، ورغم أنني لا أظهر تعبي لأحد، إلَّا أن النور اختفى من وجهي، فقد كنت أريد أن أتزوج وأكون أُمًّا، ولكن حياتي أصبحت معكوسة.

أرى كل الناس دعواتهم مستجابة، وأنا منذ تسع سنين أدعو، ولكن أرى مشاكلي تزيد، وقد أصبحت عبئًا على أبي، وهو رجل كبير، وأمي بعيدة عني، ولا تتفهم حالتي، وأنا أعلم أن الله على كل شيء قدير، ولكن عندما أبكي بحرقة وأدعو، لا أرى سوى الابتلاءات، أصبحت مشاعري "منملة" ولا أقدر حتى على الدعاء؛ لأنني أصبحت أخاف أن تزيد المشاكل، فأكتفي بالفروض، وقراءة أذكار الصباح والمساء فقط، وأنا أرى قريباتي يعشن حياتهنَّ ويتمتعن، بينما أعيش أنا في ألم دائم.

إذا كان الله يجيب المضطر، فأنا مضطرة بعد أن عجز الأطباء عن فهم حالتي، وليس لدي دواء لدائي، فماذا أفعل؟ أنا في ألم كل يوم، وأهلي لا يفهمون حالتي، وحتى أنا محتارة من نفسي، فلدي أذى في ظهري منذ أن كان عمري عشر سنوات؛ ممَّا أدى إلى ضمور عضلات في جهتي اليسرى، وجعل جهتي اليمنى تحمل كل الوزن والضغط، وهذا أحد الأسباب الأخرى التي أعاني منها.

ماذا أفعل؟ ولمن أذهب، ولمن أبكي؟ والآن عيني أصيبت بمرض نادر لا يصاب به إلَّا المتقدمون في العمر وهو "قوس الشيخوخة"، فأنا فتاة في التاسعة والعشرين من عمري، وأشعر أن حياتي مضطربة بشدة، وأنا في حالة شديدة من اليأس.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ريما حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية، وأؤكد لك أنني قد اطلعت على رسالتك بكل اهتمام، وأنا أُقدِّر تمامًا شكواكِ وما تعانين منه، وأحسب أن هذا الابتلاء -بحول الله وقوته- في ميزان حسناتك إن شاء الله تعالى.

طبعًا الإنسان حين يصاب بمثل هذه الحالات المعقدة نسبيًا، قد يسري إلى نفسه شيء من الضجر والملل، لكن على الإنسان أن يذكر نفسه دائمًا أن هذا من أقدار الله، وأن تكون هنالك سعة في ذاته لاستيعاب الأعراض والبحث عن العلاج، فالطب متوفر، والحمد لله تعالى.

الذي أرجوه منك هو أن تتابعي مع طبيب مختص؛ وبالنسبة لمتلازمة "كياري" (Chiari Malformation) تتطلب أن تواصلي المتابعة مع طبيب الأعصاب.

وبالنسبة للضعف في جسدك نسبةً للإصابة التي حدثت لك في ظهرك، هذه تتطلب طبعًا العلاج الطبيعي، العلاج الطبيعي مفيد جدًّا في مثل هذه الحالات، وإن جعلتِ العلاج الطبيعي نمطًا من أنماط حياتك، وكذلك ممارسة الرياضة التي يُوصي بها المختصون؛ أعتقد أنك سوف تستفيدين كثيرًا من الناحية الطبية.

بالنسبة للعلة التي تعانين منها في العين، حقيقة ليس لي اطلاع كبير على مثل هذه الحالات، فهي خارج تخصصي، لكن قطعًا طبيب العيون مؤهل جدًّا أن ينصحك بما يجب أن تعمليه.

أيتها الفاضلة الكريمة، كل الذي حدث أنك قد اكتشفتِ أشياء هي موجودة، والحمد لله هذا من نعم الله تعالى، أنتِ حالتك مُشخَّصة، حالتك معروفة، وهذا في حد ذاته يجب أن يكون إيجابيًا جدًّا بالنسبة لك؛ لأن الكثير من الناس يعانون من حالات غامضة جدًّا، لا يعرف تشخيصها ولا يعرف علاجها، أنتِ -الحمد لله تعالى- اكتشفتِ ما بك، وهذا في حد ذاته يجب أن يكون مقبولًا ومفيدًا بالنسبة لك.

والإنسان قد حباه الله تعالى بالقدرة على أن يُكيِّف نفسه مع أعراضه، ويعيش حياته على هذا النمط، نجد من خُلقوا بدون أيدي مثلًا، نجدهم -ما شاء الله تبارك الله- قد هيأوا أنفسهم كيف يعيشون مع هذه العلة، وكذلك من تبتر أقدامهم، شاهدنا هذا أيتها الفاضلة الكريمة.

فأرجو ألَّا تتعاملي مع نفسك كمعاقة، فأنتِ لستِ معاقة، نعم هنالك بعض الأعراض، وأهمية التكيُّف معها مهم جدًّا، والتكيف طبعًا لا يعني فقط القبول بالحالة والاكتفاء بذلك، لا، يجب أن تنطلقي في جميع مسارات الحياة، يجب أن تكون لك برامج يومية لحسن إدارة الوقت، يجب أن يكون لك تطلعات علمية، أن تدخلي في نوع من الدراسات، في نوع من التدريب، أن يكون لك هدف معين، وبرنامج معين، وجود الأهداف ووضع الآليات التي توصلك إليها بما يناسبك، أعتقد أنها أمر ضروري ومهم جدًّا في حالتك.

والأمر الثاني هو: من الضروري أن يكون لك صلات اجتماعية إيجابية؛ الصلات الاجتماعية الإيجابية والقيام بالواجبات الاجتماعية من أكبر الدعائم النفسية، ولا بد أن يكون لك وجود حقيقي ومشاركات إيجابية داخل أسرتك، أيتها الفاضلة الكريمة.

والدك جزاه الله خيرًا -بالرغم من كبر سنه- لكن سوف يقدم لك إن شاء الله الدعم المطلوب، وأنتِ عليك أيضًا أن تقدمي له الدعم المطلوب في هذا السن.

بالنسبة لأعراض الهلع والآلام وخلافها، توجد أدوية فعالة جدًّا، على النطاق النفسي مثلاً عقار "سيبرالكس - Cipralex" مفيد جدًّا، والسيبرالكس يأتي في جرعة 10 و 20 ملجم، أنتِ محتاجة للجرعة الأصغر، هو دواء سليم وغير إدماني وغير تعودي.

ويجب أن تعيشي على الأمل والرجاء، ورحمة الله واسعة جدًا، والطب متيسر بخطوات فعالة جدًا نحو التقدم وإيجاد الوسائل العلاجية لكل الحالات.

أسأل الله لك العافية والشفاء، وبارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.
____________________________________________
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
____________________________________________

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب.
أولًا: نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمنَّ عليكِ بعاجل العافية والشفاء، وقد أفادكِ الأخ الفاضل الدكتور محمد عبد العلم بتوجيهاتٍ قيمةٍ ومهمةٍ، نسأل الله تعالى أن ينفعكِ بها، ونزيد من الناحية الشرعية -أيتها البنت الكريمة- بأن نقول:

إن ما تمرين به شديدٌ فعلًا، ومن يقرأ كلماتكِ يرى مقدار الألم والتعب الذي تحملينه وتمرين به منذ سنواتٍ، ولا شك أن كل ما اجتمع عليكِ من المرض في جسدكِ، والقلق، والوحدة، وعدم تفهم من حولكِ؛ كل ذلك ابتلاءٌ ثقيلٌ على نفسكِ، لكن اعلمي أولًا أن الله -سبحانه وتعالى- يرى دموعكِ، ويسمع أنينكِ، ويعلم ما تخفينه أكثر مما يعلمه الناس جميعًا.

وليس صحيحًا أن الله تعالى ترككِ أو لم يستجب لكِ، فالله تعالى يقول: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، ويقول: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}، والنبي ﷺ يقول: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».

فأنتِ -أيتها البنت الكريمة- ما دمتِ صابرةً على هذا الألم، فإنكِ في عبادةٍ عظيمةٍ، أجركِ فيها لا يعلمه إلا الله تعالى، ونحن نبشركِ بالبشارة التي أمر الله تعالى بها فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.

وهناك أمورٌ -أيتها البنت العزيزة- ينبغي أن يطمئن بها قلبكِ، منها: أن استجابة الدعاء ليس دائمًا معناها أن يرفع الله تعالى البلاء فورًا، بل قد تكون الإجابة بأن يعطيكِ الله ما سألتِ، أو يدفع عنكِ شرًا أعظم منه أنتِ لا تعلمينه ولا ترينه، أو يَدَّخر لكِ من الأجر العظيم ليوم القيامة ما تسرين به في ذلك اليوم، وتتمنين أنكِ أكثرتِ من الدعاء وأن الله لم يستجب لكِ شيئًا في الدنيا.

وقد يتأخر الفرج لحكمةٍ يعلمها الله، ليس لأنكِ غير مستجابة الدعاء، بل لأن الله تعالى يحب سماع صوتكِ وتضرعكِ، ويرفعكِ بهذه المعاناة والمناجاة لله تعالى درجاتٍ لا تبلغينها بعملكِ.

ثم هناك أمرٌ أيضًا ينبغي أن تتنبهي له، وهو أمرٌ خطيرٌ: احذري أن يتسلل اليأس إلى قلبكِ، وتربطي الدعاء بزيادة المصائب، حتى يزين الشيطان لكِ أن الدعاء نفسه صار سببًا لمزيدٍ من المصائب، فتنقطعين عن الدعاء؛ فهذا مدخلٌ شيطانيٌّ يريد من خلاله الشيطان أن يقطعكِ عن باب الله، فالله تعالى أرحم بكِ من نفسكِ، والدعاء لا يجلب الشر، بل هو من أعظم أسباب الرحمة والثبات.

لا تقيسي نفسكِ بالناس، فكم من شخصٍ يضحك أمام الناس وقلبه مليءٌ بالأوجاع! وكم من مبتلىً رفعه الله فوق كثيرٍ من الأصحاء! والدنيا ليست مقياسًا لمحبة الله، وإلَّا لو كانت كذلك لكان الأنبياء أبعد الناس عن البلاء، والواقع أنهم أشد الناس بلاءً.

أنتِ لا تزالين صغيرةً، وعمركِ تسعةٌ وعشرون ليس نهاية الحياة، وكم من الناس تأخر فرجهم سنواتٍ طويلةً، ثم فتح الله لهم فتحًا عجيبًا، فلا تجعلي الخوف من المستقبل يحكم على بقية عمركِ.

استمري في مراجعة الأطباء المختصين؛ فهذا من الأخذ بالأسباب، لا تبحثي عن الأمراض النادرة؛ لأن ذلك يزيد في إرهاق نفسكِ ويزيدكِ وساوس وخوفًا، لا تحمّلي نفسكِ فوق طاقتها، وتشعري أنكِ عبءٌ على أبيكِ؛ فخدمته لكِ ورعايته لكِ هي عبادةٌ عظيمةٌ يمارسها، وأجرٌ عظيمٌ له، ونسأل الله أن يجزيه خيرًا.

وأمَّا قولكِ لمن أبكي؟ فالجواب -أيتها البنت العزيزة- أن تبكي بين يدي الله كما أنتِ الآن، حتى لو لم تقدري على كثرة الكلام، يكفي أن تقولي: "يا رب أنا متعبةٌ فارحمني"، فالله تعالى لا يخفى عليه خافيةٌ.

ونوصيكِ بالدعاء العظيم الذي كان النبي ﷺ يدعو به عند الكرب: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي»، وكذلك أكثري من قول: «حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ».

استعيني بهذه الأذكار وغيرها -أيتها البنت الكريمة- لتثبيت قلبكِ على الصبر والاحتساب، واعلمي أن فرج الله تعالى قريبٌ، وأن الله تعالى أراد بكِ خيرًا.

لا تتخذي قرارًا داخليًا بأن حياتكِ قد انتهت، فما دام فيكِ نفسٌ فباب الله مفتوحٌ، والفرج قد يأتي بطريقةٍ لا تتوقعينها وفي وقتٍ لا يخطر ببالكِ، وربكِ سبحانه إذا أراد جبر قلبٍ أتاه من حيث لا يحتسب.

نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يهون عليكِ كل عسيرٍ، وأن يكتب لكِ أجر المصاب الذي أنتِ فيه، وأن يعجل لكِ بالعافية والشفاء.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً