الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بلغت الثلاثين وأرغب بإكمال الدراسة، فهل فات الأوان؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أبلغ من العمر 30 عامًا، ورغم انشغالي بمسؤوليات الحياة، فإن رغبتي وشغفي بإكمال دراستي الجامعية ما زالا يراودانني بقوة، لكنني أشعر أحيانًا بالتردد والقلق من فوات الأوان، أو من نظرة المجتمع إلى عمر الخريج.

أرجو توجيهي بنصيحة شرعية وتربوية تبث في نفسي العزيمة، وتوضح لي فضل طلب العلم في سن متقدمة نسبيًا، وكيف أتغلب على هذه المخاوف؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فما دمت تحمل في قلبك هذا الشوق إلى العلم، فاعلم أن هذه الرغبة نعمة من الله تعالى، تستحق أن تحمده عليها، وأن تُترجمها إلى فعل وخطوات عملية، لا إلى تردد وتوجس يثيران القلق في نفسك.

أول ما ينبغي أن تستحضره أن سن الثلاثين ليس سنًا متأخرة لطلب العلم، بل هو من أعمار النضج واستقرار الفكر ومعرفة الأهداف، وكم من علماء ومتميزين بدأت مسيرتهم العلمية أو العملية في هذه السن أو بعدها، فالعمر ليس هو المعيار، وإنما الهمة هي التي تحمل صاحبها وتسبقه، وكثير من الناس بدؤوا دراساتهم الجامعية أو العليا بعد هذا العمر، وحققوا نجاحًا وتميزًا فاقا من سبقهم؛ لأنهم درسوا بوعي ورسالة، لا لمجرد الحصول على شهادة.

وقد رفع الإسلام شأن طلب العلم، وجعله عبادة وقربة، فقال النبي ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»، ولم يقيد النبي ﷺ هذا الفضل بسن دون سن، بل جعل العبرة بالسير في طريق العلم.

وتأمل في سير العلماء، فكم من عالم لم يبرز إلَّا بعد سنين طويلة من الاجتهاد والتعلم، والعلم لا يعرف عمرًا يتوقف عنده الإنسان عن التعلم أو البناء.

أمَّا نظرة المجتمع، فاسأل نفسك: هل ستبقى هذه النظرات بعد خمس سنوات؟ أم أن الذي سيبقى هو أثر قرارك؟ تخيل نفسك بعد خمس سنوات في حالتين:

• الأولى: أنك استسلمت للخوف من كلام الناس.
• الثانية: أنك أكملت دراستك، وتخرجت، وحصلت على ما تطمح إليه.

أي الحالتين ستكون أكثر رضا عنها؟ لا شك أنها الثانية، فما بالك لو استسلمت لرأي الناس وتبعتهم، وآل أمرك إلى أن تبقى كما أنت؟ كم سيكون حجم الندم والحسرة حينئذ؟! كثير من الناس ينشغلون بآراء الآخرين حتى يضيعوا أحلامهم، ثم يكتشفون أن الآخرين لم يكونوا يفكرون فيهم أصلًا كما كانوا يتصورون.

وإني أنصحك، من الناحية التربوية، بثلاثة أمور تعينك على تجاوز ما أنت فيه:

• حوّل الشغف إلى خطة عملية، فحدد التخصص والجامعة وآلية الدراسة، وابدأ بالإجراءات خطوة خطوة.
• لا تقارن نفسك بمن هم أصغر منك سنًا، بل قارن نفسك بنفسك قبل سنة أو خمس سنوات.
• استحضر نيتك من الدراسة، هل تريد تطوير نفسك؟ أم خدمة مجتمعك؟ أم تحسين فرصك المهنية؟ فوضوح الهدف يخفف مشقة الطريق.
• وتذكر قول الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، فهذه الآية خوطب بها النبي ﷺ نفسه، مما يدل على أن طلب الزيادة من العلم مشروع ما دامت الحياة.

أخي العزيز، بعد أربع سنوات من الآن ستبلغ الرابعة والثلاثين، سواء درست أم لم تدرس، لكن الفرق أن أحد الشخصين سيبلغها وهو يحمل شهادة وخبرة ومعرفة جديدة، والآخر سيبلغها وهو يتحسر على فرصة لم يستثمرها. فامض إلى ما ينفعك، واستعن بالله تعالى، ولا تجعل عمرك عائقًا أمام حلم مشروع، بل اجعل نضجك وخبرتك وقودًا يدفعك إلى النجاح.

أسأل الله تعالى أن يفتح عليك أبواب العلم النافع، وأن يبارك لك في وقتك وجهدك، وأن يريك ثمرة قرارك خيرًا في الدنيا والآخرة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً