الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صديقتي رغم تدينها تعلقت بشاب يرتكب المعاصي، فما نصيحتكم لها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إحدى صديقاتي تعلقت بشاب من جيرانهم تعلقاً شديداً، لكنه أشبه بالتعلق الوهمي، صديقتي فتاة محترمة وخلوقة، ولا أقول إنها ملتزمة تماماً، لكنها تسعى نحو الالتزام الديني.

في المقابل، الشاب الذي أحبته بعيد عن الله جداً، وأنا أعرفه جيداً بحكم أنه قريبي؛ فهو يرتكب الكثير من المعاصي والأخطاء، هي تحبه ومقتنعة بهذا الحب، وحين أقول لها دائماً إن ما تشعر به هو مجرد إعجاب، تنفي ذلك وتقول: "أنا متعلقة به جداً، وأفكر فيه طوال اليوم، وأدعو الله أن يهديه لكي نتزوج".

إنها عاجزة عن إخراج حبه من قلبها، بل إنها في الحقيقة لا تريد ذلك؛ فتارة تقول إنها تعبت وتتمنى أن تكرهه، وتارة أخرى تراجع نفسها وتقول: "لا، أنا متعلقة به وأريده زوجاً لي، وسيهديه الله إن شاء الله"، هي حائرة، وقد أصابتني الحيرة لحيرتها، وأنا أبحث عن حلٍّ يساعدها على نسيانه والابتعاد عن التفكير فيه؛ لأنني لا أريدها أن تتمادى في هذا التعلق، خشية أن يدخل في علاقة أو يتزوج مستقبلاً فتصاب بصدمة شديدة!

هل يمكنك ترشيح كتاب، أو بودكاست، أو أي خطوات عملية تساعدها على نسيانه؟ بالمناسبة، هي تبلغ من العمر 16 سنة (إن كان لمعرفة عمرها فائدة في فهم الموضوع)، وأود الإشارة إلى أنها لا تتواصل معه مطلقاً؛ لأنها ترى أن ذلك محرم، ويستحيل أن تقترب منه في الحرام، بل تدعو الله دائماً أن يجمعهما في الحلال.

وشكراً لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ شهد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ ابنتنا الفاضلة، وشكرًا لكِ على الاهتمام بأمر هذه البنت التي نسأل الله أن يهديها إلى الخير، وأن يقدّر لها الخير ثم يرضيها به.

ولا شك أن التعلق بالطريقة المذكورة ليس في مصلحتها، خاصةً وهو ميلٌ من جانبٍ واحدٍ، ودائمًا المرأة سريعة التعلق، ولذلك ينبغي أن تنتبه، والإعجاب عندها سرعان ما يتحول إلى هذا اللون من التعلق الزائد، الذي نخشى أن يصل إلى مرحلة العشق، في حين أن الطرف الثاني قد لا يكون منتبهًا، ويكون في باله فتاةٌ أخرى، أو لا يُفكِّر في الزواج في هذه المرحلة، هذا إذا سلمنا أنه إنسانٌ صالحٌ ويمكن أن يُفيدها ويسعدها، لذلك أحسنتِ بنصحها أن تنضبط في مشاعرها وعواطفها.

وممّا نوصيها به:
• أولًا: الدعاء إذا كان فيه خيرٍ، أن يُقدِّر الله لها وله الخير.
• الأمر الثاني: عليها أن تتفادى أماكن وجوده، وتتفادى أيضًا النظر إليه، وتجتهد دائمًا في شغل نفسها بالمفيد، ويبدو أنها في عمر دراسةٍ؛ فمثلًا تشتغل بالدراسة، أو بالهوايات النافعة المفيدة، وتشغل نفسها بطاعة الله تبارك وتعالى.

ومن المهم جدًّا أيضًا أن تتذكر ما فيه من العيوب، وما فيه من الجوانب التي فيها الخلل، وبعد ذلك حتى لو تقدم إليها ينبغي أن تشترط عليه أن يتوب من الذنوب والمعاصي التي أشرتِ إليها؛ لأن أهم الشروط التي ينبغي أن تراعى فيمن يتقدم لبناتنا وأخواتنا -كما هو توجيه النبي ﷺ للفتاة ولأوليائها-: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ - دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ- فَزَوِّجُوهُ»، وإذا لم يتوفر هذا الشرط فلا خير في الارتباط بشابٍ يجاهر بالمعاصي مثلًا، أو عنده مخالفاتٌ كبرى، أو لا يواظب على صلاته، هذه من الأمور التي لا بد أن تنبَّه ابنتنا إليها.

وممَّا أشار إليه ابن الجوزي وقد نبهنا إليه؛ أنها في هذه الحالة ينبغي أن تتذكَّر عيوبه ونقائصه، وتخاف من الأخطاء التي عنده، وتتذكر أن الميل أيضًا من طرفٍ واحدٍ، وربما هو لا يبالي بها؛ هذا نوعٌ من التعلق الوهمي، وأيضًا هو تجاوز حدوده؛ لأن الحب الحلال يبدأ بالرباط الشرعي، ويزداد بالتعرف إلى الشخصية، يعني: بعد أن يخطبها الشاب تعرف أنه صادقٌ فتحبه، أنه أمينٌ فتحبه، أنه عنده عزةٌ وكرامةٌ فتحبه أكثر، فالحب الحقيقي يرتبط أولًا بالصفات الجميلة التي تُعرَف عنه، وليس بالمظاهر.

وما كانت حكمة الشريعة في أن يكون أمر الفتاة إلى أوليائها، لأن الرجال أعرف بالرجال، والأسرة هي أعرف بمصلحة ابنتها، خاصةً أن البنت تجاربها محدودةٌ، ومع ذلك فإن الشرع أيضًا يُولي رأيها اهتمامًا، والشريعة تُريد للفتاة أن تكون مطلوبةً عزيزةً لا طالبةً ذليلةً.

فإذًا الأصل ألَّا تشغل نفسها بمثل هذا التعلق؛ لأن هذا يضرها، ولأنها قد تُصدم أيضًا، ولأنه قد يلتفت لغيرها أو يتزوج من غيرها؛ فيكون لذلك آثارٌ سالبةٌ عليها.

نسأل الله أن يُعمِّر قلوبنا بحب الله، وبحب كل ما يرضيه، والمؤمنة تشغل نفسها بحب الله وحب رسوله ﷺ، وحب ما جاء به الرسول ﷺ، وتشغل نفسها بمعالي الأمور حتى يأتيها ما قَدَّر الله -تبارك وتعالى- لها من الخير.

نسأل الله أن يُبصِّرُها، وأن يهديها إلى الحق والخير، وأن يُقدِّر لها الخير ثم يرضيها به.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً