الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي بارد لا يسأل ولا يهتم بي ..فكيف أتعامل معه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا السؤال من طالبتي في حلقة القرآن، ولكن سأرسله عن طريقي نظرًا لعدم امتلاكها بريدًا إلكترونيًّا:

"أنا محبطة لدرجة أنني كرهت نفسي، زوجي بارد ونرجسي جدًّا، لا يسأل ولا يهتم، ولا يوجد عنده حِنية، وأحيانًا يتعامل معي وكأنني لست موجودة، أشعر كأنني أعيش معه كخادمة فقط للطبخ، وأعمال البيت، وتربية الأولاد، ولكنه حنون مع الأولاد.

أنا أيضًا كثيرة الغيرة عليه، ولا أستطيع أن أضبط نفسي؛ وهذا يُسبِّب لي مشاكل كثيرة، فقدت الأمل في أن أجد حلًّا لنفسي ولزوجي، فقد حاولتُ كثيرًا الاهتمام به وبكل تفاصيل حياته؛ لألقى منه اهتمامًا، ولكنني فشلت، وحاولتُ التطنيش، وكل هذا لا يجدي نفعًا.

أنا مهمومة، وأعيشُ حياة ليست كما تمنيت، أرجو أن تنصحوني أولًا بكيفية التحكُّم بغيرتي الزائدة، وأن تنصحوني بشأن زوجي، وكيفية التعامل معه، بارك الله فيكم".

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سلمى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلةَ- في الموقعِ، ونشكر لكِ السؤالَ، والاهتمامَ بـأمر هذه الطالبةِ، التي نسأل الله أن يعينها على تجاوز هذه الصعوباتِ.

ونحب أن نؤكد أن المنطلق في النجاح في الحياة الزوجيةِ، هو أن تدرك الزوجة أو الزوج، أن العلاقة الزوجية عبادةٌ لرب البريةِ، وأن عليها أن تؤدي ما عليها، حتى لو قصر الطرف الآخرُ، ولأن الذي يحاسب هو الله تبارك وتعالى، فكون العلاقة الزوجية عبادةً لرب البريةِ، معناه أن الذي أمر بحسن المعاشرة هو اللهُ، والذي يحاسب على التقصير هو اللهُ، والذي يجازي على الإحسان هو اللهُ.

ولذلك النجاح في الحياة الزوجية يبدأ من أن تسأل بنتنا: "ما هو واجبي؟"، كما قال النبي ﷺ للأنصار: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ»، فإذا انطلقت من هذه القاعدةِ فإنها سوف تسعدُ حتى لو قصَّر الزوجُ؛ لأنها أدت ما عليها من الناحية الشرعيةِ، ففـي استمرارها على الإحسانِ، والقيام بـواجبها؛ ما يدعو الزوج للانتباه ومراعاة مشاعر زوجته، حتى لو كان من الشخصيات النرجسيةِ.

ويؤسفنا أن كثيرًا من بناتنا تقرأ كثيرًا عن الشخصية النرجسيةِ، ثم تُنزِّل ما تفهمه على زوجها، هذا لا ينفي وجود أمثال هؤلاءِ، ولكن أكرر دعوتي لبنتي ولكل بناتي، أن تؤدي ما عليها الذي أمرها الله -تبارك وتعالى- بهِ، هذه النقطة الأولى.

النقطة الثانية: تحاول دائمًا أن تستجمع ما في زوجها من إيجابياتٍ، فـتحمد الله -تبارك وتعالى- عليها، وتشكرهُ؛ لأننا بشكرنا لربنا ننال المزيدَ؛ قال العظيم: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.

ثم بعد ذلكَ عندما تنظر للسلبياتِ، عليها أن تتذكر أننا بشرٌ والنقص يطاردنا، وأن الكمال محالٌ، وأنها لا يمكن أن تجد زوجًا بلا نقائصَ وبلا عيوبٍ.

والأمر الثالث: هو أن تهتم بـذكر الإيجابياتِ، فـاهتمامه بـأطفالهِ، وحرصه على مصلحتهم، وقربه منهم، هذا جانبٌ إيجابيٌ ينبغي أن تحمد الله -تبارك وتعالى- عليهِ، وهي تعود أيضًا لـتهتم بـأطفالها، وتهتم بهِ، وتهتم بـنفسها أيضًا.

ومن أكبر الاهتمام بالنفسِ: أن تثقف نفسها في الناحية الشرعيةِ، وتطور ما عندها من قدراتٍ ومهاراتٍ، وتحاول دائمًا أن تجعل حبها لله -تبارك وتعالى- هو الأساسَ، ثم تتجه إلى مصرف القلوبِ؛ فإن قلب هذا الزوج بين أصبعين من أصابع الرحمنِ -وقلوب الناس جميعًا- يُقلِّبها ويصرفها.

أمَّا مسألة الغَيْرة الزائدةِ، فهي مضرةٌ، وتضر الطرفينِ؛ والرجل أيضًا ربما لأنه شعر بهذه الغيرة الزائدةِ، وأصبح يتدلَّل ويحاول أن يبتعدَ ليستدعي هذه الغيرةَ؛ لأن من الرجال مَن يَسعد إذا غارت عليه زوجته غيرةً زائدة، والغيرة مطلوبةٌ، وهي أن يكره الإنسان أن يُزاحم فيما حقِّه الاختصاص، وأخص خصوصيات الزوجة زوجها، لكنها أيضًا لا بد أن تُوزن بمعيارٍ، تُوزن بميزان الشرعِ.

فـالمسألة تحتاج إلى هذا المقياسِ؛ لأن الدواء إذا زاد أضرَّ، وإذا نقص لم يعالجْ، والغذاء حتى لو كان جميلًا، فإن زيادته أيضًا مضرة، فـالاعتدال هو المطلوبُ، ولذلك أرجو أن تأخذ المسألة حقها، وحظها من الاعتدالِ.

ويمكن في حال الصفاء والهدوء التحاور مع زوج بأسلوب حكيم يتقدمه الثناء، وإظهار الراحة معه، ثم تطلب ما تريد تغييره، وتشعر الزواج بحاجتها إليه واهتمامه بها، ولا تنس بنتنا الدعاء كما أشرنا في الأعلى، فتتوجه إلى ربها تدعوه أن يسعدها مع زوجها، ويصلح حاله معها، وأن ترى من زوجها ما يسرها.

أخيرًا: نحن ننتظر منها مزيدًا من التفاصيل في حياتها، والمواقف منها، ومن زوجها؛ حتى نستطيع أن نعطيها مزيدًا من النصائح، المهم أن تتعامل مع زوجها كما أمرها الله -تبارك وتعالى- بصرف النظر عن التعامل الذي يأتيها من الزوجِ.

فإذا وضعت هذه القاعدة نصب عينيها، واطمأنت إلى أنها قد أدّت ما عليها، فإن ذلك من أقصر الطرق إلى انتباه الزوج إلى ما عنده من تقصير، وننتظر منها مزيدًا من التفاصيل من خلال مواقفَ واقعية نستطيع من خلالها تحليل الوضع بصورة أعمق، وتقديم إجاباتٍ وإفاداتٍ جديدة، ووضع خريطة طريق، وخطة عملية للتعامل مع زوجها، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً