الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ظلموني في عملي وحرموني من الترقية لأنني قلت كلمة حق، فكيف أتصرف؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتوجه إليكم بسؤالي، وأتمنى من كل قلبي أن أجد منكم الجواب الشافي لما في صدري.

فقد تعرضت لظلم بيّن بحرماني من الترقية في العمل لصالح شخص أقل مني خبرة، وسنوات عمل، وشهادات؛ فأنا إنسان مجتهد في العمل، وأعمل بإخلاص وتفانٍ، وكنت أمنّي النفس بهذه الترقية، واستعددت لها بالدراسة، والجهد، والتوكل على الله، لكن للأسف حرمت منها لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة المهنية؛ فذنبي الوحيد هو أنني سبق لي أن واجهت المدير بكلمة حق دافعت فيها عن عامل؛ فأنا نائب لمندوب العمال، وأدافع عن الناس، ولا أخشى أحدًا في كلمة الحق، وهذا ما جعل صورتي كمقاوم بالنسبة للإدارة.

سؤالي: هل أسكت عن الظلم وأصبر رغم الألم الذي في صدري، أم أتكلم وأواجه المدير بظلمه، وأوضح له أنني لست مغفلاً، وأعرف ما دار في الكواليس من أجل حرماني من الترقية؟

أتمنى منكم ردًا شافيًا، ولكن جزيل الشكر.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الإله -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يُلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

بدايةً -أخي الكريم-، اعلم أن كل ما يمر به الإنسان من صعوبات الحياة، وهمّ، وحزن، وابتلاء، إذا احتسب الأجر عند الله تعالى، ولم يتسخط، ولم ييأس من فضل الله ورحمته، وثبت الإيمان في قلبه، فإنه مأجور على صبره واحتسابه؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه).

والأمر الآخر: أن ما تحدثت عنه يحتاج إلى أمر واحد في غاية الأهمية، وهو الحكمة؛ فهي التي تمنح الإنسان الرضا والتوازن، وتجعله يتعامل مع المواقف الصعبة بعقلٍ راجح وقلبٍ مطمئن، وهذا يتطلب منك أن تتعامل مع ما حدث بهدوء وواقعية، بعيدًا عن الاندفاع والانفعال، حتى وإن كنت ترى أنك على حق.

لذلك -أخي الفاضل- نضع بين يديك مجموعةً من النصائح، نسأل الله أن ينفعك بها:

الأمر الأول: ما هو التصرف الذي يجمع بين الكرامة والحكمة؟

هذا هو السؤال المتوازن الذي ينبغي أن تطرحه على نفسك، فمن الناحية الأخلاقية، السكوت على الظلم ليس فضيلةً في كل الأحوال، كما أن المواجهة ليست فضيلةً في كل الأحوال، وإنما الفضيلة أن تختار الموقف الذي يحقق الحق بأقل قدرٍ من الضرر، وهنا ينبغي التفريق بين:
- الصبر الذي يحفظ الكرامة، ويكون بإحسان اختيار الوقت والطريقة.
- والاستسلام الذي يجعل الظالم يزداد ظلمًا، بالانفعال، والغضب، ونحوه.

أخي العزيز: إذا كان دافعك هو استعادة حقك، أو منع تكرار الظلم، فهذا مقصد نبيل، أما إذا كانت المواجهة ستكون فقط لتفريغ ما في صدرك؛ فقد ترتاح لحظات، لكنك ربما تزيد وضعك المهني تعقيدًا.

الأمر الثاني: هل للحق طريقٌ واحدة؟
ذكرت شيئًا لافتًا للانتباه، وهو قولك: "ذنبي الوحيد أنني قلت كلمة حق" وهذه العبارة جميلة من حيث المبدأ، لكن من المهم أيضًا أن يسأل الإنسان نفسه:

- هل كانت طريقتي مناسبة؟
- هل كان التوقيت مناسبًا؟
- هل قلت الحق بأسلوب يحفظ الاحترام، ويحقق المقصود؟

فالحق لا يحتاج إلى خشونة حتى يكون حقًا، بل قد يكون أسلوب المطالبة بالحق مستفزًا أحيانًا، أو يفتقر إلى التقدير وحفظ كرامة الآخرين، حتى وإن كان صاحبه يطالب بحق مشروع.

ولذلك أنصحك أن تعيد دراسة الموقف بهدوء وواقعية بعيدًا عن تأثير هذه الحادثة؛ لتتأكد من أن المشكلة لم تكن في أسلوب الطرح، أو توقيته؛ فقد يكون لذلك أثرٌ في ردود أفعال الآخرين.

الأمر الثالث: افتراض حسن النية، والبدء باللين والرفق والإحسان.

أخي الكريم: غالبًا عندما يقع على الإنسان ظلم، تمتلئ نفسه بالألم والغضب، فتكثر التأويلات، ويبدأ في تفسير كثيرٍ من المواقف على أنها موجهة ضده.

لذلك أسألك:
- هل سبق أن طرحت الموضوع مع مديرك بأسلوب هادئ بعيد عن الانفعال؟
- وهل مررت بمواقف مشابهة معه من قبل؟
- وهل تأكدت أن ما حدث كان ظلمًا متعمدًا، أم أنه مجرد اجتهادٍ إداري أخطأ فيه؟

قد يكون المدير أخطأ فعلًا، لكن لماذا تكون المواجهة أول الحلول قبل النصح وبيان مواضع الخطأ؟

لذلك: لا مانع أن توصل اعتراضك لبيان الحق بأسلوب هادئ ولين، سواءً بالمقابلة المباشرة، أو برسالة عتاب وتوضيح مكتوبة تتسم بالحكمة والاحترام، بعيدًا عن لغة الاتهام والانفعال التي تنفر منها جميع النفوس.

الأمر الرابع: تجنب المواجهة القائمة على الظنون أو التصادم؛ فقولك "أنا أعرف كل ما دار في الكواليس." يحتاج إلى وقفة، فهل هذا الكلام مبني على علمٍ يقيني، أم على استنتاجات وظنون؟

فإن كنت تعلم ذلك بحكم طبيعة عملك واختصاصك، فلا حرج.

أما إن كان مبنيًا على التجسس، وتتبع ما لا يجوز تتبعه، فهذا أمر لا يجوز شرعًا، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، وإن كان مجرد ظن، فلا تجعل الظنون أساسًا تبني عليه مواقفك وقراراتك.

الأمر الخامس: الانتصار بقوة الحق.

أخي الكريم: هل جربت أن تنتصر بقوة الحق لا بقوة الصوت والغضب والانفعال؟

فعندما تكون على علمٍ باللوائح والأنظمة والإجراءات، وتعلم أن الحق معك، فإن مطالبتك بحقك تصبح أقوى وأبعد عن الانفعال، فاجمع كل ما يثبت استحقاقك للترقية، مثل: تقارير الأداء، سنوات الخبرة، المؤهلات العلمية، لوائح الترقية، الشروط النظامية، ثم طالب بحقك بناءً على الأنظمة واللوائح، لا بناءً على المشاعر؛ فهذا يجعل من حولك يدركون أنك صاحب حق، دون حاجة إلى رفع الصوت، أو الدخول في خصومات شخصية.

أخي الكريم: إن الصمت على الظلم مع القدرة على دفعه ليس دائمًا صبرًا محمودًا، بل قد يكون نوعًا من العجز، وفي المقابل، فإن الاندفاع للمطالبة بالحق دون حكمة وبصيرة قد يؤدي إلى مفسدة أعظم. ولهذا قرر أهل العلم قاعدة عظيمة، وهي: أن إنكار المنكر إذا ترتب عليه منكرٌ أعظم، فإنه لا يُشرع بهذه الصورة؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتقليل المفاسد.

لذلك فأنت مأجور -بإذن الله- على ما أصابك من ظلم، وعلى صبرك وعدم اندفاعك، لكن في الوقت نفسه، لا يجب على الإنسان أن يرضى بالظلم إذا كان قادرًا على دفعه بالوسائل المشروعة، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾؛ أي أن للمظلوم أن يطالب بحقه، ولكن بالوسائل التي لا تتضمن ظلمًا، ولا فسادًا، ولا مخالفةً لشرع الله.

لذلك، إن وجدت أن الصبر والاحتساب أريح لقلبك، فلا بأس أن تحتسب أجرك عند الله، وتسأله أن ينصرك ويعوضك خيرًا.

أما إذا رأيت أن المطالبة بحقك هي الأصلح، فليكن ذلك وفق الخطوات الآتية:
- اعرف كل ما يدعم حقك من اللوائح والأنظمة التي تثبت استحقاقك للترقية.
- ابدأ بالأسلوب اللين؛ فهو أقرب للقبول، فقد يكون في الأمر ما خفي عليك، أو يكون بعض ما في نفسك ناتجًا عن سوء فهم، لذلك افسح مجالًا للإصلاح والعفو، وافهم الأسباب العملية التي بُني عليها قرار الترقية، ثم قارنها بشروط الترقية، ومدى انطباقها عليك، وعلى الشخص الذي رُقِّي.
- استشر شخصًا مخلصًا، صاحب خبرة وحكمة؛ ليعينك على تقدير الموقف قبل اتخاذ أي خطوة.
- بعد ذلك، إن رأيت أن حقك ما زال قائمًا، فادخل في حوار هادئ مع مديرك، بعيدًا عن الاتهام، راجيًا أن تكسب قلبه قبل أن تكسب الموقف؛ فقد تحقق ما تريد بالحكمة أكثر مما تحققه بالمواجهة.

أخي العزيز: احرص على الإنصاف؛ فكونك ممثلًا للعمال أو مدافعًا عنهم لا يعني أن كل موقف للإدارة خطأ، كما أن كل موقف للعامل ليس صوابًا؛ فالعدل يقتضي أن تكون مع الحق حيث كان.

وأخيرًا -أخي الكريم- إذا واجهت مديرك فقد تكون لذلك تبعات مهنية، وربما كان نفوذه أكبر من نفوذك، فاحسب العواقب جيدًا، واجعل قوتك في علمك، وفي معرفتك بالأنظمة، وفي حسن خلقك، لا في الانفعال، ورفع الصوت، وحتى لا تكون بيئة العمل التي تقضي بها جل يومك مكان للتوتر والشحناء والأحقاد.

واعلم أن صاحب الحق إذا جمع بين الصدق، والحكمة، والهدوء، كان أقرب إلى نيل حقه، وإن لم ينله بقيت له كرامته عند الله وعند الناس، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب).

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يرد إليك حقك، وأن يرزقك الحكمة والبصيرة، وأن يختار لك الخير حيث كان.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً