الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 75 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ ، وَلَا بَعْدَهُ . وَبِذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ ، وَكَرِهَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَكَمُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَإِسْحَاقُ وَكَرِهَ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ السَّنَانِيرِ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ . وَرَخَّصَ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ جَابِرٌ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَعُرْوَةَ أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي الرُّكُوبِ عَلَى جُلُودِ النُّمُورِ ، وَرَخَّصَ فِيهَا الزُّهْرِيُّ وَأَبَاحَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، الصَّلَاةَ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ : لِأَنَّ الثَّعَالِبَ تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ ، فَكَانَتْ مُبَاحَةً ، وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ . وَلَنَا : مَا رَوَى أَبُو رَيْحَانَةَ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ . } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا . } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ . } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ . } مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءِ مِنْ الْمَيْتَةِ . وَأَمَّا الثَّعَالِبُ فَيُبْنَى حُكْمُهَا عَلَى حِلِّهَا ، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ ، كَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي جُلُودِهَا ; فَإِنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا فَحُكْمُ جُلُودِهَا حُكْمُ جُلُودِ بَقِيَّةِ السِّبَاعِ ، وَكَذَلِكَ السَّنَانِيرُ الْبَرِّيَّةُ ، فَأَمَّا الْأَهْلِيَّةُ فَمُحَرَّمَةٌ ، وَهَلْ تَطْهُرُ جُلُودُهَا بِالدِّبَاغِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ . ( 76 ) فَصْلٌ : إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ الْجُلُودِ بِالدِّبَاغِ لَمْ يَطْهُرْ مِنْهَا جِلْدُ مَا لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَطْهُرُ إلَّا مَا كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ . وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ } . فَشَبَّهَ الدَّبْغَ بِالذَّكَاةِ ; وَالذَّكَاةُ إنَّمَا تُعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ ; وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُطَهِّرَيْنِ لِلْجِلْدِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي غَيْرِ مَأْكُولٍ كَالذَّبْحِ . وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ كُلَّ طَاهِرٍ فِي الْحَيَاةِ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ ; لِعُمُومِ لَفْظِهِ فِي ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } يَتَنَاوَلُ الْمَأْكُولَ وَغَيْرَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي الْحَيَاةِ ; لِكَوْنِ الدَّبْغِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ نَجَاسَةٍ حَادِثَةٍ بِالْمَوْتِ ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ . وَحَدِيثُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالذَّكَاةِ التَّطْيِيبَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ ، أَيْ : طَيِّبَةٌ وَهَذَا يُطَيِّبُ الْجَمِيعَ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا : أَنَّهُ أَضَافَ الذَّكَاةَ إلَى الْجِلْدِ خَاصَّةً ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْجِلْدُ هُوَ تَطْيِيبُهُ وَطَهَارَتُهُ ، أَمَّا الذَّكَاةُ الَّتِي هِيَ الذَّبْحُ ، فَلَا تُضَافُ إلَّا إلَى الْحَيَوَانِ كُلِّهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالذَّكَاةِ الطَّهَارَةَ ، فَسَمَّى الطَّهَارَةَ ذَكَاةٌ ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا فِي كُلِّ جِلْدٍ ، فَيَتَنَاوَلُ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية