الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              تحفة المحتاج شرح المنهاج ( فَصْلٌ ) فِي الْعَقِيقَةِ وَهِيَ لُغَةً شَعْرُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ حِينَ وِلَادَتِهِ وَشَرْعًا مَا يُذْبَحُ عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِهِ تَسْمِيَةً لَهَا بِاسْمِ مُقَارِنِهَا كَمَا هُوَ عَادَتُهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ الذَّبْحُ نَفْسُهُ وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ؛ لِأَنَّ عَقَّ لُغَةً قَطَعَ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ { الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ } أَيْ فَمَعَ تَرْكِهَا لَا يَنْمُو نُمُوَّ أَمْثَالِهِ قَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ لَا يَشْفَعُ لِأَبَوَيْهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ وَاسْتَبْعَدَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا لَا بُعْدَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي ذَلِكَ فَاللَّائِقُ بِجَلَالَةِ أَحْمَدَ وَإِحَاطَتِهِ بِالسُّنَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ تَوْقِيفٌ فِيهِ لَا سِيَّمَا نَقَلَهُ الْحَلِيمِيُّ عَنْ جَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَحْمَدَ وَشُرِعَتْ إظْهَارًا لِلْبِشْرِ وَنَشْرًا لِلنَّسَبِ وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ تَسْمِيَتَهَا عَقِيقَةً أَيْ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَكْرَهُ الْفَأْلَ الْقَبِيحَ } بَلْ تُسَمَّى نَسِيكَةً أَوْ ذَبِيحَةً وَلَمْ تَجِبْ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد { مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسِكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ } وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا وَبِأَنَّهَا بِدْعَةٌ إفْرَاطٌ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَبْحُهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِقِيمَتِهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَتْنِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى بِشَاةٍ الْأُضْحِيَّةَ وَالْعَقِيقَةَ لَمْ تَحْصُلْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْأُضْحِيَّةِ الضِّيَافَةُ الْعَامَّةُ وَمِنْ الْعَقِيقَةِ الضِّيَافَةُ الْخَاصَّةُ وَلِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي مَسَائِلَ كَمَا يَأْتِي وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ حُصُولَهُمَا وَقَاسَهُ عَلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَبْنَى الطَّهَارَاتِ عَلَى التَّدَاخُلِ فَلَا يُقَاسُ بِهَا غَيْرُهَا ( يُسَنُّ ) سُنَّةً مُؤَكَّدَةً ( أَنْ يَعُقَّ عَنْ ) الْوَلَدِ بَعْدَ تَمَامِ انْفِصَالِهِ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَنْ اعْتَمَدَ مُقَابِلَهُ لَا سِيَّمَا الْأَذْرَعِيُّ لَا قَبْلَهُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ لَكِنْ يَنْبَغِي حُصُولُ أَصْلِ السُّنَّةِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى عِلْمِ وُجُودِهِ وَقَدْ وَجَدُوا وَالْعَاقَّ هُوَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِتَقْدِيرِ فَقْرِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا الْوَلَدُ بِشَرْطِ يَسَارِ الْعَاقِّ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِيمَا يَظْهَرُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ أَكْثَرِ النِّفَاسِ وَإِلَّا لَمْ تُشْرَعْ لَهُ وَفِي مَشْرُوعِيَّتِهَا لِلْوَلَدِ حِينَئِذٍ بَعْدَ بُلُوغِهِ احْتِمَالَانِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَأَنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِمْ سَنُّهَا لِمَنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَقِلٌّ فَلَا يَنْتَفِي النَّدْبُ فِي حَقِّهِ بِانْتِفَائِهِ فِي حَقِّ أَصْلِهِ وَخَبَرُ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ } قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ بَاطِلٌ وَكَأَنَّهُ قَلَّدَ فِي ذَلِكَ إنْكَارَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ لَهُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوا فِي كُلِّ طُرُقِهِ فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ قَالَ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ فِي أَحَدِهَا أَنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا وَاحِدًا وَهُوَ ثِقَةٌ . ا هـ . وَعَقُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَسَنَيْنِ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي نَفَقَتِهِ لِإِعْسَارِ أَبَوَيْهِمَا أَوْ مَعْنَى عَقَّ إذْنٌ لِأَبِيهِمَا أَوْ إعْطَاءُ مَا عَقَّ بِهِ وَمِمَّنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ الْأُمَّهَاتُ فِي وَلَدِ زِنًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَدْبِهَا إظْهَارُهَا الْمُنَافِي لِإِخْفَائِهِ وَالْوَلَدُ الْقِنُّ يَنْبَغِي لِأَصْلِهِ الْحُرِّ الْعَقُّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ لِأَنَّهُ لِعَارِضٍ دُونَ السَّيِّدِ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْأُصُولِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَعُقَّ عَنْ ( غُلَامٍ ) أَيْ ذَكَرٍ ( بِشَاتَيْنِ ) وَيُسَنُّ تَسَاوِيهِمَا ( وَ ) يُسَنُّ أَنْ يَعُقَّ عَنْ ( جَارِيَةٍ ) أَيْ أُنْثَى وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى عَلَى الْأَوْجَهِ فَإِنْ قُلْت مَا فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا الشَّاةُ تُجْزِئُ حَتَّى عَنْ الذَّكَرِ قُلْت فَائِدَتُهُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ فِيهِ عَلَى شَاةٍ هَلْ يَكُونُ خِلَافَ الْأَكْمَلِ كَالذَّكَرِ أَوْ لَا كَالْأُنْثَى وَإِنَّمَا رَجَّحْنَا هَذَا ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى ذَابِحِ وَاحِدَةٍ عَنْهُ بِأَنَّهُ خَالَفَ الْأَكْمَلَ مَعَ الشَّكِّ بَعِيدٌ وَأَمَّا قَوْلُ الْبَيَانِ يَذْبَحُ عَنْهُ شَاتَيْنِ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خَالَفَ الْأَكْمَلَ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ سَبَبَ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ ( بِشَاةٍ ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ بِذَلِكَ وَلِكَوْنِهَا فِدَاءً عَنْ النَّفْسِ أَشْبَهَتْ الدِّيَةَ فِي كَوْنِ الْأُنْثَى عَلَى النِّصْفِ مِنْ الذَّكَرِ وَتُجْزِئُ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ عَنْ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِشَاةٍ وَآثَرَ الشَّاةَ تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْوَارِدِ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ هُنَا نَظِيرُ مَا مَرَّ مِنْ سَبْعِ شِيَاهٍ ثُمَّ الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الضَّأْنُ ثُمَّ الْمَعْزُ ثُمَّ شِرْكٌ فِي بَدَنَةٍ ثُمَّ بَقَرَةٍ حاشية ابن قاسم العبادي ( فَصْلٌ ) يُسَنُّ أَنْ يَعُقَّ عَنْ غُلَامِ بِشَاتَيْنِ . إلَخْ ( قَوْلُهُ : ؛ لِأَنَّ عَقَّ لُغَةً قَطَعَ إلَخْ ) قَدْ يُقَالُ هَذَا يَمْنَعُ أَنَّ الْعَقِيقَةَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ أَيْ مَذْبُوحَةٌ تَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْأُضْحِيَّةِ الضِّيَافَةُ الْعَامَّةُ . إلَخْ ) قَدْ يُقَالُ وَأَيْضًا كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِنْ شَاةٍ وَيَلْزَمُ مِنْ حُصُولِهِمَا بِوَاحِدَةٍ حُصُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُونِهَا . ( قَوْلُهُ : يُسَنُّ أَنْ يَعُقَّ عَنْ الْوَلَدِ بَعْدَ تَمَامِ انْفِصَالِهِ إلَخْ ) قَالَ فِي الْعُبَابِ وَيَعُقُّ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ السَّابِعِ وَأَمْكَنَ الذَّبْحُ لَا قَبْلَ السَّابِعِ أَوْ التَّمَكُّنُ مِنْ الذَّبْحِ قَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَاعْتَمَدَهُ فِي الْكِفَايَةِ لَكِنْ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يَعُقُّ عَنْهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ السَّابِعِ وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ يَبْعُدُ نَدْبُهَا عَمَّنْ مَاتَ عَقِبَ الْوِلَادَةِ لَا قَبْلَ السَّبْعَةِ وَلَعَلَّ مَا فِي الْمَجْمُوعِ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ بَعْدُ إلَى قَبْلُ ا هـ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إذْ سَبْقُ الْقَلَمِ لَا يَقْدُمُ عَلَيْهِ بِالتَّرَاخِي وَإِنَّمَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا فَأَجْرَى عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى وَجْهٍ مِنْهُ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ هُنَا لَكِنَّهُ فِي آخِرِ الْبَابِ جَرَى عَلَى مُقَابِلِهِ فَقَالَ لَوْ مَاتَ الْمَوْلُودُ قَبْلَ السَّابِعِ اُسْتُحِبَّتْ الْعَقِيقَةُ عَنْهُ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَمَالِكٍ فَقَوْلُهُ : عِنْدَنَا فِي مُقَابَلَةِ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ . إلَخْ ا هـ . قَوْلُهُ : سِنَّهَا ) مَفْعُولُ إطْلَاقِهِمْ ( قَوْلُهُ : الْأَوَّلُ ) خَبَرُ إنَّ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ سَبَبَ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مِنْ لَازِمٍ تَسْلِيمُ أَنَّ الْأَفْضَلَ ذَلِكَ الْحُكْمُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ خَالَفَ الْأَفْضَلَ وَيَكْفِي فِي صِحَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُخَالَفَةُ مَا حُكِمَ بِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ لِلِاحْتِيَاطِ إذْ مُخَالَفَةُ الِاحْتِيَاطِ أَمْرٌ مَفْضُولٌ بِلَا شُبْهَةٍ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَجْتَمِعُ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ وَأَنَّ مَخَالِفَهُ لَمْ يُخَالِفْ الْأَفْضَلَ كَمَا هُوَ حَاصِلُ كَلَامِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية