[ ص: 189 ] الباب السابع
في أحكام الميم الساكنة
محتويات الباب
1 –
nindex.php?page=treesubj&link=28950تعريف الميم الساكنة وإخراج محترزات القيود وأقسامها .
2 – الكلام على الحكم الأول «الإخفاء الشفوي» وأقوال أهل العلم فيه.
3 – الكلام على الحكم الثاني «الإدغام الصغير» ووجهه وضابطه.
4 – الكلام على الحكم الثالث «الإظهار الشفوي» ووجهه وضابطه.
[ ص: 190 ] [ ص: 191 ] تعريف الميم الساكنة وإخراج محترزات القيود وأقسامها
الميم الساكنة: هي التي سكونها ثابت في الوصل والوقف نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=2الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 2]
nindex.php?page=tafseer&surano=30&ayano=17فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون [الروم: 17].
فقولنا: الميم الساكنة خرج به الميم المتحركة مطلقا نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=68&ayano=2ما أنت بنعمة ربك بمجنون [القلم: 2] وكذلك الميم المشددة نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=13ثم جعلناه نطفة في [المؤمنون: 13]
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=142فتم ميقات ربه أربعين ليلة [الأعراف: 142] وقد تقدم الكلام عليها قريبا.
وقولنا: "التي سكونها ثابت" خرج به ما كان ثابتا وزال للتخلص من التقاء الساكنين نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=73&ayano=2قم الليل [المزمل: 2]
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=50أم ارتابوا [النور: 50].
وقولنا: "في الوصل والوقف" خرج به السكون العارض كسكون الميم المتطرفة في الوقف، كما لو وقف على نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=128حكيم عليم [الأنعام: 128].
هذا، وتقع الميم الساكنة المقصودة في هذا الباب متوسطة ومتطرفة، وتكون في الاسم نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=70له الحمد في الأولى والآخرة [القصص: 70] وفي الفعل نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6قمتم [المائدة: 6]
[ ص: 192 ] و
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=30ويمكرون [الأنفال: 30]
nindex.php?page=tafseer&surano=74&ayano=2قم فأنذر [المدثر: 2] وفي الحرف نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=53&ayano=36أم لم ينبأ [النجم: 36].
وتكون للجمع نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=25ولهم فيها أزواج مطهرة [البقرة: 25] " ولكم ما كسبتم " [البقرة: 134، 141]
[ ص: 193 ] ولغير الجمع كما مثلنا سابقا، ويصح وقوعها ساكنة قبل الحروف الهجائية عموما إلا الألف اللينة - ألف المد - فلا يتأتى سكون الميم قبلها بحال؛ لأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحا دائما، كما هو مقرر في محله.
وهذا ما أشار إليه العلامة
الجمزوري في تحفته بقوله فيها:
والميم إن تسكن تجي قبل الهجا لا ألف لينة لذي الحجا
اهـ
وللميم الساكنة في الحالين - على ما ذكرنا - أحكام ثلاثة، وهي: الإخفاء
[ ص: 194 ] الشفوي، والإدغام الصغير، والإظهار الشفوي، وقد تقدم معنى كل في اللغة والاصطلاح.
وقد أشار إليها العلامة
الجمزوري في تحفته بقوله فيها:
أحكامها ثلاثة لمن ضبط إخفاء إدغام وإظهار فقط
اهـ
ولكل من الأحكام الثلاثة هذه كلام خاص نوضحه فيما يلي:
[ ص: 195 ] الكلام على الحكم الأول
nindex.php?page=treesubj&link=28950«الإخفاء الشفوي» وأقوال أهل العلم فيه، ووجهه وضابطه
الإخفاء الشفوي له حرف واحد وهو الباء، فإذا وقع بعد الميم الساكنة - ولا يكون ذلك إلا من كلمتين - جاز إخفاؤها عنده مع الغنة، ويسمى إخفاء شفويا نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=33أم بظاهر [الرعد: 33]
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=48فاحكم بينهم بما أنـزل الله [المائدة: 48]
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=16يوم هم بارزون [غافر: 16].
والإخفاء مع الغنة هو المختار، وعليه أهل الأداء بمصر والشام والأندلس وغيرها، واختاره أكثر المحققين كالحافظ
nindex.php?page=showalam&ids=12111أبي عمرو الداني ،
وابن الجزري ،
nindex.php?page=showalam&ids=13492وابن مجاهد ، وغيرهم.
[ ص: 196 ] وقد أشار صاحب التحفة إلى الإخفاء الشفوي مقتصرا عليه بقوله فيها:
فالأول الإخفاء عند الباء وسمه الشفوي للقراء
اهـ
كما أشار إليه أيضا الحافظ
ابن الجزري في المقدمة الجزرية مختارا له بقوله فيها:
......................... ........ وأخفين
الميم إن تسكن بغنة لدى باء على المختار من أهل الأدا
اهـ
وسمي إخفاء لإخفاء الميم الساكنة لدى الباء، وشفويا لخروج الميم والباء من الشفتين، ووجهه التجانس في المخرج وفي أكثر الصفات.
[ ص: 197 ] الكلام على الحكم الثاني
nindex.php?page=treesubj&link=28949«الإدغام الصغير» ووجهه وضابطه
الإدغام الصغير له حرف واحد وهو "الميم" فإذا وقع بعد الميم الساكنة - سواء كان معها في كلمة أم كان في كلمتين - وجب إدغام الميم الساكنة في الميم المتحركة، ويسمى إدغام مثلين صغيرا مع الغنة.
فالذي من كلمة نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=1الم [البقرة: 1]
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=1المص [الأعراف: 1]
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=1المر تلك آيات الكتاب والذي أنـزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون [الرعد: 1].
والذي من كلمتين نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=249كم من فئة [البقرة: 249] " ولكم ما كسبتم " [البقرة: 134، 141]
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=11أم من خلقنا [الصافات: 11].
ومنه إدغام النون الساكنة والتنوين في الميم نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=33من مال الله [النور: 33]
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=59كتاب مبين [الأنعام: 59] وذلك لقلب المدغم من جنس المدغم فيه، وكذلك يطلق على كل ميم مشددة، قال في النشر: "ويطلق ذلك في كل ميم مشددة نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=47&ayano=10دمر [القتال: 10] و
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=11يعمر [فاطر: 11] و
nindex.php?page=tafseer&surano=111&ayano=4حمالة [المسد: 4] و " هم " [يوسف: 24]
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=109أم من أسس [التوبة: 109] اهـ.
[ ص: 198 ] وبهذا قد انتفى ما قاله بعض المحدثين من أن الإدغام الصغير هنا لا يكون إلا في كلمتين، فقد اتضح مما تقدم أنه يكون في كلمة أيضا.
وسمي إدغاما لإدغام الميم الساكنة في المتحركة، وسمي بالمثلين لكون المدغم والمدغم فيه مؤلفان من حرفين اتحدا مخرجا وصفة، أو اتحدا اسما ورسما، كما سيأتي.
وسمي صغيرا لكون الأول من المثلين ساكنا والثاني متحركا، أو لقلة عمل المدغم، وقيل غير ذلك، وسمي بالغنة لكون الغنة مصاحبة له، وهي هنا غنة المدغم بالإجماع، ووجهه التماثل.
وقد أشار صاحب التحفة إلى حكم الإدغام الصغير بقوله فيها:
والثاني إدغام بمثلها أتى وسم إدغاما صغيرا يا فتى
وكذلك ينطوي دليل هذا الإدغام أيضا تحت قول الحافظ
ابن الجزري في المقدمة الجزرية الآتي بعد:
وأولي مثل وجنس إن سكن أدغم ...... إلخ
وهو هنا من باب إدغام المثلين.
[ ص: 199 ] الكلام على الحكم الثالث
nindex.php?page=treesubj&link=28950«الإظهار الشفوي» ووجهه وضابطه
وحروف الإظهار الشفوي ستة وعشرون حرفا، وهي الباقية من الحروف الهجائية بعد إسقاط حرف الباء الذي تقدم ذكره في الإخفاء الشفوي، وحرف الميم الذي تقدم ذكره في الإدغام الصغير، فإذا وقع حرف من هذه الأحرف بعد الميم الساكنة - سواء كان معها في كلمة واحدة أو في كلمتين - وجب إظهارها، ويسمى إظهارا شفويا.
فالذي من كلمة نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=2الحمد لله [الفاتحة: 1]
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=7أنعمت عليهم [الفاتحة: 7]
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=65ويمسك السماء [الحج: 65]
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6قمتم إلى الصلاة [المائدة: 6]
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=1الر [يونس: 1] والميم الثانية من نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=1المر [الرعد: 1]
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=1المص [الأعراف: 1].
والذي من كلمتين نحو:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=232ذلكم أزكى لكم وأطهر [البقرة: 232]
nindex.php?page=tafseer&surano=38&ayano=63أم زاغت [ص: 63]
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=79ألم يروا [النحل: 79] وما إلى ذلك.
وسمي إظهارا لإظهار الميم الساكنة عند ملاقاتها بحرف من حروف الإظهار
[ ص: 200 ] الستة والعشرين.
وسمي شفويا لخروج الميم الساكنة المظهرة من الشفتين.
ووجهه التباعد، أي: بعد مخرج الميم عن أكثر مخارج حروف الإظهار.
ثم إن إظهار الميم الساكنة يكون عند الفاء والواو آكد؛ خوفا من أن يسبق اللسان إلى إخفائها عند هذين الحرفين لقربها من الفاء في المخرج واتحادها مع الواو فيه، وذلك كقوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=15الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون [البقرة: 15] وإظهار هذه الميم في هذه الحالة يسمى إظهارا شفويا أشد إظهار.
وقد أشار العلامة
الجمزوري إلى الإظهار الشفوي مع التحذير من إخفاء الميم لدى الواو والفاء في تحفته بقوله فيها:
والثالث الإظهار في البقيه من أحرف وسمها شفويه
واحذر لدى واو وفا أن تختفي لقربها والاتحاد فاعرف
اهـ
كما أشار إليه أيضا
الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله فيها:
وأظهرنها عند باقي الأحرف واحذر لدى وواو وفا أن تختفي
اهـ
والله تعالى أعلى وأعلم.
[ ص: 189 ] الْبَابُ السَّابِعُ
فِي أَحْكَامِ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ
مُحْتَوَيَاتُ الْبَابِ
1 –
nindex.php?page=treesubj&link=28950تَعْرِيفُ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ وَإِخْرَاجُ مُحْتَرَزَاتِ الْقُيُودِ وَأَقْسَامُهَا .
2 – الْكَلَامُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ «الْإِخْفَاءِ الشَّفَوِيِّ» وَأَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ.
3 – الْكَلَامُ عَلَى الْحُكْمِ الثَّانِي «الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ» وَوَجْهُهُ وَضَابِطُهُ.
4 – الْكَلَامُ عَلَى الْحُكْمِ الثَّالِثِ «الْإِظْهَارِ الشَّفَوِيِّ» وَوَجْهُهُ وَضَابِطُهُ.
[ ص: 190 ] [ ص: 191 ] تَعْرِيفُ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ وَإِخْرَاجُ مُحْتَرَزَاتِ الْقُيُودِ وَأَقْسَامُهَا
الْمِيمُ السَّاكِنَةُ: هِيَ الَّتِي سُكُونُهَا ثَابِتٌ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=2الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الْفَاتِحَةِ: 2]
nindex.php?page=tafseer&surano=30&ayano=17فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الرُّومِ: 17].
فَقَوْلُنَا: الْمِيمُ السَّاكِنَةُ خَرَجَ بِهِ الْمِيمُ الْمُتَحَرِّكَةُ مُطْلَقًا نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=68&ayano=2مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [الْقَلَمِ: 2] وَكَذَلِكَ الْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=13ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي [الْمُؤْمِنُونَ: 13]
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=142فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الْأَعْرَافِ: 142] وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا قَرِيبًا.
وَقَوْلُنَا: "الَّتِي سُكُونُهَا ثَابِتٌ" خَرَجَ بِهِ مَا كَانَ ثَابِتًا وَزَالَ لِلتَّخَلُّصِ مِنِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=73&ayano=2قُمِ اللَّيْلَ [الْمُزَّمِّلِ: 2]
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=50أَمِ ارْتَابُوا [النُّورِ: 50].
وَقَوْلُنَا: "فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ" خَرَجَ بِهِ السُّكُونُ الْعَارِضُ كَسُكُونِ الْمِيمِ الْمُتَطَرِّفَةِ فِي الْوَقْفِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى نَحْوِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=128حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الْأَنْعَامِ: 128].
هَذَا، وَتَقَعُ الْمِيمُ السَّاكِنَةُ الْمَقْصُودَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَوَسِّطَةً وَمُتَطَرِّفَةً، وَتَكُونُ فِي الِاسْمِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=70لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ [الْقَصَصِ: 70] وَفِي الْفِعْلِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6قُمْتُمْ [الْمَائِدَةِ: 6]
[ ص: 192 ] وَ
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=30وَيَمْكُرُونَ [الْأَنْفَالِ: 30]
nindex.php?page=tafseer&surano=74&ayano=2قُمْ فَأَنْذِرْ [الْمُدَّثِّرِ: 2] وَفِي الْحَرْفِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=53&ayano=36أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ [النَّجْمِ: 36].
وَتَكُونُ لِلْجَمْعِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=25وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ [الْبَقَرَةِ: 25] " وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ " [الْبَقَرَةِ: 134، 141]
[ ص: 193 ] وَلِغَيْرِ الْجَمْعِ كَمَا مَثَّلْنَا سَابِقًا، وَيَصِحُّ وُقُوعُهَا سَاكِنَةً قَبْلَ الْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ عُمُومًا إِلَّا الْأَلِفَ اللَّيِّنَةَ - أَلِفَ الْمَدِّ - فَلَا يَتَأَتَّى سُكُونُ الْمِيمِ قَبْلَهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَفْتُوحًا دَائِمًا، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ.
وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْعَلَّامَةُ
الْجَمْزُورِيُّ فِي تُحْفَتِهِ بِقَوْلِهِ فِيهَا:
وَالْمِيمُ إِنْ تَسْكُنْ تَجِي قَبْلَ الْهِجَا لَا أَلِفَ لَيِّنَةٍ لِذِي الْحِجَا
اهـ
وَلِلْمِيمِ السَّاكِنَةِ فِي الْحَالَيْنِ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا - أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ: الْإِخْفَاءُ
[ ص: 194 ] الشَّفَوِيُّ، وَالْإِدْغَامُ الصَّغِيرُ، وَالْإِظْهَارُ الشَّفَوِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى كُلٍّ فِي اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْعَلَّامَةُ
الْجَمْزُورِيُّ فِي تُحْفَتِهِ بِقَوْلِهِ فِيهَا:
أَحْكَامُهَا ثَلَاثَةٌ لِمَنْ ضَبَطْ إِخْفَاءٌ إِدْغَامٌ وَإِظْهَارٌ فَقَطْ
اهـ
وَلِكُلٍّ مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ هَذِهِ كَلَامٌ خَاصٌّ نُوَضِّحُهُ فِيمَا يَلِي:
[ ص: 195 ] الْكَلَامُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ
nindex.php?page=treesubj&link=28950«الْإِخْفَاءِ الشَّفَوِيِّ» وَأَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ، وَوَجْهُهُ وَضَابِطُهُ
الْإِخْفَاءُ الشَّفَوِيُّ لَهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْبَاءُ، فَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ - وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ كَلِمَتَيْنِ - جَازَ إِخْفَاؤُهَا عِنْدَهُ مَعَ الْغُنَّةِ، وَيُسَمَّى إِخْفَاءً شَفَوِيًّا نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=33أَمْ بِظَاهِرٍ [الرَّعْدِ: 33]
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=48فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ [الْمَائِدَةِ: 48]
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=16يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ [غَافِرٍ: 16].
وَالْإِخْفَاءُ مَعَ الْغُنَّةِ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ كَالْحَافِظِ
nindex.php?page=showalam&ids=12111أَبِي عَمْرٍو الدَّانِي ،
وَابْنِ الْجَزَرِيِّ ،
nindex.php?page=showalam&ids=13492وَابْنِ مُجَاهِدٍ ، وَغَيْرِهِمْ.
[ ص: 196 ] وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ إِلَى الْإِخْفَاءِ الشَّفَوِيِّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِيهَا:
فَالْأَوَّلُ الْإِخْفَاءُ عِنْدَ الْبَاءِ وَسَمِّهِ الشَّفَوِيَّ لِلْقُرَّاءِ
اهـ
كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَيْضًا الْحَافِظُ
ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْجَزَرِيَّةِ مُخْتَارًا لَهُ بِقَوْلِهِ فِيهَا:
......................... ........ وَأَخْفِيَنْ
الْمِيمَ إِنْ تَسْكُنْ بِغُنَّةٍ لَدَى بَاءٍ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَا
اهـ
وَسُمِّيَ إِخْفَاءً لِإِخْفَاءِ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ لَدَى الْبَاءِ، وَشَفَوِيًّا لِخُرُوجِ الْمِيمِ وَالْبَاءِ مِنَ الشَّفَتَيْنِ، وَوَجْهُهُ التَّجَانُسُ فِي الْمَخْرَجِ وَفِي أَكْثَرِ الصِّفَاتِ.
[ ص: 197 ] الْكَلَامُ عَلَى الْحُكْمِ الثَّانِي
nindex.php?page=treesubj&link=28949«الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ» وَوَجْهُهُ وَضَابِطُهُ
الْإِدْغَامُ الصَّغِيرُ لَهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ "الْمِيمُ" فَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ - سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا فِي كَلِمَةٍ أَمْ كَانَ فِي كَلِمَتَيْنِ - وَجَبَ إِدْغَامُ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ فِي الْمِيمِ الْمُتَحَرِّكَةِ، وَيُسَمَّى إِدْغَامَ مِثْلَيْنِ صَغِيرًا مَعَ الْغُنَّةِ.
فَالَّذِي مِنْ كَلِمَةٍ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=1الم [الْبَقَرَةِ: 1]
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=1المص [الْأَعْرَافِ: 1]
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=1المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [الرَّعْدِ: 1].
وَالَّذِي مِنْ كَلِمَتَيْنِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=249كَمْ مِنْ فِئَةٍ [الْبَقَرَةِ: 249] " وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ " [الْبَقَرَةِ: 134، 141]
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=11أَمْ مَنْ خَلَقْنَا [الصَّافَّاتِ: 11].
وَمِنْهُ إِدْغَامُ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ فِي الْمِيمِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=33مِنْ مَالِ اللَّهِ [النُّورِ: 33]
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=59كِتَابٍ مُبِينٍ [الْأَنْعَامِ: 59] وَذَلِكَ لِقَلْبِ الْمُدْغَمِ مِنْ جِنْسِ الْمُدْغَمِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مِيمٍ مُشَدَّدَةٍ، قَالَ فِي النَّشْرِ: "وَيُطْلَقُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِيمٍ مُشَدَّدَةٍ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=47&ayano=10دَمَّرَ [الْقِتَالِ: 10] وَ
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=11يُعَمَّرُ [فَاطِرٍ: 11] وَ
nindex.php?page=tafseer&surano=111&ayano=4حَمَّالَةَ [الْمَسَدِ: 4] وَ " هَمَّ " [يُوسُفَ: 24]
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=109أَمْ مَنْ أَسَّسَ [التَّوْبَةِ: 109] اهـ.
[ ص: 198 ] وَبِهَذَا قَدِ انْتَفَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحْدِثِينَ مِنْ أَنَّ الْإِدْغَامَ الصَّغِيرَ هُنَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي كَلِمَتَيْنِ، فَقَدِ اتَّضَحَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي كَلِمَةٍ أَيْضًا.
وَسُمِّيَ إِدْغَامًا لِإِدْغَامِ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ فِي الْمُتَحَرِّكَةِ، وَسُمِّيَ بِالْمِثْلَيْنِ لِكَوْنِ الْمُدْغَمِ وَالْمُدْغَمِ فِيهِ مُؤَلَّفَانِ مِنْ حَرْفَيْنِ اتَّحَدَا مَخْرَجًا وَصِفَةً، أَوِ اتَّحَدَا اسْمًا وَرَسْمًا، كَمَا سَيَأْتِي.
وَسُمِّيَ صَغِيرًا لِكَوْنِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمِثْلَيْنِ سَاكِنًا وَالثَّانِي مُتَحَرِّكًا، أَوْ لِقِلَّةِ عَمَلِ الْمُدْغَمِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَسُمِّيَ بِالْغُنَّةِ لِكَوْنِ الْغُنَّةِ مُصَاحِبَةً لَهُ، وَهِيَ هُنَا غُنَّةُ الْمُدْغَمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَوَجْهُهُ التَّمَاثُلُ.
وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ إِلَى حَكَمِ الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ فِيهَا:
وَالثَّانِي إِدْغَامٌ بِمِثْلِهَا أَتَى وَسَمِّ إِدْغَامًا صَغِيرًا يَا فَتَى
وَكَذَلِكَ يَنْطَوِي دَلِيلُ هَذَا الْإِدْغَامِ أَيْضًا تَحْتَ قَوْلِ الْحَافِظِ
ابْنِ الْجَزَرِيِّ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْجَزَرِيَّةِ الْآتِي بَعْدُ:
وَأَوَّلَيْ مِثْلٍ وَجِنْسٍ إِنْ سَكَنْ أَدْغِمْ ...... إِلَخْ
وَهُوَ هُنَا مِنْ بَابِ إِدْغَامِ الْمِثْلَيْنِ.
[ ص: 199 ] الْكَلَامُ عَلَى الْحُكْمِ الثَّالِثِ
nindex.php?page=treesubj&link=28950«الْإِظْهَارِ الشَّفَوِيِّ» وَوَجْهُهُ وَضَابِطُهُ
وَحُرُوفُ الْإِظْهَارِ الشَّفَوِيِّ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا، وَهِيَ الْبَاقِيَةُ مِنَ الْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ بَعْدَ إِسْقَاطِ حَرْفِ الْبَاءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْإِخْفَاءِ الشَّفَوِيِّ، وَحَرْفِ الْمِيمِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ، فَإِذَا وَقَعَ حَرْفٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُفِ بَعْدَ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ - سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي كَلِمَتَيْنِ - وَجَبَ إِظْهَارُهَا، وَيُسَمَّى إِظْهَارًا شَفَوِيًّا.
فَالَّذِي مِنْ كَلِمَةٍ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=2الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَةِ: 1]
nindex.php?page=tafseer&surano=1&ayano=7أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الْفَاتِحَةِ: 7]
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=65وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ [الْحَجِّ: 65]
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=6قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [الْمَائِدَةِ: 6]
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=1الر [يُونُسَ: 1] وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ مِنْ نَحْوِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=1المر [الرَّعْدِ: 1]
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=1المص [الْأَعْرَافِ: 1].
وَالَّذِي مِنْ كَلِمَتَيْنِ نَحْوُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=232ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ [الْبَقَرَةِ: 232]
nindex.php?page=tafseer&surano=38&ayano=63أَمْ زَاغَتْ [ص: 63]
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=79أَلَمْ يَرَوْا [النَّحْلِ: 79] وَمَا إِلَى ذَلِكَ.
وَسُمِّيَ إِظْهَارًا لِإِظْهَارِ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ عِنْدَ مُلَاقَاتِهَا بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْإِظْهَارِ
[ ص: 200 ] السِّتَّةِ وَالْعِشْرِينَ.
وَسُمِّيَ شَفَوِيًّا لِخُرُوجِ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ الْمُظْهَرَةِ مِنَ الشَّفَتَيْنِ.
وَوَجْهُهُ التَّبَاعُدُ، أَيْ: بُعْدُ مَخْرَجِ الْمِيمِ عَنْ أَكْثَرِ مَخَارِجِ حُرُوفِ الْإِظْهَارِ.
ثُمَّ إِنَّ إِظْهَارَ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ يَكُونُ عِنْدَ الْفَاءِ وَالْوَاوِ آكَدَ؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْبِقَ اللِّسَانُ إِلَى إِخْفَائِهَا عِنْدَ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ لِقُرْبِهَا مِنَ الْفَاءِ فِي الْمَخْرَجِ وَاتِّحَادِهَا مَعَ الْوَاوِ فِيهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=15اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الْبَقَرَةِ: 15] وَإِظْهَارُ هَذِهِ الْمِيمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُسَمَّى إِظْهَارًا شَفَوِيًّا أَشَدَّ إِظْهَارٍ.
وَقَدْ أَشَارَ الْعَلَّامَةُ
الْجَمْزُورِيُّ إِلَى الْإِظْهَارِ الشَّفَوِيِّ مَعَ التَّحْذِيرِ مِنْ إِخْفَاءِ الْمِيمِ لَدَى الْوَاوِ وَالْفَاءِ فِي تُحْفَتِهِ بِقَوْلِهِ فِيهَا:
وَالثَّالِثُ الْإِظْهَارُ فِي الْبَقِيَّهْ مِنْ أَحْرُفٍ وَسَمِّهَا شَفَوِيَّهْ
وَاحْذَرْ لَدَى وَاوٍ وَفَا أَنْ تَخْتَفِيَ لِقُرْبِهَا وَالِاتِّحَادِ فَاعْرِفِ
اهـ
كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَيْضًا
الْحَافِظُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْجَزَرِيَّةِ بِقَوْلِهِ فِيهَا:
وَأَظْهِرْنَهَا عِنْدَ بَاقِي الْأَحْرُفِ وَاحْذَرْ لَدَى وَوَاوٍ وَفَا أَنْ تَخْتَفِيَ
اهـ
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.