[ ص: 456 ] ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل عليه السلام فمن ذلك
nindex.php?page=treesubj&link=31895قصة يوسف ابن راحيل
وقد أنزل الله عز وجل في شأنه ، وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=1الر nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=1تلك آيات الكتاب المبين nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=2إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=3نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين [ يوسف : 1 - 3 ] . قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظر ثم ، وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير ، ونحن نذكر هاهنا نبذا مما هناك على وجه الإيجاز ، والنجاز .
وجملة القول في هذا المقام ،
nindex.php?page=treesubj&link=28424_32234_32232أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح بين واضح جلي ، يفهمه كل عاقل ذكي زكي فهو أشرف كتاب نزل من السماء ، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان بأفصح لغة وأظهر بيان ، فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها ، وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ، ودمغ الباطل وزيفه ورده ، وإن كان في الأوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج ، وأبين حكما
[ ص: 457 ] وأعدل حكما ، فهو كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=115وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [ الأنعام : 115 ] . يعني صدقا في الأخبار عدلا في الأوامر والنواهي ؛ ولهذا قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=3نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين . أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه ، كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=52وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات ، وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور [ الشورى : 52 - 53 ] . وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=99كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا [ طه : 99 - 101 ] . يعني من أعرض عن هذا القرآن ، واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد ، كما قال في الحديث المروي في المسند ،
nindex.php?page=showalam&ids=13948والترمذي ، عن أمير المؤمنين
علي ، مرفوعا وموقوفا :
من ابتغى الهدى في غيره أضله الله . وقال الإمام
أحمد : حدثنا
سريج بن النعمان ، حدثنا
هشيم ، أنبأنا
مجالد ، عن
الشعبي ، عن
جابر أن
عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض
أهل الكتاب فقرأه
[ ص: 458 ] على النبي صلى الله عليه وسلم قال : فغضب . وقال
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509791أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني . إسناد صحيح . ورواه
أحمد من وجه آخر ، عن
عمرو فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم ، وأنا حظكم من النبيين . وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة
يوسف ، وفي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته :
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509792أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه ، واختصر لي اختصارا ، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ، ولا يغرنكم المتهوكون . ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=4إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم [ يوسف : 4 - 6 ] . قد قدمنا أن
يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا ، وسميناهم ، وإليهم تنسب أسباط
بني إسرائيل كلهم ، وكان أشرفهم وأجلهم
[ ص: 459 ] وأعظمهم
يوسف عليه السلام ، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي إخوته لم يوح إليهم ، وظاهر ما ذكر من فعالهم ، ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول ، ومن استدل على نبوتهم بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=136قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط [ البقرة : 136 ] . وزعم أن هؤلاء هم الأسباط ، فليس استدلاله بقوي ؛ لأن المراد بالأسباط شعوب
بني إسرائيل ، وما كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء ، والله أعلم .
ومما يؤيد أن
يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على نبوته والإيحاء إليه في غير ما آية في كتابه العزيز ، ولم ينص على واحد من إخوته سواه ، فدل على ما ذكرناه . ويستأنس لهذا بما قال الإمام
أحمد : حدثنا
عبد الصمد ، حدثنا
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن
ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . انفرد به
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري ورواه عن
عبد الله بن محمد ،
وعبدة ، عن
عبد الصمد بن عبد الوارث به . وقد ذكرنا طرقه في قصة
إبراهيم بما أغنى عن إعادته هاهنا ، ولله الحمد والمنة .
[ ص: 460 ] قال المفسرون ، وغيرهم : رأى
يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن أحد عشر كوكبا ، وهم إشارة إلى بقية إخوته ، والشمس والقمر هما عبارة عن أبويه قد سجدوا له فهاله ذلك ، فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة ، بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها ، فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ، ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر ، وهذا يدل على ما ذكرناه ؛ ولهذا جاء في بعض الآثار
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509793 . nindex.php?page=treesubj&link=32522استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها فإن كل ذي نعمة محسود . وعند
أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معا . وهو غلط منهم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6وكذلك يجتبيك ربك . أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6يجتبيك ربك أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6ويعلمك من تأويل الأحاديث . أي يفهمك من معاني الكلام ، وتعبير المنام مالا يفهمه غيرك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6ويتم نعمته عليك . أي بالوحي إليك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6وعلى آل يعقوب . أي بسببك ، ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق . أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة ، كما أعطاها أباك
يعقوب وجدك
إسحاق ووالد جدك
إبراهيم الخليل
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6إن ربك عليم حكيم . كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=124الله أعلم حيث يجعل رسالته [ الأنعام : 124 ] .
ولهذا
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل nindex.php?page=treesubj&link=31902أي الناس أكرم ؟ قال : يوسف نبي الله ابن [ ص: 461 ] نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله . وقد روى
ابن جرير ،
nindex.php?page=showalam&ids=16328وابن أبي حاتم في تفسيريهما ،
وأبو يعلى ،
nindex.php?page=showalam&ids=13863والبزار في مسنديهما من حديث
الحكم بن ظهير ، وقد ضعفه الأئمة ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي ، عن
عبد الرحمن بن سابط ، عن
جابر قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509794أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له : بستانة اليهودي . فقال : يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها ؟ قال : فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء . ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها ، قال : فبعث إليه رسول الله . فقال : هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها . قال : نعم . فقال : هي جربان ، والطارق ، والذيال ، وذو الكنفات ، وقابس ، ووثاب ، وعمودان ، والفيلق ، والمصبح ، والصروح ، وذو الفرع ، والضياء ، والنور . فقال اليهودي : إي والله إنها لأسماؤها . وعند أبي يعلى ، فلما قصها على أبيه ، قال : هذا أمر مشتت يجمعه الله ، والشمس أبوه والقمر أمه .
[ ص: 462 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=7لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين [ يوسف : 7 - 10 ] . ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ ، والبينات . ثم ذكر حسد إخوة
يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه يعنون شقيقه لأمه
بنيامين أكثر منهم وهم عصبة ، أي جماعة . يقولون : فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=8إن أبانا لفي ضلال مبين . أي بتقديمه حبهما علينا . ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل
يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيه أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم ، وأضمروا التوبة بعد ذلك ، فلما تمالأوا على ذلك وتوافقوا عليه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=10قال قائل منهم . قال
مجاهد : هو
شمعون . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي : هو
يهوذا . وقال
قتادة ،
nindex.php?page=showalam&ids=16903ومحمد بن إسحاق : هو أكبرهم
روبيل nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=10لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة . أي المارة من المسافرين
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=10إن كنتم فاعلين . ما تقولون لا محالة فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه ، وتغريبه فأجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=11قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون [ يوسف : 11 - 14 ] . طلبوا من أبيهم أن
[ ص: 463 ] يرسل معهم أخاهم
يوسف ، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم ، وأن يلعب وينبسط ، وقد أضمروا له ما الله به عليم ، فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم : يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار ، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم ، وما أنتم فيه فيأتي الذئب فيأكله ، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=14قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون . أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=14إنا إذا لخاسرون . أي عاجزون هالكون . وعند
أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم ، فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم ، وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فإن
يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=15فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا ياأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [ يوسف : 15 - 18 ] . لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان إلا أن غابوا عن عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال ، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب أي في قعره على راعوفته ، وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح ، وهو الذي ينزل ليملأ الدلاء إذا قل الماء ، والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح ، فلما ألقوه فيه أوحى الله إليه أنه لا بد لك من فرج
[ ص: 464 ] ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز ، وهم محتاجون إليك خائفون منك .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=15وهم لا يشعرون . قال
مجاهد ،
وقتادة :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=15وهم لا يشعرون . بإيحاء الله إليه ذلك . وعن
ابن عباس nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=15وهم لا يشعرون أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها . رواه
ابن جرير عنه ، فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم ، ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم ؛ ولهذا قال بعض السلف : لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك . وذكر بكاء إخوة
يوسف . وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=17قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا . أي ثيابنا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=17فأكله الذئب أي في غيبتنا عنه في استباقنا . وقولهم :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=17وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . أي وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له ، ولو كنا غير متهمين عندك ، فكيف وأنت تتهمنا في هذا ؟ فإنك خشيت أن يأكله الذئب ، وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك ، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=18وجاءوا على قميصه بدم كذب . أي مكذوب مفتعل لأنهم عمدوا إلى سخلة ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب . قالوا : ونسوا أن يخرقوه - " وآفة الكذب النسيان . " ، ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج
[ ص: 465 ] صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له ، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته ، ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه وغيبوه عن عينيه جاءوا وهم يتباكون وعلى ما تمالأوا عليه يتواطئون ؛ ولهذا قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=18بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [ يوسف : 18 ] . وعند
أهل الكتاب أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ، ويرده إلى أبيه فغافلوه وباعوه لتلك القافلة ، فلما جاء
روبيل من آخر النهار ليخرج
يوسف لم يجده فصاح وشق ثيابه وحزن ، وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه ولطخوا من دمه جبة
يوسف ، فلما علم
يعقوب شق ثيابه ، ولبس مئزرا أسود وحزن على ابنه أياما كثيرة ، وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين [ يوسف : 19 - 22 ] . يخبر تعالى عن قصة
يوسف حين وضع في الجب أنه جلس ينتظر
فرج الله ولطفه به
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19وجاءت سيارة أي مسافرون . قال :
أهل الكتاب كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم ، قاصدين ديار
مصر [ ص: 466 ] من
الشام فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر ، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه
يوسف ، فلما رآه ذلك الرجل قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19يا بشرى أي يا بشارتي هذا غلام
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19وأسروه بضاعة أي أوهموا أن معهم غلاما من جملة متجرهم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19والله عليم بما يعملون . أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته ، وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ، ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأرض
مصر بما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ، ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور ، وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف .
ولما استشعر إخوة
يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم ، وقالوا : هذا غلامنا أبق منا فاشتروه منهم بثمن بخس ؛ أي قليل نزر . وقيل : هو الزيف
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=20دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين . قال
ابن مسعود ،
nindex.php?page=showalam&ids=11وابن عباس ،
ونوف البكالي ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468والسدي ،
وقتادة ،
nindex.php?page=showalam&ids=16574وعطية العوفي : باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين . وقال
مجاهد : اثنان وعشرون درهما . وقال
عكرمة ،
nindex.php?page=showalam&ids=16903ومحمد بن إسحاق : أربعون درهما . فالله أعلم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه . أي أحسني إليه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا . وهذا من لطف الله به ورحمته ، وإحسانه إليه بما يريد أن يؤهله له ، ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة . قالوا : وكان الذي اشتراه من أهل
مصر عزيزها ، وهو الوزير بها الذي الخزائن مسلمة إليه قال
ابن إسحاق :
[ ص: 467 ] واسمه
أطفير بن روحيب . قال : وكان ملك
مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق . قال : واسم
امرأة العزيز راعيل بنت رعائيل . وقال غيره : كان اسمها
زليخا . والظاهر أنه لقبها . وقيل :
فكا بنت ينوس . رواه
الثعلبي ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=14381أبي هشام الرفاعي . وقال
محمد بن إسحاق ، عن
محمد بن السائب ، عن
أبي صالح ، عن
ابن عباس : كان اسم الذي باعه
بمصر يعني الذي جلبه إليها
مالك بن دغر بن ثويب بن عفقا بن مديان بن إبراهيم . فالله أعلم .
وقال
ابن إسحاق ، عن
أبي عبيدة ، عن
ابن مسعود قال : أفرس الناس ثلاثة ؛
عزيز مصر حين قال لامرأته :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21أكرمي مثواه والمرأة التي قالت لأبيها عن
موسى :
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=26يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين [ القصص : 26 ] .
وأبو بكر الصديق حين استخلف
عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . ثم قيل : اشتراه
العزيز بعشرين دينارا . وقيل : بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا . فالله أعلم .
وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21وكذلك مكنا ليوسف في الأرض . أي وكما قيضنا هذا
العزيز ، وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به ، مكنا له في أرض
مصر nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21ولنعلمه من تأويل الأحاديث . أي فهمها ، وتعبير الرؤيا من ذلك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21والله غالب على أمره .
[ ص: 468 ] أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا ، وأمورا لا يهتدي إليها العباد ؛ ولهذا قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21ولكن أكثر الناس لا يعلمون nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=22ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين . فدل على أن هذا كله كان ، وهو قبل بلوغ الأشد ، وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلى عباده النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين .
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد . فقال
مالك ،
وربيعة ،
وزيد بن أسلم ،
nindex.php?page=showalam&ids=14577والشعبي : هو الحلم . وقال
سعيد بن جبير : ثماني عشرة سنة . وقال
الضحاك : عشرون سنة . وقال
عكرمة : خمس وعشرون سنة . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي : ثلاثون سنة . وقال
ابن عباس ،
ومجاهد ،
وقتادة : ثلاث وثلاثون سنة . وقال
الحسن : أربعون سنة . ويشهد له قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=46&ayano=15حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [ الأحقاف : 105 ] .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=23وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين [ يوسف : 23 - 29 ] .
[ ص: 469 ] يذكر تعالى ما كان من مراودة
امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه ، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب ، وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه ؟ وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها ، وهي مع هذا كله امرأة الوزير . قال
ابن إسحاق : وبنت أخت الملك
الريان بن الوليد صاحب
مصر . وهذا كله مع أن
يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء ، إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء
nindex.php?page=treesubj&link=21383_28751فعصمه ربه عن الفحشاء وحماه من مكر النساء ، فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء
سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ؛ إمام عادل ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، وشاب نشأ في عبادة الله ، nindex.php?page=treesubj&link=19513ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله .
والمقصود أنها دعته إليها ، وحرصت على ذلك أشد الحرص . فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=23معاذ الله إنه ربي . يعني زوجها صاحب المنزل سيدي أحسن مثواي أي أحسن إلي ، وأكرم مقامي عنده
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=23إنه لا يفلح الظالمون . وقد تكلمنا على قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=24ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه . بما فيه كفاية ، ومقنع في التفسير .
وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل
[ ص: 470 ] الكتاب فالإعراض عنه أولى بنا ، والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها ؛ ولهذا قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=24كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب . أي هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره : وألفيا : أي وجدا سيدها أي زوجها لدى الباب ، فبادرته بالكلام وحرضته عليه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=25قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم . اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها ، فلهذا قال
يوسف عليه السلام :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=26هي راودتني عن نفسي . احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة . وشهد شاهد من أهلها قيل : كان صغيرا في المهد قاله
ابن عباس . وروي عن
nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة ،
وهلال بن يساف ،
والحسن البصري ،
nindex.php?page=showalam&ids=15992وسعيد بن جبير ،
والضحاك ، واختاره
ابن جرير . وروى فيه حديثا مرفوعا عن
ابن عباس ، ووقفه غيره عنه . وقيل : كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها . وقيل : قريبا إليها . وممن قال إنه كان رجلا
ابن عباس ،
وعكرمة ،
ومجاهد ،
والحسن ،
وقتادة ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468والسدي ،
nindex.php?page=showalam&ids=16903ومحمد بن إسحاق ،
وزيد بن أسلم . فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=26إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين . أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=27وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين . أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته ، وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك ، وكذلك كان ؛ ولهذا قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=28فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم .
[ ص: 471 ] أي هذا الذي جرى من مكركن أنت راودته عن نفسه ، ثم اتهمته بالباطل ، ثم أضرب بعلها عن هذا صفحا . فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=29يوسف أعرض عن هذا . أي لا تذكره لأحد لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن ، وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها ، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه ، وأهل
مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ، ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك ؛ ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه ؛ لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله إلا أنه عفيف نزيه برئ العرض سليم الناحية فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=29واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم [ يوسف : 30 - 34 ] . يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة يعني
مصر من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على
امرأة العزيز وعيبها والتشنيع عليها في مراودتها فتاها وحبها الشديد له ، يعنين :
[ ص: 472 ] وهو لا يساوي هذا لأنه مولى من الموالي ، وليس مثله أهلا لهذا ؛ ولهذا قلن :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=30إنا لنراها في ضلال مبين . أي في وضعها الشيء في غير محله
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=31فلما سمعت بمكرهن . أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها ، والإشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فأظهرن ذما ، وهي معذورة في نفس الأمر ، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن ولا من قبيل ما لديهن ، فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها ، وأعتدت لهن ضيافة مثلهن ، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين كالأترج ونحوه .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=31وآتت كل واحدة منهن سكينا ، وكانت قد هيأت
يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب ، وهو في غاية طراوة الشباب ، وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=31فلما رأينه أكبرنه . أي أعظمنه وأجللنه وهبنه ، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن ، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ، ولا يشعرن بالجراح
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=31وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم .
وقد جاء في حديث الإسراء
فمررت بيوسف ، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن . قال السهيلي ، وغيره من الأئمة : معناه أنه كان على النصف من حسن
آدم عليه السلام لأن الله تعالى خلق
آدم بيده ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشري ؛ ولهذا
nindex.php?page=treesubj&link=30395يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه ،
ويوسف كان على النصف من حسن
آدم ولم يكن بينهما أحسن منهما ، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من
سارة امرأة الخليل عليه السلام .
قال
ابن مسعود :
nindex.php?page=treesubj&link=31898وكان وجه يوسف مثل البرق ، وكان إذا أتته
[ ص: 473 ] امرأة لحاجة غطى وجهه . وقال غيره : كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس . ولهذا لما قام عذر
امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور ، وجرى لهن وعليهن ما جرى من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين ، وما ركبهن من المهابة ، والدهش عند رؤيته ، ومعاينته قالت :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=32فذلكن الذي لمتنني فيه ثم مدحته بالعفة التامة فقالت :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=32ولقد راودته عن نفسه فاستعصم . أي امتنع
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=32ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين . وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته فأبى أشد الإباء ونأى لأنه من سلالة الأنبياء ، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=33رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين . يعني : إن وكلتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ، ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطتني بحولك وقوتك . ولهذا قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=34فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم .
[ ص: 474 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=35ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان [ يوسف : 35 - 41 ] .
[ ص: 474 ] يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأي بعد ما علموا براءة
يوسف أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية ، وأخمد لأمرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها ، فسجنوه ظلما وعدوانا ، وكان هذا مما قدر الله له ، ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم ، ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي أن من العصمة أن لا تجد . قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=36ودخل معه السجن فتيان . قيل : كان أحدهما ساقي الملك ، واسمه فيما قيل : بنو . والآخر خبازه يعني الذي يلي طعامه ، وهو الذي يقول له
الترك :
الجاشنكير ، واسمه فيما قيل : مجلث . كان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما ، فلما رأيا
يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه إلى خلقه ، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه قال أهل التفسير : رأيا في ليلة واحدة أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة قد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه ، ورأى الخباز
[ ص: 475 ] على رأسه ثلاث سلال من خبز ، وضواري الطيور تأكل من السل الأعلى . فقصاها عليه ، وطلبا منه أن يعبرهما لهما ، وقالا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=36إنا نراك من المحسنين . فأخبرهما أنه عليم بتعبيرهما خبير بأمرهما . و
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=37قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما . قيل : معناه مهما رأيتما من حلم فإني أعبره لكما قبل وقوعه ، فيكون كما أقول . وقيل : معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا . كما قال
عيسى عليه السلام :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=49وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم [ آل عمران : 49 ] . وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام
إبراهيم الخليل
وإسحاق ويعقوب nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=38ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا . أي بأن هدانا لهذا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=38وعلى الناس أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه ، وهو في فطرهم مركوز ، وفي جبلتهم مغروز
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=38ولكن أكثر الناس لا يشكرون .
ثم دعاهم إلى التوحيد ، وذم عبادة ما سوى الله عز وجل ، وصغر أمر الأصنام وحقرها وضعف أمرها . فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=39ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله . أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الذي يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء
[ ص: 476 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=40أمر ألا تعبدوا إلا إياه . أي وحده لا شريك له
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=40ذلك الدين القيم أي المستقيم والصراط القويم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=40ولكن أكثر الناس لا يعلمون . أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره ، وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال ؛ لأن نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقي ما يقول بالقبول فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه ، ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=41يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا . قالوا : وهو الساقي
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=41وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه . قالوا : وهو الخباز
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=41قضي الأمر الذي فيه تستفتيان . أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على كل حالة ؛ ولهذا جاء في الحديث
الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت .
وقد روي عن
ابن مسعود ،
ومجاهد ،
nindex.php?page=showalam&ids=16327وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا : لم نر شيئا . فقال لهما :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=41قضي الأمر الذي فيه تستفتيان .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين . [ يوسف : 42 ] يخبر تعالى أن
يوسف عليه السلام قال للذي ظن أنه ناج منهما وهو الساقي :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42اذكرني عند ربك . يعني اذكر أمري ، وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك ، وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب ، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب . وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42فأنساه الشيطان ذكر ربه . أي فأنسى الناجي منهما الشيطان
[ ص: 477 ] أن يذكر ما وصاه به
يوسف عليه السلام قاله
مجاهد ،
nindex.php?page=showalam&ids=16903ومحمد بن إسحاق ، وغير واحد . وهو الصواب ، وهو منصوص
أهل الكتاب nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42فلبث في السجن بضع سنين . والبضع : ما بين الثلاث إلى التسع . وقيل : إلى السبع . وقيل : إلى الخمس . وقيل : ما دون العشرة . حكاها
الثعلبي . ويقال : بضع نسوة ، وبضعة رجال ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر . قال : وإنما يقال : نيف . وقال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42فلبث في السجن بضع سنين . وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=30&ayano=4في بضع سنين [ الروم : 4 ] . وهذا رد لقوله قال الفراء : ويقال : بضعة عشر ، وبضعة وعشرون . إلى التسعين ، ولا يقال : بضع ومائة ، وبضع وألف . وخالف
الجوهري فيما زاد على بضعة عشر ، فمنع أن يقال : بضعة وعشرون . إلى تسعين ، وفي الصحيح
الإيمان بضع وستون . وفي رواية
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509795وسبعون شعبة أعلاها قول : لا إله إلا الله . وأدناها إماطة الأذى عن الطريق .
ومن قال : إن الضمير في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42فأنساه الشيطان ذكر ربه . عائد على
يوسف . فقد ضعف ما قاله ، وإن كان قد روي عن
ابن عباس ،
وعكرمة . والحديث الذي رواه
ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه ؛
[ ص: 478 ] تفرد بإسناده
إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي ، وهو متروك ، ومرسل الحسن ،
وقتادة لا يقبل ، ولاسيما هاهنا بطريق الأولى والأحرى ، والله أعلم .
فأما قول
nindex.php?page=showalam&ids=13053ابن حبان في صحيحه : ذكر السبب الذي من أجله لبث
يوسف في السجن ما لبث ؛ أخبرنا
الفضل بن الحباب الجمحي ، ثنا
مسدد بن مسرهد ، ثنا
nindex.php?page=showalam&ids=15800خالد بن عبد الله ، ثنا
محمد بن عمرو ، عن
أبي سلمة ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها " nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42اذكرني عند ربك " ما لبث في السجن ما لبث ، ورحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد ، إذ قال لقومه : " nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=80لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " قال : فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه . فإنه حديث منكر من هذا الوجه .
nindex.php?page=showalam&ids=17004ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة ، وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها ، والذي في الصحيحين يشهد بغلطها ، والله أعلم .
[ ص: 479 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=43وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ياأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون [ يوسف : 43 - 49 ] . هذا كله من جملة أسباب خروج
يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام ، وذلك أن ملك
مصر ، وهو
الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى هذه الرؤيا . قال
أهل الكتاب : رأى كأنه على حافة نهر ، وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك ، فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر فرتعن معهن ، ثم ملن عليهن فأكلنهن ، فاستيقظ مذعورا ، ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة ، وإذا سبع أخر دقاق يابسات تأكلهن ، فاستيقظ مذعورا ، فلما قصها على ملإه ، وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها ، بل
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=44قالوا أضغاث أحلام أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها ، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك ؛ ولهذا قالوا :
[ ص: 480 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=44وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين . فعند ذلك تذكر الناجي منهما الذي وصاه
يوسف بأن يذكره عند ربه فنسي إلى حينه هذا ، وذلك عن تقدير الله عز وجل وله الحكمة في ذلك ، فلما سمع رؤيا الملك ، ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر
يوسف وما كان أوصاه به من التذكار ؛ ولهذا قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=45وقال الذي نجا منهما وادكر . أي تذكر
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=45بعد أمة أي بعد مدة من الزمان ، وهو بضع سنين . وقرأ بعضهم ، كما حكي ، عن
ابن عباس ،
وعكرمة ،
والضحاك : " وادكر بعد أمه " أي بعد نسيان . وقرأها
مجاهد : " بعد أمه " بإسكان الميم ، وهو النسيان أيضا . يقال : أمه الرجل يأمه أمها ، وأمها إذا نسي قال الشاعر :
أمهت وكنت لا أنسى حديثا كذاك الدهر يردي بالعقول
. فقال لقومه وللملك :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=45أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون . أي فأرسلوني إلى
يوسف . فجاءه فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=46يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون . وعند
أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الناجي استدعاه إلى حضرته ، وقص عليه ما رآه ففسره له . وهذا غلط ، والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عربه هؤلاء الجهلة الثيران من قرائئ
[ ص: 481 ] وربان . فبذل
يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا ، بل أجابهم إلى ما سألوا ، وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=49ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس . يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=49وفيه يعصرون يعني ما كانوا يعصرونه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها . فعبر لهم وعلى الخير دلهم وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم ، وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأول في سنبله إلا ما يرصد بسبب الأكل ، ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل ، وهذا يدل على كمال العلم ، وكمال الرأي والفهم .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=50وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم [ يوسف : 50 - 53 ] . لما أحاط الملك علما بكمال علم
يوسف عليه الصلاة والسلام ، وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه ، أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته ، فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا ، وأنه بريء الساحة مما نسبوه إليه
[ ص: 482 ] بهتانا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=50قال ارجع إلى ربك . يعني الملك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=50فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم . قيل : معناه : إن سيدي
العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي ، وحثهن لي على الأمر الذي ليس برشيد ولا سديد . فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من خطأ الأمر ، وما كان منه من الأمر الحميد
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=51وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء . فعند ذلك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=51قالت امرأة العزيز وهي
زليخا nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=51الآن حصحص الحق . أي ؛ ظهر وتبين ووضح ، والحق أحق أن يتبع
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=51أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين . أي فيما يقوله من أنه برئ وأنه لم يراودني ، وأنه حبس ظلما وعدوانا وزورا وبهتانا . وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=52ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين . قيل : إنه من كلام
يوسف . أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم
العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب . وقيل : إنه من تمام كلام
زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر ، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة . وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ، ولم يحك
ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=53وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم . قيل : إنه من كلام
يوسف . وقيل : من كلام
زليخا . وهو مفرع على القولين الأولين . وكونه من تمام كلام
زليخا أظهر وأنسب ، وأقوى ، والله أعلم .
[ ص: 483 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=54وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون [ يوسف : 54 - 57 ] . لما ظهر للملك براءة عرضه ، ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=54ائتوني به أستخلصه لنفسي . أي أجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي ، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=54قال إنك اليوم لدينا مكين أمين . أي ذو مكانة وأمانة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=55قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم . طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سني الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم ، وأخبر الملك أنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهراء ، وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة ، وعند
أهل الكتاب أن
فرعون عظم
يوسف عليه السلام جدا ، وسلطه على جميع أرض
مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ، ونودي بين يديه أنت رب أي مالك ومسلط . وقال
[ ص: 484 ] له : لست أعظم منك إلا بالكرسي . قالوا : وكان
يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة ، وزوجه امرأة عظيمة الشأن .
وحكى
الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها
يوسف . وقيل : إنه لما مات زوجه امرأته
زليخا فوجدها عذراء ؛ لأن زوجها كان لا يأتي النساء فولدت
ليوسف عليه السلام رجلين ، وهما
أفراثيم ،
ومنشا . قال : واستوثق
ليوسف ملك
مصر ، وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء . وحكي أن
يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة ، وأن الملك خاطبه بسبعين لغة ، وكل ذلك يجاوبه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه . فالله أعلم .
قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=56وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء . أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق الركاب بديار
مصر nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=56يتبوأ منها حيث يشاء . أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=56نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين . أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل ؛ ولهذا قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=57ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون . ويقال : إن أطفير زوج زليخا كان قد مات . فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته
زليخا فكان وزير صدق .
وذكر
محمد بن إسحاق أن صاحب
مصر الوليد بن الريان أسلم على يدي
يوسف عليه السلام . فالله أعلم . وقد قال
[ ص: 485 ] بعضهم :
وراء مضيق الخوف يتسع الأمن وأول مفروح به آخر الحزن
فلا تيأسن فالله ملك يوسفا خزائنه بعد الخلاص من السجن
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=58وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون [ يوسف : 58 - 62 ] . يخبر تعالى عن قدوم إخوة
يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون طعاما ، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد ، وكان
يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا ، فلما دخلوا عليه عرفهم ، ولم يعرفوه لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه
يوسف عليه السلام من المكانة ، والعظمة ، فلهذا عرفهم وهم له منكرون وعند
أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم ، وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول . وقال : أنتم جواسيس جئتم لتأخذوا خبر بلادي . فقالوا : معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا ، ونحن بنو أب واحد من كنعان ، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد ، وصغيرنا عند أبينا . فقال : لا بد أن أستعلم أمركم . وعندهم أنه حبسهم ثلاثة أيام
[ ص: 486 ] ثم أخرجهم ، واحتبس
شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر . وفي بعض هذا نظر . قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=59ولما جهزهم بجهازهم . أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=59قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم . وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا : كنا اثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا . فقال : إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=59ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين . أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ، ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=60فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون . أي فلست أعطيكم ميرة ، ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدى إليهم أولا ، فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب ، قالوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=61سنراود عنه أباه . أي سنجتهد في مجيئه معنا ، وإتيانه إليك بكل ممكن
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=61وإنا لفاعلون أي وإنا لقادرون على تحصيله ، ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم ، وهي ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=62لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون . قيل : أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم . وقيل : خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية . وقيل : تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة .
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها ، وعند
أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق . وهو أشبه ، والله أعلم .
[ ص: 487 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=63فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون [ يوسف : 63 - 68 ] .
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وقولهم له :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=63منع منا الكيل . أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا فإن أرسلته معنا لم يمنع منا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=65ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي . أي أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=65ونمير أهلنا أي نمتار لهم ، ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ، ومحلهم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=65ونحفظ أخانا ونزداد . بسببه كيل بعير قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=65ذلك كيل يسير . أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر ، وكان
يعقوب عليه السلام أضن شيء بولده
بنيامين ؛ لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ، ويتعوض بسببه منه ، فلهذا قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=66لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم . أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=66فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل . أكد المواثيق وقرر العهود واحتاط لنفسه في ولده ، ولن يغني حذر من قدر ، ولولا حاجته
[ ص: 488 ] وحاجة قومه إلى الميرة لما بعث الولد العزيز ، ولكن الأقدار لها أحكام ،
nindex.php?page=treesubj&link=30455والرب تعالى يقدر ما يشاء ، ويختار ما يريد ، ويحكم ما يشاء ، وهو الحكيم العليم ، ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة . قيل : أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين ، وذلك ؛ لأنهم كانوا أشكالا حسنة ، وصورا بديعة قاله
ابن عباس ،
ومجاهد ،
nindex.php?page=showalam&ids=14980ومحمد بن كعب ،
وقتادة ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468والسدي ،
والضحاك . وقيل : أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا
ليوسف أو يحدثون عنه بأيسر شيء قاله
nindex.php?page=showalam&ids=12354إبراهيم النخعي . والأول أظهر ؛ ولهذا قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=67وما أغني عنكم من الله من شيء . وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=68ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
وعند
أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل ، وأخذوا الدراهم الأولى ، وعرضا آخر .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=69ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون قالوا ياأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون [
يوسف : 69 - 79 ] .
[ ص: 489 ]
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم
بنيامين على شقيقه
يوسف ، وإيوائه إليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه ، وأمره بكتم ذلك عنهم ، وسلاه عما كان منهم من الإساءة إليه ، ثم احتال على أخذه منهم ، وتركه إياه عنده دونهم ، فأمر فتيانه بوضع سقايته ، وهي التي كان يشرب بها ، ويكيل بها للناس الطعام من عزته في متاع
بنيامين ، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ، ووعدهم جعالة على رده حمل بعير ، وضمنه المنادي لهم فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه ، وهجنوه فيما قاله لهم ، وقالوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=73تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين . يقولون : أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=74قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين . وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق منه ؛ ولهذا قالوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=75كذلك نجزي الظالمين . قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=76فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه . ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ، ثم قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=76كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد
[ ص: 490 ] في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر
يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك
مصر nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=76إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء . أي في العلم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=76وفوق كل ذي علم عليم . وذلك ؛ لأن
يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما ، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك ؛ لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه ، فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل
بنيامين nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=77قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل . يعنون
يوسف . قيل : كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره . وقيل : كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه ، وهو صغير ، منطقة كانت
لإسحاق ، ثم استخرجوها من بين ثيابه ، وهو لا يشعر بما صنعت ، وإنما أرادت أن يكون عندها ، وفي حضانتها لمحبتها له . وقيل : كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء . وقيل غير ذلك . فلهذا قالوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=77إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه . وهي كلمته بعدها . وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=77أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون . أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=78يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون . أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء هذا ما لا نفعله ولا نسمح به . وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده .
وعند
أهل الكتاب أن
يوسف تعرف إليهم حينئذ . وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جيدا .
[ ص: 491 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ارجعوا إلى أبيكم فقولوا ياأبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون [ يوسف : 80 - 87 ] .
يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو
روبيل :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله . لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه ، كما فرطتم في أخيه
يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80فلن أبرح الأرض . أي لا أزال مقيما هاهنا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80حتى يأذن لي أبي . في القدوم عليه :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80أو يحكم الله لي . بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80وهو خير الحاكمين ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق . أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في ظاهر المشاهدة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=81وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها . أي فإن هذا الذي أخبرناك به من أخذهم
[ ص: 492 ] أخانا لأنه سرق أمر اشتهر
بمصر ، وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=82وإنا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل . أي ليس الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس بسجية له ، ولا خلقه ، وإنما
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=83سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل .
قال
ابن إسحاق ، وغيره : لما كان التفريط منهم في
بنيامين مترتبا على صنيعهم في
يوسف قال لهم ما قال . وهذا كما قال بعض السلف : إن من
nindex.php?page=treesubj&link=30531جزاء السيئة السيئة بعدها . ثم قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=83عسى الله أن يأتيني بهم جميعا . يعني
يوسف وبنيامين وروبيل إنه هو العليم . أي بحالي ، وما أنا فيه من فراق الأحبة الحكيم فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=84وتولى عنهم أي أعرض عن بنيه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=84وقال يا أسفى على يوسف .
ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا ، كما قال بعضهم :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
وقال آخر :
لقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك
. فقال : أتبكي كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك ؟
[ ص: 493 ] فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك
وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=84وابيضت عيناه من الحزن . أي من كثرة البكاء
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=84فهو كظيم أي مكمد من كثرة حزنه ، وأسفه وشوقه إلى
يوسف ، فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوحدة ، وألم الفراق . قالوا له على وجه الرحمة له ، والرأفة به والحرص عليه :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=85تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين . يقولون : لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك ، وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=86إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون . يقول لبنيه : لست أشكو إليكم ، ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه ،
nindex.php?page=treesubj&link=29479إنما أشكو إلى الله عز وجل ، وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا ، وأعلم أن رؤيا
يوسف لا بد أن تقع ، ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ؛ ولهذا قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=86وأعلم من الله ما لا تعلمون ثم قال لهم محرضا على تطلب
يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=87يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة فإنه
nindex.php?page=treesubj&link=19635لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون .
[ ص: 494 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=88فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين [ يوسف : 88 - 93 ] .
يخبر تعالى عن رجوع إخوة
يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة عليهم برد أخيهم
بنيامين إليهم ، فلما دخلوا عليه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=88قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر . أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=88وجئنا ببضاعة مزجاة . أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يتجاوز عنا . قيل : كانت دراهم رديئة . وقيل : قليلة . وقيل : حب الصنوبر ، وحب البطم ، ونحو ذلك . وعن
ابن عباس : كانت خلق الغرائر والحبال ، ونحو ذلك .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=88فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين . قيل : بقبولها قاله
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي . وقيل : برد أخينا إلينا قاله
nindex.php?page=showalam&ids=13036ابن جريج . وقال سفيان بن عيينة : إنما حرمت الصدقة على نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم . ونزع بهذه الآية . رواه
ابن جرير . فلما رأى ما هم فيه من الحال ، وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف إليهم وعطف عليهم قائلا لهم عن أمر ربه وربهم ، وقد حسر لهم عن جبينه الشريف ، وما يحويه من الخال فيه الذي يعرفون
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=89هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا وتعجبوا كل العجب ، وقد ترددوا إليه مرارا عديدة ، وهم لا يعرفون أنه هو
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=90أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي .
[ ص: 495 ] يعني : أنا
يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم ، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم . وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=90وهذا أخي تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد ، وأعملوا في أمرهما من الاحتيال ؛ ولهذا قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=90قد من الله علينا . أي بإحسانه إلينا ، وصدقته علينا ، وإيوائه لنا ، وشده معاقد عزنا ، وذلك بما أسلفنا من طاعته ، وصبرنا على ما كان منكم إلينا ، وطاعتنا وبرنا لأبينا ، ومحبته الشديدة لنا ، وشفقته علينا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=90إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا . أي فضلك ، وأعطاك ما لم يعطنا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=91وإن كنا لخاطئين . أي فيما أسدينا إليك ، وها نحن بين يديك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=92قال لا تثريب عليكم اليوم . أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ، ثم زادهم على ذلك ، فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=92يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين .
ومن زعم أن الوقف على قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=92لا تثريب عليكم . وابتدأ بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=92اليوم يغفر الله لكم . فقوله ضعيف ، والصحيح الأول . ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه ، وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فإنه يرجع إليه بصره بعد ما كان ذهب بإذن الله ، وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات ، ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار
مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه ، وأعلى الأمور .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم [ يوسف : 94 - 98 ] .
[ ص: 496 ] قال
عبد الرزاق : أنبأنا
إسرائيل ، عن
أبي سنان ، عن
عبد الله بن أبي الهذيل سمعت
ابن عباس يقول :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94ولما فصلت العير قال : لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت
يعقوب بريح قميص
يوسف .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94فقال إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون . قال : فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام . وكذا رواه
الثوري ،
وشعبة ، وغيرهما ، عن
أبي سنان به . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14102الحسن البصري ،
nindex.php?page=showalam&ids=13036وابن جريج المكي : كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخا ، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة . وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94لولا أن تفندون . أي تقولون : إنما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن . قال
ابن عباس ،
nindex.php?page=showalam&ids=16568وعطاء ،
ومجاهد ،
وسعيد بن جبير ، وقتادة nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94تفندون تسفهون . وقال
مجاهد أيضا ،
والحسن : تهرمون
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=95قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم . قال
قتادة ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468والسدي : قالوا له كلمة غليظة . قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=96فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا . أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه
يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا . وقال لبنيه عند ذلك :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=96ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون . أي أعلم أن الله سيجمع شملي
بيوسف ، وستقر عيني به ، وسيريني فيه ومنه ما يسرني ، فعند ذلك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=97قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين . طلبوا إليه أن يستغفر لهم الله عز وجل عما كانوا فعلوا ونالوا
[ ص: 497 ] منه ومن ابنه ، وما كانوا عزموا عليه ، ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل ، وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=98سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم .
قال
ابن مسعود ،
nindex.php?page=showalam&ids=12402وإبراهيم التيمي ،
وعمرو بن قيس ،
nindex.php?page=showalam&ids=13036وابن جريج ، وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر قال
ابن جرير : حدثني
أبو السائب ، حدثنا
ابن إدريس ، سمعت
عبد الرحمن بن إسحاق يذكر ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=16883محارب بن دثار قال : كان عم لي يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول : اللهم دعوتني فأجبت ، وأمرتني فأطعت ، وهذا السحر فاغفر لي . قال : فاستمع الصوت فإذا هو من دار
nindex.php?page=showalam&ids=10عبد الله بن مسعود فسأل
عبد الله عن ذلك . فقال : إن
يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=98سوف أستغفر لكم ربي . وقد قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=17والمستغفرين بالأسحار وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ . وقد ورد في حديث أن
يعقوب أرجأ
[ ص: 498 ] بنيه إلى ليلة الجمعة قال
ابن جرير : حدثني
المثنى ثنا
سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقي ، حدثنا
الوليد ، أنبأنا
nindex.php?page=showalam&ids=13036ابن جريج ، عن
عطاء ،
وعكرمة ، عن
ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=98سوف أستغفر لكم ربي . يقول :
حتى تأتي ليلة الجمعة ، وهو قول أخي يعقوب لبنيه . وهذا غريب من هذا الوجه ، وفي رفعه نظر ، والأشبه أن يكون موقوفا على
ابن عباس رضي الله عنه
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=99فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين [ يوسف : 99 - 101 ] . هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل : إنها ثمانون سنة . وقيل : ثلاثة وثمانون سنة . وهما روايتان عن
الحسن . وقيل : خمس وثلاثون سنة . قاله قتادة . وقال
محمد بن إسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة . قال :
وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة . وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريبا فإن المرأة راودته ، وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين ، وهي
[ ص: 499 ] سبع عند
عكرمة ، وغيره . ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ، ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون السنة الأولى وحدهم ، وفي الثانية ومعهم أخوه
بنيامين ، وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاءوا كلهم
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=99فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه . اجتمع بهما خصوصا وحدهما دون إخوته
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=99وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين . قيل : هذا من المقدم ، والمؤخر تقديره : ادخلوا
مصر ، وآوى إليه أبويه . وضعفه
ابن جرير ، وهو معذور . قيل : تلقاهما وآواهما في منزل الخيام ، ثم لما اقتربوا من باب
مصر قال
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=99ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين . قاله
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي . ولو قيل : إن الأمر لا يحتاج إلى هذا أيضا ، وأنه ضمن قوله ادخلوا معنى اسكنوا
مصر أو أقيموا بها إن شاء الله آمنين لكان صحيحا مليحا أيضا .
وعند
أهل الكتاب أن
يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر ، وهي أرض
بلبيس خرج
يوسف لتلقيه ، وكان
يعقوب قد بعث ابنه
يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه ، وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ، ويقيمون بها بنعمهم ومواشيهم . وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله
يعقوب وهو إسرائيل أراد
يوسف أن يخرج لتلقيه ، فركب معه الملك وجنوده خدمة
ليوسف وتعظيما لنبي الله إسرائيل ، وأنه دعا للملك ، وأن الله رفع عن أهل
مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم . فالله أعلم .
وكان جملة من قدم مع
يعقوب من بنيه ، وأولادهم فيما
[ ص: 500 ] قاله
nindex.php?page=showalam&ids=11813أبو إسحاق السبيعي ، عن
أبي عبيدة ، عن
ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا . وقال
موسى بن عبيدة : عن
محمد بن كعب ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=16439عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا . وقال
أبو إسحاق : عن
مسروق دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنسانا . قالوا : وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل ، وفي نص
أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا ، وسموهم .
قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100ورفع أبويه على العرش . قيل : كانت أمه قد ماتت . كما هو عند علماء التوراة . وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى . وقال آخرون : بل كانت خالته ليا ، والخالة بمنزلة الأم . وقال
ابن جرير ، وآخرون : بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ فلا يعول على نقل
أهل الكتاب فيما خالفه ، وهذا قوي ، والله أعلم . ورفعهما على العرش أي أجلسهما معه على سريره
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100وخروا له سجدا . أي سجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر تعظيما وتكريما ، وكان هذا مشروعا لهم ، ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل . أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين ، وأمرتني بكتمانها ، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن .
[ ص: 501 ] أي بعد الهم ، والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100وجاء بكم من البدو . أي البادية ، وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . أي فيما كان منهم إلي من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره ، ثم قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100إن ربي لطيف لما يشاء . أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ، ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد ، بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه ، وعظيم قدرته
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100إنه هو العليم . أي بجميع الأمور الحكيم في خلقه ، وشرعه ، وقدره .
وعند
أهل الكتاب أن
يوسف باع أهل
مصر ، وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والأثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء ، ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ، ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل
مصر بعده . وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان ، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار ، قال : فمن ثم اقتدى به الملوك الأخيار في ذلك . قلت : وقد كان أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب ، وأتى الخصب .
قال الشافعي : قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة : لقد انجلت عنك ، وإنك لابن حرة .
[ ص: 502 ] ثم لما رأى
يوسف عليه السلام نعمته قد تمت ، وشمله قد اجتمع عرف أن هذه الدار لا يقر بها من قرار ، وأن كل شيء فيها ومن عليها فان ، وما بعد التمام إلا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله ، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله ، وسأل منه وهو خير المسئولين أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الإسلام ، وأن يلحقه بعباده الصالحين . وهكذا كما يقال في الدعاء : اللهم أحينا مسلمين ، وتوفنا مسلمين أي حين تتوفانا . ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام ، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملأ الأعلى ، والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين ، كما قال :
اللهم في الرفيق الأعلى . ثلاثا . ثم قضى . ويحتمل أن
يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الإسلام منجزا في صحة منه وسلامة ، وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم ، كما روي عن
ابن عباس أنه قال :
nindex.php?page=treesubj&link=31895_32875ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف فأما في شريعتنا فقد نهي عن
nindex.php?page=treesubj&link=32875الدعاء بالموت إلا عند الفتن ، كما في حديث
معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد
وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين . وفي الحديث الآخر
ابن آدم الموت خير لك من الفتنة . وقالت
مريم عليها السلام : يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا [ مريم : 23 ] . وتمنى الموت
علي بن أبي طالب لما تفاقمت الأمور
[ ص: 503 ] وعظمت الفتن واشتد القتال وكثر القيل والقال ، وتمنى ذلك
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري أبو عبد الله صاحب " الصحيح " لما اشتد عليه الحال ، ولقي من مخالفيه الأهوال .
فأما في حال الرفاهية فقد روى
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري ، ومسلم في صحيحيهما من حديث
أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد ، وإما مسيئا فلعله يستعتب ، ولكن ليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي . والمراد بالضر هاهنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه ، لا في دينه . والظاهر أن نبي الله
يوسف عليه السلام سأل ذلك إما عند احتضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك .
وقد ذكر
ابن إسحاق ، عن
أهل الكتاب أن
يعقوب أقام بديار
مصر عند
يوسف سبع عشرة سنة ، ثم توفي عليه السلام ، وكان قد أوصى إلى
يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه
إبراهيم وإسحاق قال
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي : فصبره وسيره إلى بلاد
الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه
إسحاق وجده الخليل عليهم السلام .
وعند
أهل الكتاب أن
nindex.php?page=treesubj&link=31891عمر يعقوب يوم دخل
مصر مائة وثلاثون سنة . وعندهم أنه أقام بأرض
مصر سبع عشرة سنة ، ومع هذا قالوا : فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة . هذا نص كتابهم ، وهو غلط
[ ص: 504 ] إما في النسخة أو منهم أو قد أسقطوا الكسر ، وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة هاهنا ، وقد قال تعالى في كتابه العزيز :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=133أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون [ البقرة : 133 ] . فوصى بنيه بالإخلاص ، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء عليهم السلام .
وقد ذكر
أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا ، وأخبرهم بما يكون من أمرهم ، وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب ، وهو
عيسى ابن مريم ، والله أعلم .
وذكروا أنه لما مات
يعقوب بكى عليه أهل
مصر سبعين يوما ، وأمر
يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ، ومكث فيه أربعين يوما ، ثم استأذن
يوسف ملك
مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله ، فأذن له وخرج معه أكابر
مصر وشيوخها ، فلما وصلوا
حبرون دفنوه في المغارة التي كان اشتراها
إبراهيم الخليل من
عفرون بن صخر الحيثي ، وعملوا له عزاء سبعة أيام . قالوا : ثم رجعوا إلى بلادهم ، وعزى إخوة
يوسف ليوسف في أبيهم ، وترققوا له فأكرمهم وأحسن منقلبهم ، فأقاموا ببلاد
مصر ، ثم حضرت
يوسف عليه السلام الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من
مصر فيدفن عند آبائه ، فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان
بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام فدفنه عند آبائه ، كما سيأتي . قالوا : فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين . هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه
ابن جرير أيضا . وقال
مبارك [ ص: 505 ] بن فضالة عن
الحسن ألقي
يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة . وقال غيره أوصى إلى أخيه
يهوذا . صلوات الله وسلامه عليه وعلى الأنبياء أجمعين .
[ ص: 456 ] ذِكْرُ مَا وَقَعَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ فِي حَيَاةِ إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمِنْ ذَلِكَ
nindex.php?page=treesubj&link=31895قِصَّةُ يُوسُفَ ابْنِ رَاحِيلَ
وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَأْنِهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِيُتَدَبَّرَ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ وَالْأَمْرِ الْحَكِيمِ . أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=1الر nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=1تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=2إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=3نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [ يُوسُفَ : 1 - 3 ] . قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَمَنْ أَرَادَ تَحْقِيقَهُ فَلْيَنْظُرْ ثَمَّ ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَقْصًى فِي مَوْضِعِهَا مِنَ التَّفْسِيرِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَاهُنَا نُبَذًا مِمَّا هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَازِ ، وَالنَّجَازِ .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ ،
nindex.php?page=treesubj&link=28424_32234_32232أَنَّهُ تَعَالَى يَمْدَحُ كِتَابَهُ الْعَظِيمَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ بَيِّنٍ وَاضِحٍ جَلِيٍّ ، يَفْهَمُهُ كُلُّ عَاقِلٍ ذَكِيٍّ زَكِيٍّ فَهُوَ أَشْرَفُ كِتَابٍ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ، أَنْزَلَهُ أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَشْرَفِ الْخَلْقِ فِي أَشْرَفِ زَمَانٍ وَمَكَانٍ بِأَفْصَحِ لُغَةٍ وَأَظْهَرِ بَيَانٍ ، فَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ فِي الْأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ أَوِ الْآتِيَةِ ذَكَرَ أَحْسَنَهَا وَأَبْيَنَهَا ، وَأَظْهَرَ الْحَقَّ مِمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، وَدَمَغَ الْبَاطِلَ وَزَيَّفَهُ وَرَدَّهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَأَعْدَلُ الشَّرَائِعِ وَأَوْضَحُ الْمَنَاهِجِ ، وَأَبْيَنُ حُكْمًا
[ ص: 457 ] وَأَعْدَلُ حَكَمًا ، فَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=115وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [ الْأَنْعَامِ : 115 ] . يَعْنِي صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ عَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=3نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ . أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ فِيهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=52وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ، وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشُّورَى : 52 - 53 ] . وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=99كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [ طه : 99 - 101 ] . يَعْنِي مَنْ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ ، وَاتَّبَعَ غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ فَإِنَّهُ يَنَالُهُ هَذَا الْوَعِيدُ ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الْمُسْنَدِ ،
nindex.php?page=showalam&ids=13948وَالتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
عَلِيٍّ ، مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا :
مَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ
أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا
سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا
هُشَيْمٌ ، أَنْبَأَنَا
مُجَالِدٌ ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ ، عَنْ
جَابِرٍ أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ
أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَرَأَهُ
[ ص: 458 ] عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَغَضِبَ . وَقَالَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509791أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُونَكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي . إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ
أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ
عَمْرٍو فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى ، ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ إِنَّكُمْ حَظِّي مِنَ الْأُمَمِ ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ . وَقَدْ أَوْرَدْتُ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَلْفَاظَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ
يُوسُفَ ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509792أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِيمَهُ ، وَاخْتُصِرَ لِي اخْتِصَارًا ، وَلَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً فَلَا تَتَهَوَّكُوا ، وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الْمُتَهَوِّكُونَ . ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الصَّحِيفَةِ فَمُحِيَتْ حَرْفًا حَرْفًا .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=4إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ يُوسُفَ : 4 - 6 ] . قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ
يَعْقُوبَ كَانَ لَهُ مِنَ الْبَنِينَ اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا ، وَسَمَّيْنَاهُمْ ، وَإِلَيْهِمْ تُنْسَبُ أَسْبَاطُ
بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ ، وَكَانَ أَشْرَفُهُمْ وَأَجَلُّهُمْ
[ ص: 459 ] وَأَعْظَمُهُمْ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ غَيْرُهُ وَبَاقِي إِخْوَتِهِ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِمْ ، وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ مِنْ فِعَالِهِمْ ، وَمَقَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=136قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ [ الْبَقَرَةِ : 136 ] . وَزَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَسْبَاطُ ، فَلَيْسَ اسْتِدْلَالُهُ بِقَوِيٍّ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَاطِ شُعُوبُ
بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمَا كَانَ يُوجَدُ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الْمُخْتَصُّ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَالْإِيحَاءِ إِلَيْهِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِهِ سِوَاهُ ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا قَالَ الْإِمَامُ
أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا
عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ . انْفَرَدَ بِهِ
nindex.php?page=showalam&ids=12070الْبُخَارِيُّ وَرَوَاهُ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ،
وَعَبْدَةَ ، عَنْ
عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ بِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي قِصَّةِ
إِبْرَاهِيمَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
[ ص: 460 ] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ، وَغَيْرُهُمْ : رَأَى
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ كَأَنَّ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ، وَهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى بَقِيَّةِ إِخْوَتِهِ ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هُمَا عِبَارَةٌ عَنْ أَبَوَيْهِ قَدْ سَجَدُوا لَهُ فَهَالَهُ ذَلِكَ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ فَعَرَفَ أَبُوهُ أَنَّهُ سَيَنَالُ مَنْزِلَةً عَالِيَةً وَرِفْعَةً عَظِيمَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، بِحَيْثُ يَخْضَعُ لَهُ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ فِيهَا ، فَأَمَرَهُ بِكِتْمَانِهَا وَأَنْ لَا يَقُصَّهَا عَلَى إِخْوَتِهِ كَيْلَا يَحْسُدُوهُ ، وَيَبْغُوا لَهُ الْغَوَائِلَ وَيَكِيدُوهُ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ وَالْمَكْرِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509793 . nindex.php?page=treesubj&link=32522اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِكِتْمَانِهَا فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ . وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مَعًا . وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُمْ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ . أَيْ وَكَمَا أَرَاكَ هَذِهِ الرُّؤْيَا الْعَظِيمَةَ فَإِذَا كَتَمْتَهَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ أَيْ يَخُصُّكَ بِأَنْوَاعِ اللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ . أَيْ يُفَهِّمُكَ مِنْ مَعَانِي الْكَلَامِ ، وَتَعْبِيرِ الْمَنَامِ مَالَا يَفْهَمُهُ غَيْرُكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ . أَيْ بِالْوَحْي إِلَيْكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ . أَيْ بِسَبَبِكَ ، وَيَحْصُلُ لَهُمْ بِكَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ . أَيْ يُنْعِمُ عَلَيْكَ وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ ، كَمَا أَعْطَاهَا أَبَاكَ
يَعْقُوبَ وَجَدَّكَ
إِسْحَاقَ وَوَالِدَ جَدِّكَ
إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=6إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=124اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [ الْأَنْعَامِ : 124 ] .
وَلِهَذَا
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ nindex.php?page=treesubj&link=31902أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ ؟ قَالَ : يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ [ ص: 461 ] نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ . وَقَدْ رَوَى
ابْنُ جَرِيرٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16328وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا ،
وَأَبُو يَعْلَى ،
nindex.php?page=showalam&ids=13863وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ
الْحَكَمِ بْنِ ظَهِيرٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ ، عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=14468السُّدِّيِّ ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ
جَابِرٍ قَالَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509794أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ : بُسْتَانَةُ الْيَهُودِيُّ . فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي رَآهَا يُوسُفُ أَنَّهَا سَاجِدَةٌ لَهُ مَا أَسْمَاؤُهَا ؟ قَالَ : فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ . وَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَسْمَائِهَا ، قَالَ : فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ : هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا . قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : هِيَ جَرَبَانُ ، وَالطَّارِقُ ، وَالذِّيَالُ ، وَذُو الْكَنِفَاتِ ، وَقَابِسُ ، وَوَثَّابُ ، وَعَمُودَانُ ، وَالْفَيْلَقُ ، وَالْمُصْبِحُ ، وَالصَّرُوحُ ، وَذُو الْفَرْعِ ، وَالضِّيَاءُ ، وَالنُّورُ . فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : إِي وَاللَّهِ إِنَّهَا لَأَسْمَاؤُهَا . وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى ، فَلَمَّا قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ ، قَالَ : هَذَا أَمْرٌ مُشَتَّتٌ يَجْمَعُهُ اللَّهُ ، وَالشَّمْسُ أَبُوهُ وَالْقَمَرُ أُمُّهُ .
[ ص: 462 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=7لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [ يُوسُفَ : 7 - 10 ] . يُنَبِّهُ تَعَالَى عَلَى مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْحِكَمِ وَالدَّلَالَاتِ وَالْمَوَاعِظِ ، وَالْبَيِّنَاتِ . ثُمَّ ذَكَرَ حَسَدَ إِخْوَةِ
يُوسُفَ لَهُ عَلَى مَحَبَّةِ أَبِيهِ لَهُ وَلِأَخِيهِ يَعْنُونَ شَقِيقَهُ لِأُمِّهِ
بِنْيَامِينَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَهُمْ عُصْبَةٌ ، أَي جَمَاعَةٌ . يَقُولُونَ : فَكُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِالْمَحَبَّةِ مِنْ هَذَيْنِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=8إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . أَيْ بِتَقْدِيمِهِ حُبَّهُمَا عَلَيْنَا . ثُمَّ اشْتَوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي قَتْلِ
يُوسُفَ أَوْ إِبْعَادِهِ إِلَى أَرْضٍ لَا يَرْجِعُ مِنْهَا لِيَخْلُوَ لَهُمْ وَجْهُ أَبِيهِ أَيْ لِتَتَمَحَّضَ مَحَبَّتُهُ لَهُمْ وَتَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ ، وَأَضْمَرُوا التَّوْبَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا تَمَالَأُوا عَلَى ذَلِكَ وَتَوَافَقُوا عَلَيْهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=10قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ . قَالَ
مُجَاهِدٌ : هُوَ
شَمْعُونُ . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14468السُّدِّيُّ : هُوَ
يَهُوذَا . وَقَالَ
قَتَادَةُ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16903وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : هُوَ أَكْبَرُهُمْ
رُوبِيلُ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=10لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ . أَيِ الْمَارَّةِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=10إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . مَا تَقُولُونَ لَا مَحَالَةَ فَلْيَكُنْ هَذَا الَّذِي أَقُولُ لَكُمْ فَهُوَ أَقْرَبُ حَالًا مِنْ قَتْلِهِ أَوْ نَفْيِهِ ، وَتَغْرِيبِهِ فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى هَذَا فَعِنْدَ ذَلِكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=11قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ [ يُوسُفَ : 11 - 14 ] . طَلَبُوا مِنْ أَبِيهِمْ أَنْ
[ ص: 463 ] يُرْسِلُ مَعَهُمْ أَخَاهُمْ
يُوسُفَ ، وَأَظْهَرُوا لَهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَرْعَى مَعَهُمْ ، وَأَنْ يَلْعَبَ وَيَنْبَسِطَ ، وَقَدْ أَضْمَرُوا لَهُ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ ، فَأَجَابَهُمُ الشَّيْخُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ : يَا بَنِيَّ يَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ أُفَارِقَهُ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ، وَمَعَ هَذَا أَخْشَى أَنْ تَشْتَغِلُوا فِي لَعِبِكُمْ ، وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ فَيَأْتِيَ الذِّئْبُ فَيَأْكُلَهُ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وَغَفْلَتِكُمْ عَنْهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=14قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ . أَيْ لَئِنْ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَكَلَهُ مِنْ بَيْنِنَا أَوِ اشْتَغَلْنَا عَنْهُ حَتَّى وَقَعَ هَذَا وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=14إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ . أَيْ عَاجِزُونَ هَالِكُونَ . وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ وَرَاءَهُمْ يَتْبَعُهُمْ ، فَضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ حَتَّى أَرْشَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِمْ ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ غَلَطِهِمْ وَخَطَئِهِمْ فِي التَّعْرِيبِ فَإِنَّ
يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَحْرَصَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَبْعَثَهُ مَعَهُمْ فَكَيْفَ يَبْعَثُهُ وَحْدَهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=15فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [ يُوسُفَ : 15 - 18 ] . لَمْ يَزَالُوا بِأَبِيهِمْ حَتَّى بَعَثَهُ مَعَهُمْ فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ غَابُوا عَنْ عَيْنَيْهِ فَجَعَلُوا يَشْتُمُونَهُ وَيُهِينُونَهُ بِالْفَعَالِ وَالْمَقَالِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِلْقَائِهِ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ أَيْ فِي قَعْرِهِ عَلَى رَاعُوفَتِهِ ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي وَسَطِهِ يَقِفُ عَلَيْهَا الْمَائِحُ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ لِيَمْلَأَ الدِّلَاءَ إِذَا قَلَّ الْمَاءُ ، وَالَّذِي يَرْفَعُهَا بِالْحَبْلِ يُسَمَّى الْمَاتِحَ ، فَلَمَّا أَلْقَوْهُ فِيهِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ فَرَجٍ
[ ص: 464 ] وَمَخْرَجٍ مِنْ هَذِهِ الشِّدَّةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا ، وَلَتُخْبِرَنَّ إِخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا فِي حَالٍ أَنْتَ فِيهَا عَزِيزٌ ، وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْكَ خَائِفُونَ مِنْكَ .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=15وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . قَالَ
مُجَاهِدٌ ،
وَقَتَادَةُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=15وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . بِإِيحَاءِ اللَّهِ إِلَيْهِ ذَلِكَ . وَعَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=15وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَيْ لَتُخْبِرَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا فِي حَالٍ لَا يَعْرِفُونَكَ فِيهَا . رَوَاهُ
ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ، فَلَمَّا وَضَعُوهُ فِيهِ وَرَجَعُوا عَنْهُ أَخَذُوا قَمِيصَهُ فَلَطَّخُوهُ بِشَيْءٍ مِنْ دَمٍ ، وَرَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ عِشَاءً وَهُمْ يَبْكُونَ أَيْ عَلَى أَخِيهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : لَا يَغُرَنَّكَ بُكَاءُ الْمُتَظَلِّمِ فَرُبَّ ظَالِمٍ وَهُوَ بَاكٍ . وَذَكَرَ بُكَاءَ إِخْوَةِ
يُوسُفَ . وَقَدْ جَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ أَيْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِيَكُونَ أَمْشَى لِغَدْرِهِمْ لَا لِعُذْرِهِمْ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=17قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا . أَيْ ثِيَابِنَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=17فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ أَيْ فِي غَيْبَتِنَا عَنْهُ فِي اسْتِبَاقِنَا . وَقَوْلُهُمْ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=17وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ . أَيْ وَمَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا فِي الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ مِنْ أَكْلِ الذِّئْبِ لَهُ ، وَلَوْ كُنَّا غَيْرَ مُتَّهَمِينَ عِنْدَكَ ، فَكَيْفَ وَأَنْتَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا ؟ فَإِنَّكَ خَشِيتَ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ، وَضَمِنَّا لَكَ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ لِكَثْرَتِنَا حَوْلَهُ فَصِرْنَا غَيْرَ مُصَدَّقِينَ عِنْدَكَ ، فَمَعْذُورٌ أَنْتَ فِي عَدَمِ تَصْدِيقِكَ لَنَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=18وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ . أَيْ مَكْذُوبٍ مُفْتَعَلٍ لِأَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى سَخْلَةٍ ذَبَحُوهَا فَأَخَذُوا مِنْ دَمِهَا فَوَضَعُوهُ عَلَى قَمِيصِهِ لِيُوهِمُوا أَنَّهُ أَكَلَهُ الذِّئْبُ . قَالُوا : وَنَسُوا أَنْ يَخْرِقُوهُ - " وَآفَةُ الْكَذِبِ النِّسْيَانُ . " ، وَلَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ عَلَائِمُ الرِّيبَةِ لَمْ يَرُجْ
[ ص: 465 ] صَنِيعُهُمْ عَلَى أَبِيهِمْ فَإِنَّهُ كَانَ يَفْهَمُ عَدَاوَتَهُمْ لَهُ ، وَحَسَدَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ لَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ لِمَا كَانَ يَتَوَسَّمُ فِيهِ مِنَ الْجَلَالَةِ وَالْمَهَابَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ لِمَا يُرِيدُ اللَّهَ أَنْ يَخُصَّهُ بِهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ ، وَلِمَا رَاوَدُوهُ عَنْ أَخْذِهِ فَبِمُجَرَّدِ مَا أَخَذُوهُ أَعْدَمُوهُ وَغَيَّبُوهُ عَنْ عَيْنَيْهِ جَاءُوا وَهُمْ يَتَبَاكَوْنَ وَعَلَى مَا تَمَالَأُوا عَلَيْهِ يَتَوَاطَئُونَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=18بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [ يُوسُفَ : 18 ] . وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ رُوبِيلَ أَشَارَ بِوَضْعِهِ فِي الْجُبِّ لِيَأْخُذَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ، وَيَرُدَّهُ إِلَى أَبِيهِ فَغَافَلُوهُ وَبَاعُوهُ لِتِلْكَ الْقَافِلَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ
رُوبِيلُ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ لِيُخْرِجَ
يُوسُفَ لَمْ يَجِدْهُ فَصَاحَ وَشَقَّ ثِيَابَهُ وَحَزِنَ ، وَعَمَدَ أُولَئِكَ إِلَى جَدْيٍ فَذَبَحُوهُ وَلَطَّخُوا مِنْ دَمِهِ جُبَّةَ
يُوسُفَ ، فَلَمَّا عَلِمَ
يَعْقُوبُ شَقَّ ثِيَابَهُ ، وَلَبِسَ مِئْزَرًا أَسْوَدَ وَحَزِنَ عَلَى ابْنِهِ أَيَّامًا كَثِيرَةً ، وَهَذِهِ الرَّكَاكَةُ جَاءَتْ مِنْ خَطَئِهِمْ فِي التَّعْبِيرِ وَالتَّصْوِيرِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ يُوسُفَ : 19 - 22 ] . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قِصَّةِ
يُوسُفَ حِينَ وُضِعَ فِي الْجُبِّ أَنَّهُ جَلَسَ يَنْتَظِرُ
فَرَجَ اللَّهِ وَلُطْفَهُ بِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ أَيْ مُسَافِرُونَ . قَالَ :
أَهْلُ الْكِتَابِ كَانَتْ بِضَاعَتُهُمْ مِنَ الْفُسْتُقِ وَالصَّنَوْبَرِ وَالْبُطْمِ ، قَاصِدِينَ دِيَارَ
مِصْرَ [ ص: 466 ] مِنَ
الشَّامِ فَأَرْسَلُوا بَعْضَهُمْ لِيَسْتَقُوا مِنْ ذَلِكَ الْبِئْرِ ، فَلَمَّا أَدْلَى أَحَدُهُمْ دَلْوَهُ تَعَلَّقَ فِيهِ
يُوسُفُ ، فَلَمَّا رَآهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19يَا بُشْرَى أَيْ يَا بِشَارَتِي هَذَا غُلَامٌ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً أَيْ أَوْهَمُوا أَنَّ مَعَهُمْ غُلَامًا مِنْ جُمْلَةِ مَتْجَرِهِمْ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=19وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ . أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِمَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ ، وَبِمَا يُسِرُّهُ وَاجِدُوهُ مِنْ أَنَّهُ بِضَاعَةٌ لَهُمْ ، وَمَعَ هَذَا لَا يُغَيِّرُهُ تَعَالَى لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْقَدَرِ السَّابِقِ وَالرَّحْمَةِ بِأَرْضِ
مِصْرَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ عَلَى يَدَيْ هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي يَدْخُلُهَا فِي صُورَةِ أَسِيرٍ رَقِيقٍ ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُمَلِّكُهُ أَزِمَّةِ الْأُمُورِ ، وَيَنْفَعُهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ بِمَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ .
وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ إِخْوَةُ
يُوسُفَ بِأَخْذِ السَّيَّارَةِ لَهُ لَحِقُوهُمْ ، وَقَالُوا : هَذَا غُلَامُنَا أَبِقَ مِنَّا فَاشْتَرَوْهُ مِنْهُمْ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ؛ أَيْ قَلِيلٍ نَزْرٍ . وَقِيلَ : هُوَ الزَّيْفُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=20دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ . قَالَ
ابْنُ مَسْعُودٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=11وَابْنُ عَبَّاسٍ ،
وَنَوْفٌ الْبِكَالِيُّ ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468وَالسُّدِّيُّ ،
وَقَتَادَةُ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16574وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ : بَاعُوهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا اقْتَسَمُوهَا دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ . وَقَالَ
مُجَاهِدٌ : اثْنَانِ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا . وَقَالَ
عِكْرِمَةُ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16903وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا . فَاللَّهُ أَعْلَمُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ . أَيْ أَحْسِنِي إِلَيْهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا . وَهَذَا مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وَرَحْمَتِهِ ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَهِّلَهُ لَهُ ، وَيُعْطِيَهُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . قَالُوا : وَكَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ
مِصْرَ عَزِيزَهَا ، وَهُوَ الْوَزِيرُ بِهَا الَّذِي الْخَزَائِنُ مُسَلَّمَةٌ إِلَيْهِ قَالَ
ابْنُ إِسْحَاقَ :
[ ص: 467 ] وَاسْمُهُ
أَطْفِيرُ بْنُ رُوحِيبَ . قَالَ : وَكَانَ مَلِكُ
مِصْرَ يَوْمَئِذٍ الرَّيَّانَ بْنَ الْوَلِيدِ رَجُلٌ مِنَ الْعَمَالِيقِ . قَالَ : وَاسْمُ
امْرَأَةِ الْعَزِيزِ رَاعِيلُ بِنْتُ رَعَائِيلَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ اسْمُهَا
زَلِيخَا . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَقَبُهَا . وَقِيلَ :
فَكَا بِنْتُ يَنُوسَ . رَوَاهُ
الثَّعْلَبِيُّ ، عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=14381أَبِي هِشَامٍ الرِّفَاعِيِّ . وَقَالَ
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ اسْمُ الَّذِي بَاعَهُ
بِمِصْرَ يَعْنِي الَّذِي جَلَبَهُ إِلَيْهَا
مَالِكَ بْنَ دَغْرِ بْنِ ثَوِيبَ بْنِ عَفْقَا بْنِ مِدْيَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ
ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ
أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنِ
ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أَفْرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ ؛
عَزِيزُ مِصْرَ حِينَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21أَكْرِمِي مَثْوَاهُ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي قَالَتْ لِأَبِيهَا عَنْ
مُوسَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=26يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [ الْقَصَصِ : 26 ] .
وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ حِينَ اسْتَخْلَفَ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . ثُمَّ قِيلَ : اشْتَرَاهُ
الْعَزِيزُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا . وَقِيلَ : بِوَزْنِهِ مِسْكًا وَوَزْنِهِ حَرِيرًا وَوَزْنِهِ وَرِقًا . فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ . أَيْ وَكَمَا قَيَّضْنَا هَذَا
الْعَزِيزَ ، وَامْرَأَتَهُ يُحْسِنَانِ إِلَيْهِ وَيَعْتَنِيَانِ بِهِ ، مَكَّنَّا لَهُ فِي أَرْضِ
مِصْرَ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ . أَيْ فَهْمِهَا ، وَتَعْبِيرُ الرُّؤْيَا مِنْ ذَلِكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ .
[ ص: 468 ] أَيْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُقَيِّضُ لَهُ أَسْبَابًا ، وَأُمُورًا لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعِبَادُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=21وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=22وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ كَانَ ، وَهُوَ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَشُدِّ ، وَهُوَ حَدُّ الْأَرْبَعِينَ الَّذِي يُوحِي اللَّهُ فِيهِ إِلَى عِبَادِهِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْعُمُرِ الَّذِي هُوَ بُلُوغُ الْأَشُدِّ . فَقَالَ
مَالِكٌ ،
وَرَبِيعَةُ ،
وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ،
nindex.php?page=showalam&ids=14577وَالشَّعْبِيُّ : هُوَ الْحُلُمُ . وَقَالَ
سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَقَالَ
الضَّحَّاكُ : عِشْرُونَ سَنَةً . وَقَالَ
عِكْرِمَةُ : خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14468السُّدِّيُّ : ثَلَاثُونَ سَنَةً . وَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ ،
وَمُجَاهِدٌ ،
وَقَتَادَةُ : ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً . وَقَالَ
الْحَسَنُ : أَرْبَعُونَ سَنَةً . وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=46&ayano=15حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [ الْأَحْقَافِ : 105 ] .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=23وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [ يُوسُفَ : 23 - 29 ] .
[ ص: 469 ] يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ مُرَاوَدَةِ
امْرَأَةِ الْعَزِيزِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ نَفْسِهِ وَطَلَبِهَا مِنْهُ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَمَقَامِهِ ، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ وَالْمَالِ وَالْمَنْصِبِ وَالشَّبَابِ ، وَكَيْفَ غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ ؟ وَتَهَيَّأَتْ لَهُ وَتَصَنَّعَتْ وَلَبِسَتْ أَحْسَنَ ثِيَابِهَا وَأَفْخَرَ لِبَاسِهَا ، وَهِيَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ امْرَأَةُ الْوَزِيرِ . قَالَ
ابْنُ إِسْحَاقَ : وَبِنْتُ أُخْتِ الْمَلِكِ
الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ صَاحِبِ
مِصْرَ . وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ أَنَّ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَابٌّ بَدِيعُ الْجَمَالِ وَالْبَهَاءِ ، إِلَّا أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ سُلَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ
nindex.php?page=treesubj&link=21383_28751فَعَصَمَهُ رَبُّهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَحَمَاهُ مِنْ مَكْرِ النِّسَاءِ ، فَهُوَ سَيِّدُ السَّادَةِ النُّجَبَاءِ السَّبْعَةِ الْأَتْقِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ
سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ؛ إِمَامٌ عَادِلٌ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ، وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ قَلْبُهُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، nindex.php?page=treesubj&link=19513وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ ، فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَيْهَا ، وَحَرَصَتْ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْحِرْصِ . فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=23مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي . يَعْنِي زَوْجَهَا صَاحِبَ الْمَنْزِلِ سَيِّدِي أَحْسَنَ مَثْوَايَ أَيْ أَحْسَنَ إِلَيَّ ، وَأَكْرَمَ مُقَامِي عِنْدَهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=23إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=24وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ . بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَمَقْنَعٌ فِي التَّفْسِيرِ .
وَأَكْثَرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا مُتَلَقًّى مِنْ كُتُبِ أَهْلِ
[ ص: 470 ] الْكِتَابِ فَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ أَوْلَى بِنَا ، وَالَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ وَبَرَّأَهُ وَنَزَّهَهُ عَنِ الْفَاحِشَةِ وَحَمَاهُ عَنْهَا وَصَانَهُ مِنْهَا ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=24كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ . أَيْ هَرَبَ مِنْهَا طَالِبًا إِلَى الْبَابِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ فِرَارًا مِنْهَا فَاتَّبَعَتْهُ فِي أَثَرِهِ : وَأَلْفَيَا : أَيْ وَجَدَا سَيِّدَهَا أَيْ زَوْجَهَا لَدَى الْبَابِ ، فَبَادَرَتْهُ بِالْكَلَامِ وَحَرَّضَتْهُ عَلَيْهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=25قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . اتَّهَمَتْهُ وَهِيَ الْمُتَّهَمَةُ وَبَرَّأَتْ عِرْضَهَا وَنَزَّهَتْ سَاحَتَهَا ، فَلِهَذَا قَالَ
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=26هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي . احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ . وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا قِيلَ : كَانَ صَغِيرًا فِي الْمَهْدِ قَالَهُ
ابْنُ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=3أَبِي هُرَيْرَةَ ،
وَهِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ،
وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ،
nindex.php?page=showalam&ids=15992وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ،
وَالضَّحَّاكِ ، وَاخْتَارَهُ
ابْنُ جَرِيرٍ . وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَوَقَفَهُ غَيْرُهُ عَنْهُ . وَقِيلَ : كَانَ رَجُلًا قَرِيبًا إِلَى أَطْفِيرَ بَعْلِهَا . وَقِيلَ : قَرِيبًا إِلَيْهَا . وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ رَجُلًا
ابْنُ عَبَّاسٍ ،
وَعِكْرِمَةُ ،
وَمُجَاهِدٌ ،
وَالْحَسَنُ ،
وَقَتَادَةُ ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468وَالسُّدِّيُّ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16903وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ،
وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ . فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=26إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . أَيْ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ رَاوَدَهَا فَدَافَعَتْهُ حَتَّى قَدَّتْ مُقَدَّمَ قَمِيصِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=27وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . أَيْ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ هَرَبَ مِنْهَا فَاتَّبَعَتْهُ ، وَتَعَلَّقَتْ فِيهِ فَانْشَقَّ قَمِيصُهُ لِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ كَانَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=28فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ .
[ ص: 471 ] أَيْ هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ مَكْرِكُنَّ أَنْتِ رَاوَدْتِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، ثُمَّ اتَّهَمْتِهِ بِالْبَاطِلِ ، ثُمَّ أَضْرَبَ بَعْلُهَا عَنْ هَذَا صَفْحًا . فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=29يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا . أَيْ لَا تَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ لِأَنَّ كِتْمَانَ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ هُوَ الْأَلْيَقُ وَالْأَحْسَنُ ، وَأَمَرَهَا بِالِاسْتِغْفَارِ لِذَنْبِهَا الَّذِي صَدَرَ مِنْهَا وَالتَّوْبَةِ إِلَى رَبِّهَا ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأهْلُ
مِصْرَ وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ إِلَّا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ، وَيُؤَاخِذُ بِهَا هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهَا بَعْلُهَا وَعَذَرَهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ؛ لِأَنَّهَا رَأَتْ مَا لَا صَبْرَ لَهَا عَلَى مِثْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ عَفِيفٌ نَزِيهٌ بَرِئُ الْعِرْضِ سَلِيمُ النَّاحِيَةِ فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=29وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ يُوسُفَ : 30 - 34 ] . يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ يَعْنِي
مِصْرَ مِنْ نِسَاءِ الْأُمَرَاءِ وَبَنَاتِ الْكُبَرَاءِ فِي الطَّعْنِ عَلَى
امْرَأَةِ الْعَزِيزِ وَعَيْبِهَا وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهَا فِي مُرَاوَدَتِهَا فَتَاهَا وَحُبِّهَا الشَّدِيدِ لَهُ ، يَعْنِينَ :
[ ص: 472 ] وَهُوَ لَا يُسَاوِي هَذَا لِأَنَّهُ مَوْلًى مِنَ الْمَوَالِي ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ أَهْلًا لِهَذَا ؛ وَلِهَذَا قُلْنَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=30إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . أَيْ فِي وَضْعِهَا الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=31فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ . أَيْ بِتَشْنِيعِهِنَّ عَلَيْهَا وَالتَّنَقُّصِ لَهَا ، وَالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا بِالْعَيْبِ وَالْمَذَمَّةِ بِحُبِّ مَوْلَاهَا وَعِشْقِ فَتَاهَا فَأَظْهَرْنَ ذَمًّا ، وَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَلِهَذَا أَحَبَّتْ أَنْ تَبْسُطَ عُذْرَهَا عِنْدَهُنَّ وَتُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الْفَتَى لَيْسَ كَمَا حَسِبْنَ وَلَا مِنْ قَبِيلِ مَا لَدَيْهِنَّ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ فَجَمَعَتْهُنَّ فِي مَنْزِلِهَا ، وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ ضِيَافَةَ مِثْلِهِنَّ ، وَأَحْضَرَتْ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا يُقْطَعُ بِالسَّكَاكِينِ كَالْأُتْرُجِّ وَنَحْوِهِ .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=31وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا ، وَكَانَتْ قَدْ هَيَّأَتْ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَلْبَسَتْهُ أَحْسَنَ الثِّيَابِ ، وَهُوَ فِي غَايَةِ طَرَاوَةِ الشَّبَابِ ، وَأَمَرَتْهُ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِنَّ بِهَذِهِ الْحَالَةِ فَخَرَجَ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنَ الْبَدْرِ لَا مَحَالَةَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=31فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ . أَيْ أَعْظَمْنَهُ وَأَجْلَلْنَهُ وَهِبْنَهُ ، وَمَا ظَنَنَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا فِي بَنِي آدَمَ وَبَهَرَهُنَّ حُسْنُهُ حَتَّى اشْتَغَلْنَ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ ، وَجَعَلْنَ يَحْزُزْنَ فِي أَيْدِيهِنَّ بِتِلْكَ السَّكَاكِينِ ، وَلَا يَشْعُرْنَ بِالْجِرَاحِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=31وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ .
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ
فَمَرَرْتُ بِيُوسُفَ ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ . قَالَ السُّهَيْلِيُّ ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حُسْنِ
آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ
آدَمَ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ فَكَانَ فِي غَايَةِ نِهَايَاتِ الْحُسْنِ الْبَشَرِيِّ ؛ وَلِهَذَا
nindex.php?page=treesubj&link=30395يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى طُولِ آدَمَ وَحُسْنِهِ ،
وَيُوسُفُ كَانَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حُسْنِ
آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أَحْسَنُ مِنْهُمَا ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ أُنْثَى بَعْدَ حَوَّاءَ أَشَبْهَ بِهَا مِنْ
سَارَةَ امْرَأَةِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَالَ
ابْنُ مَسْعُودٍ :
nindex.php?page=treesubj&link=31898وَكَانَ وَجْهُ يُوسُفَ مِثْلَ الْبَرْقِ ، وَكَانَ إِذَا أَتَتْهُ
[ ص: 473 ] امْرَأَةٌ لِحَاجَةٍ غَطَّى وَجْهَهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ فِي الْغَالِبِ مُبَرْقَعًا لِئَلَّا يَرَاهُ النَّاسُ . وَلِهَذَا لَمَّا قَامَ عَذَرَ
امْرَأَةَ الْعَزِيزِ فِي مَحَبَّتِهَا لِهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ، وَجَرَى لَهُنَّ وَعَلَيْهِنَّ مَا جَرَى مِنْ تَقْطِيعِ أَيْدِيهِنَّ بِجِرَاحِ السَّكَاكِينِ ، وَمَا رَكِبَهُنَّ مِنَ الْمَهَابَةِ ، وَالدَّهَشِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ، وَمُعَايَنَتِهِ قَالَتْ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=32فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ثُمَّ مَدَحَتْهُ بِالْعِفَّةِ التَّامَّةِ فَقَالَتْ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=32وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ . أَيِ امْتَنَعَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=32وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ . وَكَانَ بَقِيَّةُ النِّسَاءِ حَرَّضْنَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِسَيِّدَتِهِ فَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ وَنَأَى لِأَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَدَعَا فَقَالَ فِي دُعَائِهِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=33رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ . يَعْنِي : إِنْ وَكَلْتَنِي إِلَى نَفْسِي فَلَيْسَ لِي مِنْ نَفْسِي إِلَّا الْعَجْزُ وَالضَّعْفُ ، وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَنَا ضَعِيفٌ إِلَّا مَا قَوَّيْتَنِي وَعَصَمْتَنِي وَحَفِظْتَنِي وَحُطْتَنِي بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=34فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
[ ص: 474 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=35ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [ يُوسُفَ : 35 - 41 ] .
[ ص: 474 ] يَذْكُرُ تَعَالَى عَنِ الْعَزِيزِ وَامْرَأَتِهِ أَنَّهُمْ بَدَا لَهُمْ أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الرَّأْيِ بَعْدَ مَا عَلِمُوا بَرَاءَةَ
يُوسُفَ أَنْ يَسْجُنُوهُ إِلَى وَقْتٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ لِكَلَامِ النَّاسِ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ ، وَأَخْمَدَ لِأَمْرِهَا وَلِيُظْهِرُوا أَنَّهُ رَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَسُجِنَ بِسَبَبِهَا ، فَسَجَنُوهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ، وَكَانَ هَذَا مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا عَصَمَهُ بِهِ فَإِنَّهُ أَبْعَدُ لَهُ عَنْ مُعَاشَرَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ ، وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مَا حَكَاهُ عَنْهُمُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ مِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=36وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ . قِيلَ : كَانَ أَحَدُهُمَا سَاقِيَ الْمَلِكِ ، وَاسْمُهُ فِيمَا قِيلَ : بَنُو . وَالْآخَرُ خَبَّازَهُ يَعْنِي الَّذِي يَلِي طَعَامَهُ ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ
التُّرْكُ :
الْجَاشَنْكِيرُ ، وَاسْمُهُ فِيمَا قِيلَ : مَجْلَثُ . كَانَ الْمَلِكُ قَدِ اتَّهَمَهُمَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ فَسَجَنَهُمَا ، فَلَمَّا رَأَيَا
يُوسُفَ فِي السِّجْنِ أَعْجَبَهُمَا سَمْتُهُ وَهَدْيُهُ وَدَلُّهُ وَطَرِيقَتُهُ وَقَوْلُهُ وَفِعْلُهُ وَكَثْرَةُ عِبَادَتِهِ رَبَّهُ وَإِحْسَانُهُ إِلَى خَلْقِهِ ، فَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُؤْيَا تُنَاسِبُهُ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ : رَأَيَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَمَّا السَّاقِي فَرَأَى كَأَنَّ ثَلَاثَ قُضْبَانٍ مِنْ حَبْلَةٍ قَدْ أَوْرَقَتْ وَأَيْنَعَتْ عَنَاقِيدُ الْعِنَبِ فَأَخَذَهَا فَاعْتَصَرَهَا فِي كَأْسِ الْمَلِكِ وَسَقَاهُ ، وَرَأَى الْخَبَّازُ
[ ص: 475 ] عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ سِلَالٍ مِنْ خُبْزٍ ، وَضَوَارِي الطُّيُورِ تَأْكُلُ مِنَ السَّلِّ الْأَعْلَى . فَقَصَّاهَا عَلَيْهِ ، وَطَلَبَا مِنْهُ أَنْ يَعْبُرَهُمَا لَهُمَا ، وَقَالَا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=36إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . فَأَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ عَلِيمٌ بِتَعْبِيرِهِمَا خَبِيرٌ بِأَمْرِهِمَا . وَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=37قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا . قِيلَ : مَعْنَاهُ مَهْمَا رَأَيْتُمَا مِنْ حُلْمٍ فَإِنِّي أَعْبُرُهُ لَكُمَا قَبْلَ وُقُوعِهِ ، فَيَكُونُ كَمَا أَقُولُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنِّي أُخْبِرُكُمَا بِمَا يَأْتِيكُمَا مِنَ الطَّعَامِ قَبْلَ مَجِيئِهِ حُلْوًا أَوْ حَامِضًا . كَمَا قَالَ
عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=49وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [ آلِ عِمْرَانَ : 49 ] . وَقَالَ لَهُمَا إِنَّ هَذَا مِنْ تَعْلِيمِ اللَّهِ إِيَّايَ لِأَنِّي مُؤْمِنٌ بِهِ مُوَحِّدٌ لَهُ مُتَّبِعٌ مِلَّةَ آبَائِي الْكِرَامِ
إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=38مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا . أَيْ بِأَنْ هَدَانَا لِهَذَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=38وَعَلَى النَّاسِ أَيْ بِأَنْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ وَنُرْشِدَهُمْ وَنَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي فِطَرِهِمْ مَرْكُوزٌ ، وَفِي جِبِلَّتِهِمْ مَغْرُوزٌ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=38وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ .
ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ ، وَذَمَّ عِبَادَةَ مَا سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَصَغَّرَ أَمْرَ الْأَصْنَامِ وَحَقَّرَهَا وَضَعَّفَ أَمْرَهَا . فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=39يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ . أَيْ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ
[ ص: 476 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=40أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ . أَيْ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=40ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أَيِ الْمُسْتَقِيمُ وَالصِّرَاطُ الْقَوِيمُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=40وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . أَيْ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ مَعَ وُضُوحِهِ وَظُهُورِهِ ، وَكَانَتْ دَعْوَتُهُ لَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالِ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ ؛ لِأَنَّ نُفُوسَهُمَا مُعَظِّمَةٌ لَهُ مُنْبَعِثَةٌ عَلَى تَلَقِّي مَا يَقُولُ بِالْقَبُولِ فَنَاسَبَ أَنْ يَدْعُوَهُمَا إِلَى مَا هُوَ الْأَنْفَعُ لَهُمَا مِمَّا سَأَلَا عَنْهُ وَطَلَبَا مِنْهُ ، ثُمَّ لَمَّا قَامَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَ إِلَى مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=41يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا . قَالُوا : وَهُوَ السَّاقِي
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=41وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ . قَالُوا : وَهُوَ الْخَبَّازُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=41قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ . أَيْ وَقَعَ هَذَا لَا مَحَالَةَ وَوَجَبَ كَوْنُهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ
ابْنِ مَسْعُودٍ ،
وَمُجَاهِدٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16327وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُمَا قَالَا : لَمْ نَرَ شَيْئًا . فَقَالَ لَهُمَا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=41قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ . [ يُوسُفَ : 42 ] يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا وَهُوَ السَّاقِي :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ . يَعْنِي اذْكُرْ أَمْرِي ، وَمَا أَنَا فِيهِ مِنَ السَّجْنِ بِغَيْرِ جُرْمٍ عِنْدَ الْمَلِكِ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ فِي الْأَسْبَابِ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّوَكُّلَ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ . وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ . أَيْ فَأَنْسَى النَّاجِيَ مِنْهُمَا الشَّيْطَانُ
[ ص: 477 ] أَنْ يَذْكُرَ مَا وَصَّاهُ بِهِ
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَهُ
مُجَاهِدٌ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16903وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ مَنْصُوصُ
أَهْلِ الْكِتَابِ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ . وَالْبِضْعُ : مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ . وَقِيلَ : إِلَى السَّبْعِ . وَقِيلَ : إِلَى الْخَمْسِ . وَقِيلَ : مَا دُونَ الْعَشَرَةِ . حَكَاهَا
الثَّعْلَبِيُّ . وَيُقَالُ : بِضْعُ نِسْوَةٍ ، وَبِضْعَةُ رِجَالٍ وَمَنَعَ الْفَرَّاءُ اسْتِعْمَالَ الْبِضْعِ فِيمَا دُونَ الْعَشْرِ . قَالَ : وَإِنَّمَا يُقَالُ : نَيِّفٌ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ . وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=30&ayano=4فِي بِضْعِ سِنِينَ [ الرُّومِ : 4 ] . وَهَذَا رَدٌّ لِقَوْلِهِ قَالَ الْفَرَّاءُ : وَيُقَالُ : بِضْعَةَ عَشَرَ ، وَبِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ . إِلَى التِّسْعِينَ ، وَلَا يُقَالُ : بِضْعٌ وَمِائَةٌ ، وَبِضْعٌ وَأَلْفٌ . وَخَالَفَ
الْجَوْهَرِيُّ فِيمَا زَادَ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ ، فَمَنَعَ أَنْ يُقَالَ : بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ . إِلَى تِسْعِينَ ، وَفِي الصَّحِيحِ
الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ . وَفِي رِوَايَةٍ
nindex.php?page=hadith&LINKID=3509795وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ .
وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ . عَائِدٌ عَلَى
يُوسُفَ . فَقَدْ ضَعُفَ مَا قَالَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ ،
وَعِكْرِمَةَ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ
ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ضَعِيفٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ؛
[ ص: 478 ] تَفَرَّدَ بِإِسْنَادِهِ
إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ الْمَكِّيُّ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَمُرْسَلُ الْحَسَنِ ،
وَقَتَادَةَ لَا يُقْبَلُ ، وَلَاسِيَّمَا هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَأَمَّا قَوْلُ
nindex.php?page=showalam&ids=13053ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَبِثَ
يُوسُفُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ ؛ أَخْبَرَنَا
الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ ، ثنا
مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، ثنا
nindex.php?page=showalam&ids=15800خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ثنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=3أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْلَا الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا " nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=42اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ " مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ ، وَرَحِمَ اللَّهُ لُوطًا إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ : " nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=80لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ " قَالَ : فَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَهُ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
nindex.php?page=showalam&ids=17004وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ لَهُ أَشْيَاءُ يَنْفَرِدُ بِهَا وَفِيهَا نَكَارَةٌ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْ أَنْكَرِهَا وَأَشَدِّهَا ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ يَشْهَدُ بِغَلَطِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[ ص: 479 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=43وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [ يُوسُفَ : 43 - 49 ] . هَذَا كُلُّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ خُرُوجِ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ السِّجْنِ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِرَامِ وَالْإِكْرَامِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكَ
مِصْرَ ، وَهُوَ
الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ ثَرْوَانَ بْنِ أَرَاشَةَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوَذَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا . قَالَ
أَهْلُ الْكِتَابِ : رَأَى كَأَنَّهُ عَلَى حَافَّةِ نَهْرٍ ، وَكَأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ سَبْعُ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ فَجَعَلْنَ يَرْتَعْنَ فِي رَوْضَةٍ هُنَاكَ ، فَخَرَجَتْ سَبْعٌ هِزَالٌ ضِعَافٌ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ فَرَتَعْنَ مَعَهُنَّ ، ثُمَّ مِلْنَ عَلَيْهِنَّ فَأَكَلْنَهُنَّ ، فَاسْتَيْقَظَ مَذْعُورًا ، ثُمَّ نَامَ فَرَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ فِي قَصَبَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِذَا سَبْعٌ أُخَرُ دِقَاقٌ يَابِسَاتٌ تَأْكُلُهُنَّ ، فَاسْتَيْقَظَ مَذْعُورًا ، فَلَمَّا قَصَّهَا عَلَى مَلَإِهِ ، وَقَوْمِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُ تَعْبِيرَهَا ، بَلْ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=44قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ أَيْ أَخْلَاطُ أَحْلَامٍ مِنَ اللَّيْلِ لَعَلَّهَا لَا تَعْبِيرَ لَهَا ، وَمَعَ هَذَا فَلَا خِبْرَةَ لَنَا بِذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا قَالُوا :
[ ص: 480 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=44وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ . فَعِنْدَ ذَلِكَ تَذَكَّرَ النَّاجِي مِنْهُمَا الَّذِي وَصَّاهُ
يُوسُفُ بِأَنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ رَبِّهِ فَنَسِيَ إِلَى حِينِهِ هَذَا ، وَذَلِكَ عَنْ تَقْدِيرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ ، فَلَمَّا سَمِعَ رُؤْيَا الْمَلِكِ ، وَرَأَى عَجْزَ النَّاسِ عَنْ تَعْبِيرِهَا تَذَكَّرَ أَمْرَ
يُوسُفَ وَمَا كَانَ أَوْصَاهُ بِهِ مِنَ التَّذْكَارِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=45وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ . أَيْ تَذَكَّرَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=45بَعْدَ أُمَّةٍ أَيْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ ، وَهُوَ بِضْعُ سِنِينَ . وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ ، كَمَا حُكِيَ ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ ،
وَعِكْرِمَةَ ،
وَالضَّحَّاكِ : " وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ " أَيْ بَعْدَ نِسْيَانٍ . وَقَرَأَهَا
مُجَاهِدٌ : " بَعْدَ أَمْهٍ " بِإِسْكَانِ الْمِيمِ ، وَهُوَ النِّسْيَانُ أَيْضًا . يُقَالُ : أَمِهَ الرَّجُلُ يَأْمَهُ أَمَهًا ، وَأَمْهًا إِذَا نَسِيَ قَالَ الشَّاعِرُ :
أَمِهْتُ وَكُنْتُ لَا أَنْسَى حَدِيثًا كَذَاكَ الدَّهْرُ يُرْدِي بِالْعَقُولِ
. فَقَالَ لِقَوْمِهِ وَلِلْمَلِكِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=45أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ . أَيْ فَأَرْسِلُونِي إِلَى
يُوسُفَ . فَجَاءَهُ فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=46يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ . وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْمَلِكَ لَمَّا ذَكَرَهُ لَهُ النَّاجِي اسْتَدْعَاهُ إِلَى حَضْرَتِهِ ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا رَآهُ فَفَسَّرَهُ لَهُ . وَهَذَا غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْقُرْآنِ لَا مَا عَرَّبَهُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ الثِّيرَانُ مِنْ قَرَائِئَ
[ ص: 481 ] وَرُبَّانٍ . فَبَذَلَ
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِلَا تَأَخُّرٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا طَلَبَ الْخُرُوجَ سَرِيعًا ، بَلْ أَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا ، وَعَبَّرَ لَهُمْ مَا كَانَ مِنْ مَنَامِ الْمَلِكِ الدَّالِّ عَلَى وُقُوعِ سَبْعِ سِنِينَ مِنَ الْخِصْبِ وَيَعْقُبُهَا سَبْعٌ جُدْبٌ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=49ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ . يَعْنِي يَأْتِيهِمُ الْغَيْثُ وَالْخِصْبُ وَالرَّفَاهِيَةُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=49وَفِيهِ يَعْصِرُونَ يَعْنِي مَا كَانُوا يَعْصِرُونَهُ مِنَ الْأَقْصَابِ وَالْأَعْنَابِ وَالزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ وَغَيْرِهَا . فَعَبَّرَ لَهُمْ وَعَلَى الْخَيْرِ دَلَّهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يَعْتَمِدُونَهُ فِي حَالَتَيْ خِصْبِهِمْ وَجَدْبِهِمْ ، وَمَا يَفْعَلُونَهُ مِنِ ادِّخَارِ حُبُوبِ سِنِيِّ الْخِصْبِ فِي السَّبْعِ الْأُوَلِ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا مَا يُرْصَدُ بِسَبَبِ الْأَكْلِ ، وَمِنْ تَقْلِيلِ الْبَذْرِ فِي سِنِيِّ الْجَدْبِ فِي السَّبْعِ الثَّانِيَةِ إِذِ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْبَذْرَ مِنَ الْحَقْلِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْعِلْمِ ، وَكَمَالِ الرَّأْيِ وَالْفَهْمِ .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=50وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [ يُوسُفَ : 50 - 53 ] . لَمَّا أَحَاطَ الْمَلِكُ عِلْمًا بِكَمَالِ عِلْمِ
يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَتَمَامِ عَقْلِهِ وَرَأْيِهِ السَّدِيدِ وَفَهْمِهِ ، أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ إِلَى حَضْرَتِهِ لِيَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ خَاصَّتِهِ ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ أَحَبَّ أَنْ لَا يَخْرُجَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ حُبِسَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ، وَأَنَّهُ بَرِيءُ السَّاحَةِ مِمَّا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ
[ ص: 482 ] بُهْتَانًا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=50قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ . يَعْنِي الْمَلِكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=50فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ . قِيلَ : مَعْنَاهُ : إِنَّ سَيِّدِي
الْعَزِيزَ يَعْلَمُ بَرَاءَتِي مِمَّا نُسِبَ إِلَيَّ أَيْ فَمُرِ الْمَلِكَ فَلْيَسْأَلْهُنَّ كَيْفَ كَانَ امْتِنَاعِي الشَّدِيدُ عِنْدَ مُرَاوَدَتِهِنَّ إِيَّايَ ، وَحَثِّهِنَّ لِي عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَيْسَ بِرَشِيدٍ وَلَا سَدِيدٍ . فَلَمَّا سُئِلْنَ عَنْ ذَلِكَ اعْتَرَفْنَ بِمَا وَقَعَ مِنْ خَطَأِ الْأَمْرِ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْأَمْرِ الْحَمِيدِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=51وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ . فَعِنْدَ ذَلِكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=51قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ وَهِيَ
زَلِيخَا nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=51الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ . أَيْ ؛ ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ وَوَضَحَ ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=51أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . أَيْ فِيمَا يَقُولُهُ مِنْ أَنَّهُ بَرِئٌ وَأَنَّهُ لَمْ يُرَاوِدْنِي ، وَأَنَّهُ حُبِسَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَزُورًا وَبُهْتَانًا . وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=52ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ . قِيلَ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ
يُوسُفَ . أَيْ إِنَّمَا طَلَبْتُ تَحْقِيقَ هَذَا لِيَعْلَمَ
الْعَزِيزُ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ
زَلِيخَا أَيْ إِنَّمَا اعْتَرَفْتُ بِهَذَا لِيَعْلَمَ زَوْجِي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَإِنَّمَا كَانَ مُرَاوَدَةً لَمْ يَقَعْ مَعَهَا فِعْلُ فَاحِشَةٍ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي نَصَرَهُ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَمْ يَحْكِ
ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ سِوَى الْأَوَّلِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=53وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ . قِيلَ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ
يُوسُفَ . وَقِيلَ : مِنْ كَلَامِ
زَلِيخَا . وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ . وَكَوْنُهُ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ
زَلِيخَا أَظْهَرُ وَأَنْسَبُ ، وَأَقْوَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[ ص: 483 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=54وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [ يُوسُفَ : 54 - 57 ] . لَمَّا ظَهَرَ لِلْمَلِكِ بَرَاءَةُ عِرْضِهِ ، وَنَزَاهَةُ سَاحَتِهِ عَمَّا كَانُوا أَظْهَرُوا عَنْهُ مِمَّا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=54ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي . أَيْ أَجْعَلْهُ مِنْ خَاصَّتِي وَمِنْ أَكَابِرِ دَوْلَتِي وَمِنْ أَعْيَانِ حَاشِيَتِي ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ وَسَمِعَ مَقَالَهُ وَتَبَيَّنَ حَالَهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=54قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ . أَيْ ذُو مَكَانَةٍ وَأَمَانَةٍ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=55قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . طَلَبَ أَنْ يُوَلِّيَهُ النَّظَرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْرَاءِ لِمَا يَتَوَقَّعُ مِنْ حُصُولِ الْخَلَلِ فِيمَا بَعْدَ مُضِيِّ سَبْعِ سِنِيِّ الْخِصْبِ لِيَنْظُرَ فِيهَا بِمَا يُرْضِي اللَّهَ فِي خَلْقِهِ مِنَ الِاحْتِيَاطِ لَهُمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ ، وَأَخْبَرَ الْمَلِكَ أَنَّهُ حَفِيظٌ أَيْ قَوِيٌّ عَلَى حِفْظِ مَا لَدَيْهِ أَمِينٌ عَلَيْهِ عَلِيمٌ بِضَبْطِ الْأَشْيَاءِ وَمَصَالِحِ الْأَهْرَاءِ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ طَلَبِ الْوِلَايَةِ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ وَالْكَفَاءَةَ ، وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ
فِرْعَوْنَ عَظَّمَ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جِدًّا ، وَسَلَّطَهُ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ
مِصْرَ وَأَلْبَسَهُ خَاتَمَهُ وَأَلْبَسَهُ الْحَرِيرَ وَطَوَّقَهُ الذَّهَبَ وَحَمَلَهُ عَلَى مَرْكَبِهِ الثَّانِي ، وَنُودِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْتَ رَبٌّ أَيْ مَالِكٌ وَمُسَلَّطٌ . وَقَالَ
[ ص: 484 ] لَهُ : لَسْتُ أَعْظَمَ مِنْكَ إِلَّا بِالْكُرْسِيِّ . قَالُوا : وَكَانَ
يُوسُفُ إِذْ ذَاكَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَزَوْجُهُ امْرَأَةً عَظِيمَةَ الشَّأْنِ .
وَحَكَى
الثَّعْلَبِيُّ أَنَّهُ عَزَلَ قِطْفِيرَ عَنْ وَظِيفَتِهِ وَوَلَّاهَا
يُوسُفَ . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمَّا مَاتَ زَوَّجَهُ امْرَأَتَهُ
زَلِيخَا فَوَجَدَهَا عَذْرَاءَ ؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا كَانَ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ فَوَلَدَتْ
لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلَيْنِ ، وَهَمَا
أَفْرَاثِيمُ ،
وَمَنْشَا . قَالَ : وَاسْتَوْثَقَ
لِيُوسُفَ مُلْكُ
مِصْرَ ، وَعَمِلَ فِيهِمْ بِالْعَدْلِ فَأَحَبَّهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ . وَحُكِيَ أَنَّ
يُوسُفَ كَانَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ عُمُرُهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَأَنَّ الْمَلِكَ خَاطَبَهُ بِسَبْعِينَ لُغَةً ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُجَاوِبُهُ بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْهَا فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مَعَ حَدَاثَةِ سِنِّهِ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=56وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ . أَيْ بَعْدَ السَّجْنِ وَالضِّيقِ وَالْحَصْرِ صَارَ مُطْلَقَ الرِّكَابِ بِدِيَارِ
مِصْرَ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=56يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ . أَيْ أَيْنَ شَاءَ حَلَّ مِنْهَا مُكْرَمًا مَحْسُودًا مُعَظَّمًا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=56نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . أَيْ هَذَا كُلُّهُ مِنْ جَزَاءِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي آخِرَتِهِ مِنَ الْخَيْرِ الْجَزِيلِ وَالثَّوَابِ الْجَمِيلِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=57وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . وَيُقَالُ : إِنَّ أَطْفِيرَ زَوْجَ زَلِيخَا كَانَ قَدْ مَاتَ . فَوَلَّاهُ الْمَلِكُ مَكَانَهُ وَزَوَّجَهُ امْرَأَتَهُ
زَلِيخَا فَكَانَ وَزِيرَ صِدْقٍ .
وَذَكَرَ
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ صَاحِبَ
مِصْرَ الْوَلِيدَ بْنَ الرَّيَّانِ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ
[ ص: 485 ] بَعْضُهُمْ :
وَرَاءَ مَضِيقِ الْخَوْفِ يَتَّسِعُ الْأَمْنُ وَأَوَّلُ مَفْرُوحٍ بِهِ آخِرُ الْحُزْنِ
فَلَا تَيْأَسَنْ فَاللَّهُ مَلَّكَ يُوسُفًا خَزَائِنَهُ بَعْدَ الْخَلَاصِ مِنَ السِّجْنِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=58وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ يُوسُفَ : 58 - 62 ] . يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُدُومِ إِخْوَةِ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يَمْتَارُونَ طَعَامًا ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِتْيَانِ سِنِيِّ الْجَدْبِ وَعُمُومِهَا عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ ، وَكَانَ
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ ذَاكَ الْحَاكِمَ فِي أُمُورِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ دِينًا وَدُنْيَا ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ عَرَفَهُمْ ، وَلَمْ يَعْرِفُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِمْ مَا صَارَ إِلَيْهِ
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمَكَانَةِ ، وَالْعَظَمَةِ ، فَلِهَذَا عَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ سَجَدُوا لَهُ فَعَرَفَهُمْ ، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَعْرِفُوهُ فَأَغْلَظَ لَهُمْ فِي الْقَوْلِ . وَقَالَ : أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ جِئْتُمْ لِتَأْخُذُوا خَبَرَ بِلَادِي . فَقَالُوا : مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّمَا جِئْنَا نَمْتَارُ لِقَوْمِنَا مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ الَّذِي أَصَابَنَا ، وَنَحْنُ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ مِنْ كَنْعَانَ ، وَنَحْنُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ذَهَبَ مِنَّا وَاحِدٌ ، وَصَغِيرُنَا عِنْدَ أَبِينَا . فَقَالَ : لَا بُدَّ أَنْ أَسْتَعْلِمَ أَمْرَكُمْ . وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ حَبَسَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
[ ص: 486 ] ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ ، وَاحْتَبَسَ
شَمْعُونَ عِنْدَهُ لِيَأْتُوهُ بِالْأَخِ الْآخَرِ . وَفِي بَعْضِ هَذَا نَظَرٌ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=59وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ . أَيْ أَعْطَاهُمْ مِنَ الْمِيرَةِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ فِي إِعْطَاءِ كُلِّ إِنْسَانٍ حِمْلَ بِعِيرٍ لَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=59قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ . وَكَانَ قَدْ سَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ وَكَمْ هُمْ فَقَالُوا : كُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَذَهَبَ مِنَّا وَاحِدٌ وَبَقِيَ شَقِيقُهُ عِنْدَ أَبِينَا . فَقَالَ : إِذَا قَدِمْتُمْ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَأْتُونِي بِهِ مَعَكُمْ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=59أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ . أَيْ قَدْ أَحْسَنْتُ نُزُلَكُمْ وَقِرَاكُمْ فَرَغَّبَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِهِ ، ثُمَّ رَهَّبَهُمْ إِنْ لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=60فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ . أَيْ فَلَسْتُ أُعْطِيكُمْ مِيرَةً ، وَلَا أَقْرَبُكُمْ بِالْكُلِّيَّةِ عَكْسُ مَا أَسْدَى إِلَيْهِمْ أَوَّلًا ، فَاجْتَهَدَ فِي إِحْضَارِهِ مَعَهُمْ لِيَبُلَّ شَوْقَهُ مِنْهُ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، قَالُوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=61سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ . أَيْ سَنَجْتَهِدُ فِي مَجِيئِهِ مَعَنَا ، وَإِتْيَانِهِ إِلَيْكَ بِكُلِّ مُمْكِنٍ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=61وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ أَيْ وَإِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى تَحْصِيلِهِ ، ثُمَّ أَمَرَ فِتْيَانَهُ أَنْ يَضَعُوا بِضَاعَتَهُمْ ، وَهِيَ مَا جَاءُوا بِهِ يَتَعَوَّضُونَ بِهِ عَنِ الْمِيرَةِ فِي أَمْتِعَتِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ بِهَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=62لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . قِيلَ : أَرَادَ أَنْ يَرُدُّوهَا إِذَا وَجَدُوهَا فِي بِلَادِهِمْ . وَقِيلَ : خَشِيَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُمْ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً . وَقِيلَ : تَذَمَّمَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عِوَضًا عَنِ الْمِيرَةِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي بِضَاعَتِهِمْ عَلَى أَقْوَالٍ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا ، وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهَا كَانَتْ صُرَرًا مِنْ وَرِقٍ . وَهُوَ أَشْبَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[ ص: 487 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=63فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [ يُوسُفَ : 63 - 68 ] .
يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إِلَى أَبِيهِمْ وَقَوْلِهِمْ لَهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=63مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ . أَيْ بَعْدَ عَامِنَا هَذَا إِنْ لَمْ تُرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا فَإِنْ أَرْسَلْتَهُ مَعَنَا لَمْ يُمْنَعْ مِنَّا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=65وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي . أَيْ أَيَّ شَيْءٍ نُرِيدُ وَقَدْ رُدَّتْ إِلَيْنَا بِضَاعَتُنَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=65وَنَمِيرُ أَهْلَنَا أَيْ نَمْتَارُ لَهُمْ ، وَنَأْتِيهِمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ فِي سَنَتِهِمْ ، وَمَحْلِهِمْ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=65وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ . بِسَبَبِهِ كَيْلَ بَعِيرٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=65ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ . أَيْ فِي مُقَابَلَةِ ذَهَابِ وَلَدِهِ الْآخَرِ ، وَكَانَ
يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَضَنَّ شَيْءٍ بِوَلَدِهِ
بِنْيَامِينَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَشُمُّ فِيهِ رَائِحَةَ أَخِيهِ وَيَتَسَلَّى بِهِ عَنْهُ ، وَيَتَعَوَّضُ بِسَبَبِهِ مِنْهُ ، فَلِهَذَا قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=66لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ . أَيْ إِلَّا أَنْ تُغْلَبُوا كُلُّكُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=66فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ . أَكَّدَ الْمَوَاثِيقَ وَقَرَّرَ الْعُهُودَ وَاحْتَاطَ لِنَفْسِهِ فِي وَلَدِهِ ، وَلَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ ، وَلَوْلَا حَاجَتُهُ
[ ص: 488 ] وَحَاجَةُ قَوْمِهِ إِلَى الْمِيرَةِ لَمَا بَعَثَ الْوَلَدَ الْعَزِيزَ ، وَلَكِنَّ الْأَقْدَارَ لَهَا أَحْكَامٌ ،
nindex.php?page=treesubj&link=30455وَالرَّبُّ تَعَالَى يُقَدِّرُ مَا يَشَاءُ ، وَيَخْتَارُ مَا يُرِيدُ ، وَيَحْكُمُ مَا يَشَاءُ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنْ لِيَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ . قِيلَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُصِيبَهُمْ أَحَدٌ بِالْعَيْنِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَشْكَالًا حَسَنَةً ، وَصُوَرًا بَدِيعَةً قَالَهُ
ابْنُ عَبَّاسٍ ،
وَمُجَاهِدٌ ،
nindex.php?page=showalam&ids=14980وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ،
وَقَتَادَةُ ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468وَالسُّدِّيُّ ،
وَالضَّحَّاكُ . وَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا لَعَلَّهُمْ يَجِدُونَ خَبَرًا
لِيُوسُفَ أَوْ يُحَدَّثُونَ عَنْهُ بِأَيْسَرِ شَيْءٍ قَالَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=12354إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=67وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ . وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=68وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ .
وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ هَدِيَّةً إِلَى الْعَزِيزِ مِنَ الْفُسْتُقِ وَاللَّوْزِ وَالصَّنَوْبَرِ وَالْبُطْمِ وَالْعَسَلِ ، وَأَخَذُوا الدَّرَاهِمَ الْأُولَى ، وَعَرْضًا آخَرَ .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=69وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ [
يُوسُفَ : 69 - 79 ] .
[ ص: 489 ]
يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حِينَ دَخَلُوا بِأَخِيهِمْ
بِنْيَامِينَ عَلَى شَقِيقِهِ
يُوسُفَ ، وَإِيوَائِهِ إِلَيْهِ وَإِخْبَارِهِ لَهُ سِرًّا عَنْهُمْ بِأَنَّهُ أَخُوهُ ، وَأَمْرِهِ بِكَتْمِ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، وَسَلَّاهُ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ ، ثُمَّ احْتَالَ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُمْ ، وَتَرْكِهِ إِيَّاهُ عِنْدَهُ دُونَهُمْ ، فَأَمَرَ فِتْيَانَهُ بِوَضْعِ سِقَايَتِهِ ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ يَشْرَبُ بِهَا ، وَيَكِيلُ بِهَا لِلنَّاسِ الطَّعَامَ مِنْ عِزَّتِهِ فِي مَتَاعِ
بِنْيَامِينَ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ سَرَقُوا صُوَاعَ الْمَلِكِ ، وَوَعَدَهُمْ جِعَالَةً عَلَى رَدِّهِ حِمْلَ بَعِيرٍ ، وَضَمِنَهُ الْمُنَادِي لَهُمْ فَأَقْبَلُوا عَلَى مَنِ اتَّهَمَهُمْ بِذَلِكَ فَأَنَّبُوهُ ، وَهَجَّنُوهُ فِيمَا قَالَهُ لَهُمْ ، وَقَالُوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=73تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ . يَقُولُونَ : أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنَّا خِلَافَ مَا رَمَيْتُمُونَا بِهِ مِنَ السَّرِقَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=74قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . وَهَذِهِ كَانَتْ شَرِيعَتَهُمْ أَنَّ السَّارِقَ يُدْفَعُ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ؛ وَلِهَذَا قَالُوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=75كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=76فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ . لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْعَدَ لِلتُّهْمَةِ وَأَبْلَغَ فِي الْحِيلَةِ ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=76كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ . أَيْ لَوْلَا اعْتِرَافُهُمْ بِأَنَّ جَزَاءَهُ مَنْ وُجِدَ
[ ص: 490 ] فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ لَمَا كَانَ يَقْدِرُ
يُوسُفُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُمْ فِي سِيَاسَةِ مَلِكِ
مِصْرَ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=76إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ . أَيْ فِي الْعِلْمِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=76وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ
يُوسُفَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ وَأَتَمَّ رَأْيًا وَأَقْوَى عَزْمًا وَحَزْمًا ، وَإِنَّمَا فَعَلَ مَا فَعَلَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُدُومِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ عَلَيْهِ وَوُفُودِهِمْ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا عَايَنُوا اسْتِخْرَاجَ الصُّوَاعِ مِنْ حِمْلِ
بِنْيَامِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=77قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ . يَعْنُونَ
يُوسُفَ . قِيلَ : كَانَ قَدْ سَرَقَ صَنَمَ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ . وَقِيلَ : كَانَتْ عَمَّتُهُ قَدْ عَلَّقَتْ عَلَيْهِ بَيْنَ ثِيَابِهِ ، وَهُوَ صَغِيرٌ ، مِنْطَقَةً كَانَتْ
لِإِسْحَاقَ ، ثُمَّ اسْتَخْرَجُوهَا مِنْ بَيْنِ ثِيَابِهِ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِمَا صَنَعَتْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا ، وَفِي حَضَانَتِهَا لِمَحَبَّتِهَا لَهُ . وَقِيلَ : كَانَ يَأْخُذُ الطَّعَامَ مِنَ الْبَيْتِ فَيُطْعِمُهُ الْفُقَرَاءَ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . فَلِهَذَا قَالُوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=77إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ . وَهِيَ كَلِمَتُهُ بَعْدَهَا . وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=77أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ . أَجَابَهُمْ سِرًّا لَا جَهْرًا حِلْمًا وَكَرَمًا وَصَفْحًا وَعَفْوًا فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي التَّرَقُّقِ وَالتَّعَطُّفِ فَقَالُوا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=78يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ . أَيْ إِنْ أَطْلَقْنَا الْمُتَّهَمَ وَأَخَذْنَا الْبَرِيءَ هَذَا مَا لَا نَفْعَلُهُ وَلَا نَسْمَحُ بِهِ . وَإِنَّمَا نَأْخُذُ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ .
وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ
يُوسُفَ تَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ حِينَئِذٍ . وَهَذَا مِمَّا غَلِطُوا فِيهِ وَلَمْ يَفْهَمُوهُ جَيِّدًا .
[ ص: 491 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [ يُوسُفَ : 80 - 87 ] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ خَلَصُوا يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالَ كَبِيرُهُمْ وَهُوَ
رُوبِيلُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ . لَقَدْ أَخْلَفْتُمْ عَهْدَهُ وَفَرَّطْتُمْ فِيهِ ، كَمَا فَرَّطْتُمْ فِي أَخِيهِ
يُوسُفَ مِنْ قَبْلِهِ فَلَمْ يَبْقَ لِي وَجْهٌ أُقَابِلُهُ بِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ . أَيْ لَا أَزَالُ مُقِيمًا هَاهُنَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي . فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي . بِأَنْ يُقَدِّرَنِي عَلَى رَدِّ أَخِي إِلَى أَبِي
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=80وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ . أَيْ أَخْبِرُوهُ بِمَا رَأَيْتُمْ مِنَ الْأَمْرِ فِي ظَاهِرِ الْمُشَاهَدَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=81وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا . أَيْ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ مِنْ أَخْذِهِمْ
[ ص: 492 ] أَخَانَا لِأَنَّهُ سَرَقَ أَمْرٌ اشْتَهَرَ
بِمِصْرَ ، وَعَلِمَهُ الْعِيرُ الَّتِي كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ هُنَاكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=82وَإِنَّا لَصَادِقُونَ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَمْ يَسْرِقْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِسَجِيَّةٍ لَهُ ، وَلَا خُلُقَهُ ، وَإِنَّمَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=83سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ .
قَالَ
ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَغَيْرُهُ : لَمَّا كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُمْ فِي
بِنْيَامِينَ مُتَرَتِّبًا عَلَى صَنِيعِهِمْ فِي
يُوسُفَ قَالَ لَهُمْ مَا قَالَ . وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إِنَّ مِنْ
nindex.php?page=treesubj&link=30531جَزَاءِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا . ثُمَّ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=83عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا . يَعْنِي
يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ وَرُوبِيلَ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ . أَيْ بِحَالِي ، وَمَا أَنَا فِيهِ مِنْ فِرَاقِ الْأَحِبَّةِ الْحَكِيمُ فِيمَا يُقَدِّرُهُ وَيَفْعَلُهُ وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=84وَتَوَلَّى عَنْهُمْ أَيْ أَعْرَضَ عَنْ بَنِيهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=84وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ .
ذَكَّرَهُ حُزْنُهُ الْجَدِيدُ بِالْحُزْنِ الْقَدِيمِ وَحَرَّكَ مَا كَانَ كَامِنًا ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى مَا الْحُبُّ إِلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ
وَقَالَ آخَرُ :
لَقَدْ لَامَنِي عِنْدَ الْقُبُورِ عَلَى الْبُكَا رَفِيقِي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ
. فَقَالَ : أَتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيْتَهُ لِقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوَى فَالدَّكَادِكِ ؟
[ ص: 493 ] فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ الْأَسَى يَبْعَثُ الْأَسَى فَدَعْنِي فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ
وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=84وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ . أَيْ مِنْ كَثْرَةِ الْبُكَاءِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=84فَهُوَ كَظِيمٌ أَيْ مُكْمَدٌ مِنْ كَثْرَةِ حُزْنِهِ ، وَأَسَفِهِ وَشَوْقِهِ إِلَى
يُوسُفَ ، فَلَمَّا رَأَى بَنُوهُ مَا يُقَاسِيهِ مِنَ الْوَحْدَةِ ، وَأَلَمِ الْفِرَاقِ . قَالُوا لَهُ عَلَى وَجْهِ الرَّحْمَةِ لَهُ ، وَالرَّأْفَةِ بِهِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=85تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . يَقُولُونَ : لَا تَزَالُ تَتَذَكَّرُهُ حَتَّى يَنْحَلَ جَسَدُكَ ، وَتَضْعُفَ قُوَّتُكَ فَلَوْ رَفَقْتَ بِنَفْسِكَ كَانَ أَوْلَى بِكَ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=86إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . يَقُولُ لِبَنِيهِ : لَسْتُ أَشْكُو إِلَيْكُمْ ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مَا أَنَا فِيهِ ،
nindex.php?page=treesubj&link=29479إِنَّمَا أَشْكُو إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لِي مِمَّا أَنَا فِيهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا ، وَأَعْلَمُ أَنَّ رُؤْيَا
يُوسُفَ لَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ ، وَلَا بُدَّ أَنْ أَسْجُدَ لَهُ أَنَا وَأَنْتُمْ حَسَبَ مَا رَأَى ؛ وَلِهَذَا قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=86وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مُحَرِّضًا عَلَى تَطَلُّبِ
يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَأَنْ يَبْحَثُوا عَنْ أَمْرِهِمَا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=87يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ . أَيْ لَا تَيْأَسُوا مِنَ الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ فَإِنَّهُ
nindex.php?page=treesubj&link=19635لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَفَرَجِهِ وَمَا يُقَدِّرُهُ مِنَ الْمَخْرَجِ فِي الْمَضَايِقِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ .
[ ص: 494 ] nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=88فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قَالُوا تَاللَّهَ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [ يُوسُفَ : 88 - 93 ] .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ رُجُوعِ إِخْوَةِ
يُوسُفَ إِلَيْهِ وَقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ وَرَغْبَتِهِمْ فِيمَا لَدَيْهِ مِنَ الْمِيرَةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ أَخِيهِمْ
بِنْيَامِينَ إِلَيْهِمْ ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=88قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ . أَيْ مِنَ الْجَدْبِ وَضِيقِ الْحَالِ وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=88وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ . أَيْ ضَعِيفَةٍ لَا يُقْبَلُ مِثْلُهَا مِنَّا إِلَّا أَنْ يُتَجَاوَزَ عَنَّا . قِيلَ : كَانَتْ دَرَاهِمَ رَدِيئَةً . وَقِيلَ : قَلِيلَةً . وَقِيلَ : حَبَّ الصَّنَوْبَرِ ، وَحَبَّ الْبُطْمِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَعَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَتْ خَلَقَ الْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=88فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ . قِيلَ : بِقَبُولِهَا قَالَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=14468السُّدِّيُّ . وَقِيلَ : بِرَدِّ أَخِينَا إِلَيْنَا قَالَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=13036ابْنُ جُرَيْجٍ . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : إِنَّمَا حُرِّمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى نَبِيِّنَا
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ . رَوَاهُ
ابْنُ جَرِيرٍ . فَلَمَّا رَأَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْحَالِ ، وَمَا جَاءُوا بِهِ مِمَّا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ سِوَاهُ مِنْ ضَعِيفِ الْمَالِ تَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ وَعَطَفَ عَلَيْهِمْ قَائِلًا لَهُمْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَرَبِّهِمْ ، وَقَدْ حَسَرَ لَهُمْ عَنْ جَبِينِهِ الشَّرِيفِ ، وَمَا يَحْوِيهِ مِنَ الْخَالِ فِيهِ الَّذِي يَعْرِفُونَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=89هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ قَالُوا وَتَعَجَّبُوا كُلَّ الْعَجَبِ ، وَقَدْ تَرَدَّدُوا إِلَيْهِ مِرَارًا عَدِيدَةً ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ هُوَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=90أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي .
[ ص: 495 ] يَعْنِي : أَنَا
يُوسُفُ الَّذِي صَنَعْتُمْ مَعَهُ مَا صَنَعْتُمْ ، وَسَلَفَ مِنْ أَمْرِكُمْ فِيهِ مَا فَرَّطْتُمْ . وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=90وَهَذَا أَخِي تَأْكِيدٌ لِمَا قَالَ وَتَنْبِيهٌ عَلَى مَا كَانُوا أَضْمَرُوا لَهُمَا مِنَ الْحَسَدِ ، وَأَعْمَلُوا فِي أَمْرِهِمَا مِنَ الِاحْتِيَالِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=90قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا . أَيْ بِإِحْسَانِهِ إِلَيْنَا ، وَصَدَقَتِهِ عَلَيْنَا ، وَإِيوَائِهِ لَنَا ، وَشَدِّهِ مَعَاقِدَ عِزِّنَا ، وَذَلِكَ بِمَا أَسْلَفْنَا مِنْ طَاعَتِهِ ، وَصَبْرِنَا عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ إِلَيْنَا ، وَطَاعَتِنَا وَبِرِّنَا لِأَبِينَا ، وَمَحَبَّتِهِ الشَّدِيدَةِ لَنَا ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْنَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=90إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا . أَيْ فَضَّلَكَ ، وَأَعْطَاكَ مَا لَمْ يُعْطِنَا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=91وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ . أَيْ فِيمَا أَسْدَيْنَا إِلَيْكَ ، وَهَا نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=92قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ . أَيْ لَسْتُ أُعَاتِبُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ بَعْدَ يَوْمِكُمْ هَذَا ، ثُمَّ زَادَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=92يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=92لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ . وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=92الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ . فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَذْهَبُوا بِقَمِيصِهِ ، وَهُوَ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ فَيَضَعُوهُ عَلَى عَيْنَيْ أَبِيهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ مَا كَانَ ذَهَبَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَهَذَا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَدَلَائِلِ النُّبُوَّاتِ وَأَكْبَرِ الْمُعْجِزَاتِ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَحَمَّلُوا بِأَهْلِهِمْ أَجْمَعِينَ إِلَى دِيَارِ
مِصْرَ إِلَى الْخَيْرِ وَالدَّعَةِ وَجَمْعِ الشَّمْلِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ ، وَأَعْلَى الْأُمُورِ .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ يُوسُفَ : 94 - 98 ] .
[ ص: 496 ] قَالَ
عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا
إِسْرَائِيلُ ، عَنْ
أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ سَمِعْتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ : لَمَّا خَرَجَتِ الْعِيرُ هَاجَتْ رِيحٌ فَجَاءَتْ
يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ
يُوسُفَ .
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94فَقَالَ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ . قَالَ : فَوَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ . وَكَذَا رَوَاهُ
الثَّوْرِيُّ ،
وَشُعْبَةُ ، وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ
أَبِي سِنَانٍ بِهِ . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14102الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ،
nindex.php?page=showalam&ids=13036وَابْنُ جُرَيْجٍ الْمَكِّيُّ : كَانَ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا ، وَكَانَ لَهُ مُنْذُ فَارَقَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً . وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ . أَيْ تَقُولُونَ : إِنَّمَا قُلْتَ هَذَا مِنَ الْفَنَدِ وَهُوَ الْخَرَفُ وَكِبَرُ السِّنِّ . قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=16568وَعَطَاءٌ ،
وَمُجَاهِدٌ ،
وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةُ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=94تُفَنِّدُونِ تُسَفِّهُونِ . وَقَالَ
مُجَاهِدٌ أَيْضًا ،
وَالْحَسَنُ : تُهَرِّمُونِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=95قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ . قَالَ
قَتَادَةُ ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468وَالسُّدِّيُّ : قَالُوا لَهُ كَلِمَةً غَلِيظَةً . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=96فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا . أَيْ بِمُجَرَّدِ مَا جَاءَ أَلْقَى الْقَمِيصَ عَلَى وَجْهِ
يَعْقُوبَ فَرَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ بَصِيرًا بَعْدَ مَا كَانَ ضَرِيرًا . وَقَالَ لِبَنِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=96أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . أَيْ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ سَيَجْمَعُ شَمْلِي
بِيُوسُفَ ، وَسَتَقَرُّ عَيْنِي بِهِ ، وَسَيُرِينِي فِيهِ وَمِنْهُ مَا يَسُرُّنِي ، فَعِنْدَ ذَلِكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=97قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ . طَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّا كَانُوا فَعَلُوا وَنَالُوا
[ ص: 497 ] مِنْهُ وَمِنِ ابْنِهِ ، وَمَا كَانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِمُ التَّوْبَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ ، وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِلِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَأَجَابَهُمْ أَبُوهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا وَمَا عَلَيْهِ عَوَّلُوا قَائِلًا :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=98سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
قَالَ
ابْنُ مَسْعُودٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=12402وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ،
وَعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=13036وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرُهُمْ أَرْجَأَهُمْ إِلَى وَقْتِ السَّحَرِ قَالَ
ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي
أَبُو السَّائِبِ ، حَدَّثَنَا
ابْنُ إِدْرِيسَ ، سَمِعْتُ
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ يَذْكُرُ ، عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=16883مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ : كَانَ عَمٌّ لِي يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَسَمِعَ إِنْسَانًا يَقُولُ : اللَّهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ ، وَأَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ ، وَهَذَا السَّحَرُ فَاغْفِرْ لِي . قَالَ : فَاسْتَمَعَ الصَّوْتَ فَإِذَا هُوَ مِنْ دَارِ
nindex.php?page=showalam&ids=10عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَسَأَلَ
عَبْدَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ : إِنَّ
يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=98سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=17وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ
يَعْقُوبَ أَرْجَأَ
[ ص: 498 ] بَنِيهِ إِلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ
ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي
الْمُثَنَّى ثنا
سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا
الْوَلِيدُ ، أَنْبَأَنَا
nindex.php?page=showalam&ids=13036ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ
عَطَاءٍ ،
وَعِكْرِمَةَ ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=98سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي . يَقُولُ :
حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ . وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=99فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يُوسُفَ : 99 - 101 ] . هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ اجْتِمَاعِ الْمُتَحَابِّينَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي قِيلَ : إِنَّهَا ثَمَانُونَ سَنَةً . وَقِيلَ : ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً . وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ
الْحَسَنِ . وَقِيلَ : خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً . قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ذَكَرُوا أَنَّهُ غَابَ عَنْهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً . قَالَ :
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ غَابَ عَنْهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً . وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْقِصَّةِ يُرْشِدُ إِلَى تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ تَقْرِيبًا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَاوَدَتْهُ ، وَهُوَ شَابٌّ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فِيمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَامْتَنَعَ فَكَانَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ، وَهِيَ
[ ص: 499 ] سَبْعٌ عِنْدَ
عِكْرِمَةَ ، وَغَيْرِهِ . ثُمَّ أُخْرِجَ فَكَانَتْ سَنَوَاتُ الْخِصْبِ السَّبْعُ ، ثُمَّ لَمَّا أَمْحَلَ النَّاسُ فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي جَاءَ إِخْوَتُهُمْ يَمْتَارُونَ السَّنَةَ الْأُولَى وَحْدَهُمْ ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَمَعَهُمْ أَخُوهُ
بِنْيَامِينُ ، وَفِي الثَّالِثَةِ تَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِإِحْضَارِ أَهْلِهِمْ أَجْمَعِينَ فَجَاءُوا كُلُّهُمْ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=99فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ . اجْتَمَعَ بِهِمَا خُصُوصًا وَحْدَهُمَا دُونَ إِخْوَتِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=99وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ . قِيلَ : هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ ، وَالْمُؤَخَّرِ تَقْدِيرُهُ : ادْخُلُوا
مِصْرَ ، وَآوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ . وَضَعَّفَهُ
ابْنُ جَرِيرٍ ، وَهُوَ مَعْذُورٌ . قِيلَ : تَلَقَّاهُمَا وَآوَاهُمَا فِي مَنْزِلِ الْخِيَامِ ، ثُمَّ لَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْ بَابِ
مِصْرَ قَالَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=99ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ . قَالَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=14468السُّدِّيُّ . وَلَوْ قِيلَ : إِنَّ الْأَمْرَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا أَيْضًا ، وَأَنَّهُ ضُمِّنَ قَوْلُهُ ادْخُلُوا مَعْنَى اسْكُنُوا
مِصْرَ أَوْ أَقِيمُوا بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ لَكَانَ صَحِيحًا مَلِيحًا أَيْضًا .
وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ
يَعْقُوبَ لَمَّا وَصَلَ إِلَى أَرْضِ جَاشِرَ ، وَهِيَ أَرْضُ
بُلْبَيْسَ خَرَجَ
يُوسُفُ لِتَلَقِّيهِ ، وَكَانَ
يَعْقُوبُ قَدْ بَعَثَ ابْنَهُ
يَهُوذَا بَيْنَ يَدَيْهِ مُبَشِّرًا بِقُدُومِهِ ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَلِكَ أَطْلَقَ لَهُمْ أَرْضَ جَاشِرَ يَكُونُونَ فِيهَا ، وَيُقِيمُونَ بِهَا بِنَعَمِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ . وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ لَمَّا أَزِفَ قُدُومُ نَبِيِّ اللَّهِ
يَعْقُوبَ وَهُوَ إِسْرَائِيلُ أَرَادَ
يُوسُفُ أَنْ يَخْرُجَ لِتَلَقِّيهِ ، فَرَكِبَ مَعَهُ الْمَلِكُ وَجُنُودُهُ خِدْمَةً
لِيُوسُفَ وَتَعْظِيمًا لِنَبِيِّ اللَّهِ إِسْرَائِيلَ ، وَأَنَّهُ دَعَا لِلْمَلِكِ ، وَأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْ أَهْلِ
مِصْرَ بَقِيَّةَ سِنِيِّ الْجَدْبِ بِبَرَكَةِ قُدُومِهِ إِلَيْهِمْ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ قَدِمَ مَعَ
يَعْقُوبَ مِنْ بَنِيهِ ، وَأَوْلَادِهِمْ فِيمَا
[ ص: 500 ] قَالَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=11813أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، عَنْ
أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنِ
ابْنِ مَسْعُودٍ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ إِنْسَانًا . وَقَالَ
مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ : عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=16439عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ كَانُوا ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ إِنْسَانًا . وَقَالَ
أَبُو إِسْحَاقَ : عَنْ
مَسْرُوقٍ دَخَلُوا وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ إِنْسَانًا . قَالُوا : وَخَرَجُوا مَعَ مُوسَى وَهُمْ أَزْيَدُ مِنْ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ ، وَفِي نَصِّ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ نَفْسًا ، وَسَمَّوْهُمْ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ . قِيلَ : كَانَتْ أُمُّهُ قَدْ مَاتَتْ . كَمَا هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ التَّوْرَاةِ . وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فَأَحْيَاهَا اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَتْ خَالَتُهُ لَيَا ، وَالْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ . وَقَالَ
ابْنُ جَرِيرٍ ، وَآخَرُونَ : بَلْ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي بَقَاءَ حَيَاةِ أُمِّهِ إِلَى يَوْمِئِذٍ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى نَقْلِ
أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا خَالَفَهُ ، وَهَذَا قَوِيٌّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَفَعَهُمَا عَلَى الْعَرْشِ أَيْ أَجْلَسَهُمَا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا . أَيْ سَجَدَ لَهُ الْأَبَوَانِ وَالْإِخْوَةُ الْأَحَدَ عَشَرَ تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا ، وَكَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَهُمْ ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مَعْمُولًا بِهِ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ حَتَّى حُرِّمَ فِي مِلَّتِنَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ . أَيْ هَذَا تَعْبِيرُ مَا كُنْتُ قَصَصْتُهُ عَلَيْكَ مِنْ رُؤْيَتِي الْأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حِينَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ، وَأَمَرْتَنِي بِكِتْمَانِهَا ، وَوَعَدْتَنِي مَا وَعَدْتِنِي عِنْدَ ذَلِكَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ .
[ ص: 501 ] أَيْ بَعْدَ الْهَمِّ ، وَالضِّيقِ جَعَلَنِي حَاكِمًا نَافِذَ الْكَلِمَةِ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ حَيْثُ شِئْتُ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ . أَيِ الْبَادِيَةِ ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ أَرْضَ الْعَرَبَاتِ مِنْ بِلَادِ الْخَلِيلِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي . أَيْ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ ، ثُمَّ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ . أَيْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ ، وَيَسَّرَهَا وَسَهَّلَهَا مِنْ وُجُوهٍ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعِبَادُ ، بَلْ يُقَدِّرُهَا وَيُيَسِّرُهَا بِلَطِيفِ صُنْعِهِ ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=100إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ . أَيْ بِجَمِيعِ الْأُمُورِ الْحَكِيمُ فِي خَلْقِهِ ، وَشَرْعِهِ ، وَقَدَرِهِ .
وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ
يُوسُفَ بَاعَ أَهْلَ
مِصْرَ ، وَغَيْرَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ تَحْتَ يَدِهِ بِأَمْوَالِهِمْ كُلِّهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعَقَارِ وَالْأَثَاثِ وَمَا يَمْلِكُونَهُ كُلَّهُ حَتَّى بَاعَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ فَصَارُوا أَرِقَّاءَ ، ثُمَّ أَطْلَقَ لَهُمْ أَرْضَهُمْ وَأَعْتَقَ رِقَابَهُمْ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا ، وَيَكُونُ خُمْسُ مَا يَشْتَغِلُونَ مِنْ زَرْعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ لِلْمَلِكِ فَصَارَتْ سُنَّةَ أَهْلِ
مِصْرَ بَعْدَهُ . وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَشْبَعُ فِي تِلْكَ السِّنِينَ حَتَّى لَا يَنْسَى الْجِيعَانَ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلَةً وَاحِدَةً نِصْفَ النَّهَارِ ، قَالَ : فَمِنْ ثَمَّ اقْتَدَى بِهِ الْمُلُوكُ الْأَخْيَارُ فِي ذَلِكَ . قُلْتُ : وَقَدْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يُشْبِعُ بَطْنَهُ عَامَ الرَّمَادَةِ حَتَّى ذَهَبَ الْجَدْبُ ، وَأَتَى الْخِصْبُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ لِعُمَرَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عَامُ الرَّمَادَةِ : لَقَدِ انْجَلَتْ عَنْكَ ، وَإِنَّكَ لَابْنُ حُرَّةٍ .
[ ص: 502 ] ثُمَّ لَمَّا رَأَى
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نِعْمَتَهُ قَدْ تَمَّتْ ، وَشَمْلَهُ قَدِ اجْتَمَعَ عَرَفَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَا يَقِرُّ بِهَا مِنْ قَرَارٍ ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيهَا وَمَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَمَا بَعْدَ التَّمَامِ إِلَّا النُّقْصَانُ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَاعْتَرَفَ لَهُ بِعَظِيمِ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ ، وَسَأَلَ مِنْهُ وَهُوَ خَيْرُ الْمَسْئُولِينَ أَنْ يَتَوَفَّاهُ أَي حِينَ يَتَوَفَّاهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ يُلْحِقَهُ بِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ . وَهَكَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ : اللَّهُمَّ أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ ، وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ أَيْ حِينَ تَتَوَفَّانَا . وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَأَلَ ذَلِكَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ أَنْ يَرْفَعَ رُوحَهُ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى ، وَالرُّفَقَاءِ الصَّالِحِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، كَمَا قَالَ :
اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى . ثَلَاثًا . ثُمَّ قَضَى . وَيَحْتَمِلُ أَنَّ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ الْوَفَاةَ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْجِزًا فِي صِحَّةٍ مِنْهُ وَسَلَامَةٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ وَشِرْعَتِهِمْ ، كَمَا رُوِيَ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ :
nindex.php?page=treesubj&link=31895_32875مَا تَمَنَّى نَبِيٌّ قَطُّ الْمَوْتَ قَبْلَ يُوسُفَ فَأَمَّا فِي شَرِيعَتِنَا فَقَدْ نُهِيَ عَنِ
nindex.php?page=treesubj&link=32875الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ إِلَّا عِنْدَ الْفِتَنِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ
مُعَاذٍ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنَا إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ
ابْنَ آدَمَ الْمَوْتُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْفِتْنَةِ . وَقَالَتْ
مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ : يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [ مَرْيَمَ : 23 ] . وَتَمَنَّى الْمَوْتَ
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا تَفَاقَمَتِ الْأُمُورُ
[ ص: 503 ] وَعَظُمَتِ الْفِتَنُ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَكَثُرَ الْقِيلُ وَالْقَالُ ، وَتَمَنَّى ذَلِكَ
nindex.php?page=showalam&ids=12070الْبُخَارِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ " الصَّحِيحِ " لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَالُ ، وَلَقِيَ مِنْ مُخَالِفِيهِ الْأَهْوَالَ .
فَأَمَّا فِي حَالِ الرَّفَاهِيَةِ فَقَدْ رَوَى
nindex.php?page=showalam&ids=12070الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ إِمَّا مُحْسِنًا فَيَزْدَادُ ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ ، وَلَكِنْ لِيَقُلِ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي . وَالْمُرَادُ بِالضُّرِّ هَاهُنَا مَا يَخُصُّ الْعَبْدَ فِي بَدَنِهِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ ، لَا فِي دِينِهِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ ذَلِكَ إِمَّا عِنْدَ احْتِضَارِهِ أَوْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ .
وَقَدْ ذَكَرَ
ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ
يَعْقُوبَ أَقَامَ بِدِيَارِ
مِصْرَ عِنْدَ
يُوسُفَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَ قَدْ أَوْصَى إِلَى
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ أَبَوَيْهِ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14468السُّدِّيُّ : فَصَبَرَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى بِلَادِ
الشَّامِ فَدَفَنَهُ بِالْمَغَارَةِ عِنْدَ أَبِيهِ
إِسْحَاقَ وَجَدِّهِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ .
وَعِنْدَ
أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=31891عُمُرَ يَعْقُوبَ يَوْمَ دَخَلَ
مِصْرَ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً . وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ أَقَامَ بِأَرْضِ
مِصْرَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَمَعَ هَذَا قَالُوا : فَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِهِ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً . هَذَا نَصُّ كِتَابِهِمْ ، وَهُوَ غَلَطٌ
[ ص: 504 ] إِمَّا فِي النُّسْخَةِ أَوْ مِنْهُمْ أَوْ قَدْ أَسْقَطُوا الْكَسْرَ ، وَلَيْسَ بِعَادَتِهِمْ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هَاهُنَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=133أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ الْبَقَرَةِ : 133 ] . فَوَصَّى بَنِيهِ بِالْإِخْلَاصِ ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ .
وَقَدْ ذَكَرَ
أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ أَوْصَى بَنِيهِ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَبَشَّرَ يَهُوذَا بِخُرُوجِ نَبِيٍّ عَظِيمٍ مِنْ نَسْلِهِ تُطِيعُهُ الشُّعُوبُ ، وَهُوَ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ
يَعْقُوبُ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُ
مِصْرَ سَبْعِينَ يَوْمًا ، وَأَمَرَ
يُوسُفُ الْأَطِبَّاءَ فَطَيَّبُوهُ بِطِيبٍ ، وَمَكَثَ فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ
يُوسُفُ مَلِكَ
مِصْرَ فِي الْخُرُوجِ مَعَ أَبِيهِ لِيَدْفِنَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ ، فَأَذِنَ لَهُ وَخَرَجَ مَعَهُ أَكَابِرُ
مِصْرَ وَشُيُوخُهَا ، فَلَمَّا وَصَلُوا
حَبْرُونَ دَفَنُوهُ فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي كَانَ اشْتَرَاهَا
إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ مِنْ
عَفْرُونَ بْنِ صَخْرٍ الْحِيثِيِّ ، وَعَمِلُوا لَهُ عَزَاءً سَبْعَةَ أَيَّامٍ . قَالُوا : ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ ، وَعَزَّى إِخْوَةُ
يُوسُفَ لِيُوسُفَ فِي أَبِيهِمْ ، وَتَرَقَّقُوا لَهُ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَحْسَنَ مُنْقَلَبَهُمْ ، فَأَقَامُوا بِبِلَادِ
مِصْرَ ، ثُمَّ حَضَرَتْ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَفَاةُ فَأَوْصَى أَنْ يُحْمَلَ مَعَهُمْ إِذَا خَرَجُوا مِنْ
مِصْرَ فَيُدْفَنَ عِنْدَ آبَائِهِ ، فَحَنَّطُوهُ وَوَضَعُوهُ فِي تَابُوتٍ فَكَانَ
بِمِصْرَ حَتَّى أَخْرَجَهُ مَعَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَفَنَهُ عِنْدَ آبَائِهِ ، كَمَا سَيَأْتِي . قَالُوا : فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ . هَذَا نَصُّهُمْ فِيمَا رَأَيْتُهُ وَفِيمَا حَكَاهُ
ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا . وَقَالَ
مُبَارَكُ [ ص: 505 ] بْنُ فَضَالَةَ عَنِ
الْحَسَنِ أُلْقِيَ
يُوسُفُ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَغَابَ عَنْ أَبِيهِ ثَمَانِينَ سَنَةً ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً . وَقَالَ غَيْرُهُ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ
يَهُوذَا . صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَجْمَعِينَ .