فصل
وإذا ثبت هذا انبنى عليه قواعد :
منها : أنه لا يستمر إطلاق القول بأن
nindex.php?page=treesubj&link=20476الأصل في المنافع الإذن ، وفي المضار المنع ، كما قرره
nindex.php?page=showalam&ids=16785الفخر الرازي; إذ لا يكاد يوجد انتفاع حقيقي ولا ضرر حقيقي ، وإنما عامتها أن تكون إضافية .
والمصالح والمفاسد إذا كانت راجعة إلى خطاب الشارع - وقد علمنا من خطابه أنه يتوجه بحسب الأحوال والأشخاص والأوقات حتى يكون الانتفاع المعين مأذونا فيه في وقت أو حال أو بحسب شخص ، وغير مأذون فيه إذا كان
[ ص: 67 ] على غير ذلك ; فكيف يسوغ إطلاق هذه العبارة أن الأصل في المنافع الإذن ، وفي المضار المنع ؟
وأيضا; فإذا كانت المنافع لا تخلو من مضار وبالعكس ، فكيف يجتمع الإذن والنهي على الشيء الواحد ، وكيف يقال أن الأصل في الخمر مثلا الإذن من حيث منفعة الانتشاء ، والتشجيع ، وطرد الهموم ، والأصل فيها أيضا المنع من حيث مضرة سلب العقل والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهما لا ينفكان ، أو يقال : الأصل في شرب الدواء المنع لمضرة شربه لكراهته وفظاعته ومرارته ، والأصل فيه الإذن لأجل الانتفاع به وهما غير منفكين فيكون الأصل في ذلك كله الإذن وعدم الإذن معا ، وذلك محال فإن قيل المعتبر عند التعارض الراجح فهو الذي ينسب إليه الحكم ، وما سواه في حكم المغفل المطرح .
فالجواب أن هذا مما يشد ما تقدم ; إذ هو دليل على أن المنافع ليس
[ ص: 68 ] أصلها الإباحة بإطلاق ، وأن المضار ليس أصلها المنع بإطلاق ، بل الأمر في ذلك راجع إلى ما تقدم ، وهو ما تقوم به الدنيا للآخرة ، وإن كان في الطريق ضرر ما متوقع ، أو نفع ما مندفع .
ومنها أن
القرافي أورد إشكالا في المصالح والمفاسد ولم يجب عنه ، وهو عنده لازم لجميع العلماء المعتبرين للمصالح والمفاسد ، فقال :
" المراد بالمصلحة والمفسدة إن كان مسماهما كيف كانا; فما من مباح إلا وفيه في الغالب مصالح ومفاسد ، فإن أكل الطيبات ولبس اللينات فيها مصالح الأجساد ولذات النفوس ، وآلام ومفاسد في تحصيلها ، وكسبها ، وتناولها ، وطبخها ، وإحكامها ، وإجادتها بالمضغ ، وتلويث الأيدي . . . ، إلى غير ذلك ، مما لو خير العاقل بين وجوده وعدمه; لاختار عدمه فمن يؤثر وقيد النيران وملابسة الدخان وغير ذلك ؟ فيلزم أن لا يبقى مباح ألبتة " .
وإن أرادوا ما هو أخص من مطلقهما مع أن مراتب الخصوص متعددة; فليس بعضها أولى من بعض ، ولأن العدول عن أصل المصلحة والمفسدة تأباه قواعد الاعتزال; فإنه سفه .
ولا يمكنهم أن يقولوا : إن ضابط ذلك أن كل مصلحة توعد الله على
[ ص: 69 ] تركها ، وكل مفسدة توعد الله على فعلها هي المقصودة ، وما أهمله الله تعالى غير داخل في مقصودنا ، فنحن نريد مطلق المعتبر من غير تخصيص فيندفع الإشكال; لأنا نقول : الوعيد عندكم ، والتكليف تابع للمصلحة والمفسدة ، ويجب عندكم بالعقل أن يتوعد الله على ترك المصالح ، وفعل المفاسد ، فلو استفدتم المصالح والمفاسد المعتبرة من الوعيد ، لزم الدور ، ولو صحت الاستفادة في المصالح والمفاسد من الوعيد للزمكم أن تجوزوا أن يرد التكليف بترك المصالح وفعل المفاسد ، وتنعكس الحقائق حينئذ; فإن المعتبر هو التكليف; فأي شيء كلف الله به كان مصلحة ، وهذا يبطل أصلكم " .
قال : وأما حظ أصحابنا من هذا الإشكال ، فهو أن يتعذر عليهم أن يقولوا : إن الله تعالى راعى مطلق المصلحة ومطلق المفسدة على سبيل التفضيل; لأن المباحات فيها ذلك ولم يراع ، بل يقولون : إن الله ألغى بعضها
[ ص: 70 ] في المباحات ، واعتبر بعضها ، وإذا سئلوا عن ضابط المعتبر مما ينبغي أن لا يعتبر عسر الجواب ، بل سبيلهم استقراء المواقع فقط ، وهذا وإن كان يخل بنمط من الاطلاع على بعض أسرار الفقه ، غير أنهم يقولون :
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=27ويفعل الله ما يشاء [ إبراهيم : 27 ] ، و
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=1يحكم ما يريد [ المائدة : 1 ] ويعتبر الله ما يشاء ، ويترك ما يشاء لا غرو في ذلك ، وأما
المعتزلة الذين يوجبون ذلك عقلا; فيكون هذا الأمر عليهم في غاية الصعوبة; لأنهم إذا فتحوا هذا الباب تزلزلت قواعد الاعتزال " . هذا ما قاله
القرافي .
وأنت إذا راجعت أول المسألة وما تقدم قبلها ، لم يبق لهذا الإشكال موقع ، أما على مذهب
الأشاعرة ، فإن
nindex.php?page=treesubj&link=20476استقراء الشريعة دل على ما هو المعتبر مما ليس بمعتبر ، لكن على وجه يحصل ضوابط ذلك ، والدليل القاطع في ذلك استقراء أحوال الجارين على جادة الشرع من غير إخلال بالخروج في
[ ص: 71 ] جريانها على الصراط المستقيم ، وإعطاء كل ذي حق حقه من غير إخلال بنظام ، ولا هدم لقاعدة من قواعد الإسلام ، وفي وقوع الخلل فيها بمقدار ما يقع من المخالفة في حدود الشرع ، وذلك بحسب كل باب من أبواب الشرع ، وكل أصل من أصول التكليف ، فإذا حصل ذلك للعلماء الراسخين; حصل لهم به ضوابط في كل باب على ما يليق به وهو مذكور في كتبهم ، ومبسوط في علم أصول الفقه .
وأما على مذهب
المعتزلة; فكذلك أيضا لأنهم إنما يعتبرون المصالح والمفاسد بحسب ما أداهم إليه العقل في زعمهم ، وهو الوجه الذي يتم به صلاح العالم على الجملة ، والتفصيل في المصالح ، أو ينخرم به في المفاسد ، وقد جعلوا الشرع كاشفا لمقتضى ما ادعاه العقل عندهم بلا زيادة ولا نقصان ، فلا فرق بينهم وبين
الأشاعرة في محصول المسألة ، وإنما اختلفوا في المدرك ،
[ ص: 72 ] واختلافهم فيه لا يضر في كون المصالح معتبرة شرعا ، ومنضبطة في أنفسها .
وقد نزع إلى هذا المعنى أيضا في كلامه على العزيمة والرخصة ، حين فسرها
الإمام الرازي بأنها " جواز الإقدام مع قيام المانع " ; قال :
" هو مشكل; لأنه يلزم أن تكون الصلوات والحدود والتعازير والجهاد والحج رخصة; إذ يجوز الإقدام على ذلك كله ، وفيه مانعان : ظواهر النصوص المانعة من إلزامه; كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=78وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] ، وفي الحديث :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337473لا ضرر ولا ضرار وذلك مانع من وجوب
[ ص: 73 ] [ ص: 74 ] [ ص: 75 ] هذه الأمور ، والآخر أن صورة الإنسان مكرمة ، لقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=70ولقد كرمنا بني آدم [ الإسراء : 70 ] ،
nindex.php?page=tafseer&surano=95&ayano=4لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [ التين : 4 ] ، وذلك يناسب أن لا يهلك بالجهاد ، ولا يلزمه المشاق والمضار .
وأيضا الإجارة رخصة من بيع المعدوم ، والسلم كذلك ، والقراض والمساقاة رخصتان لجهالة الأجرة ، والصيد رخصة لأكل الحيوان بدمه ، ولم تعد منها ، واستقراء الشريعة يقتضي أن
nindex.php?page=treesubj&link=20476لا مصلحة إلا وفيها مفسدة ، وبالعكس ، وإن قلت على العبد كالكفر والإيمان; فما ظنك بغيرهما ؟
وعلى هذا
nindex.php?page=treesubj&link=20476ما في الشريعة حكم إلا وهو مع المانع الشرعي ; لأنه لا يمكن أن يراد بالمانع ما سلم عن المعارض الراجح; فإن أكل الميتة وغيره
[ ص: 76 ] وجد فيه معارض راجح على مفسدة الميتة; فحينئذ ما المراد إلا المانع المغمور بالراجح ، وحينئذ تندرج جميع الشريعة; لأن
nindex.php?page=treesubj&link=20476كل حكم فيه مانع مغمور بمعارضه " .
ثم ذكر أن الذي استقر عليه حاله في شرحي " التنقيح " و " المحصول " العجز عن ضبط الرخصة .
وما تقدم إن شاء الله تعالى يغني في الموضع ، مع ما ذكر في الرخصة في كتاب الأحكام .
ومنها : أن هذه المسألة إذا فهمت حصل بها فهم كثير من آيات القرآن وأحكامه; كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=29هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [ البقرة : 29 ] .
وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=45&ayano=13وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [ الجاثية : 13 ] .
وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=32قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الآية [ الأعراف : 32 ] .
[ ص: 77 ] وما كان نحو ذلك من أنها ليست على مقتضى ظاهرها بإطلاق ، بل بقيود تقيدت بها ، حسب ما دلت عليه الشريعة في وضع المصالح ودفع المفاسد ، والله أعلم .
ومنها : أن بعض الناس قال : إن
nindex.php?page=treesubj&link=28446مصالح الدار الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالشرع ، وأما الدنيوية; فتعرف بالضرورات ، والتجارب والعادات ، والظنون المعتبرات .
قال : ومن أراد أن يعرف المناسبات في المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها ، فليعرض ذلك على عقله ، بتقدير أن الشارع لم يرد به ، ثم يبني عليه الأحكام ، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا التعبدات التي لم يوقف على مصالحها أو مفاسدها . هذا قوله .
وفيه بحسب ما تقدم نظر ، أما أن ما يتعلق بالآخرة لا يعرف إلا بالشرع; فكما قال . وأما ما قال في الدنيوية فليس كما قال من كل وجه بل ذلك من بعض الوجوه دون بعض ، ولذلك لما جاء الشرع بعد زمان فترة ; تبين به ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة ، وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام .
ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق; لم يحتج في الشرع إلا إلى بث مصالح الدار الآخرة خاصة ، وذلك لم يكن ، وإنما جاء بما يقيم أمر الدنيا وأمر الآخرة معا ، وإن كان قصده بإقامة الدنيا للآخرة; فليس بخارج عن كونه
[ ص: 78 ] قاصدا لإقامة مصالح الدنيا; حتى يتأتى فيها سلوك طريق الآخرة ، وقد بث في ذلك من التصرفات ، وحسم من أوجه الفساد التي كانت جارية ما لا مزيد عليه;
nindex.php?page=treesubj&link=28446فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل ، اللهم إلا أن يريد هذا القائل أن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها ، بعد وضع الشرع أصولها ، فذلك لا نزاع فيه .
فَصْلٌ
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا انْبَنَى عَلَيْهِ قَوَاعِدُ :
مِنْهَا : أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=20476الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ ، وَفِي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ ، كَمَا قَرَّرَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=16785الْفَخْرُ الرَّازِيُّ; إِذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ انْتِفَاعٌ حَقِيقِيٌّ وَلَا ضَرَرٌ حَقِيقِيٌّ ، وَإِنَّمَا عَامَّتُهَا أَنْ تَكُونَ إِضَافِيَّةً .
وَالْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ إِذَا كَانَتْ رَاجِعَةً إِلَى خِطَابِ الشَّارِعِ - وَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ خِطَابِهِ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَوْقَاتِ حَتَّى يَكُونَ الِانْتِفَاعُ الْمُعَيَّنُ مَأْذُونًا فِيهِ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالٍ أَوْ بِحَسَبِ شَخْصٍ ، وَغَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ إِذَا كَانَ
[ ص: 67 ] عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ; فَكَيْفَ يُسَوِّغُ إِطْلَاقُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ ، وَفِي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ ؟
وَأَيْضًا; فَإِذَا كَانَتِ الْمَنَافِعُ لَا تَخْلُو مِنْ مَضَارَّ وَبِالْعَكْسِ ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الْإِذْنُ وَالنَّهْيُ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَكَيْفَ يُقَالُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَمْرِ مَثَلًا الْإِذْنُ مِنْ حَيْثُ مَنْفَعَةِ الِانْتِشَاءِ ، وَالتَّشْجِيعِ ، وَطَرْدِ الْهُمُومِ ، وَالْأَصْلُ فِيهَا أَيْضًا الْمَنْعُ مِنْ حَيْثُ مَضَرَّةِ سَلْبِ الْعَقْلِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ، وَهُمَا لَا يَنْفَكَّانِ ، أَوْ يُقَالُ : الْأَصْلُ فِي شُرْبِ الدَّوَاءِ الْمَنْعُ لِمَضَرَّةِ شُرْبِهِ لِكَرَاهَتِهِ وَفَظَاعَتِهِ وَمَرَارَتِهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ لِأَجْلِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَهُمَا غَيْرُ مُنْفَكَّيْنِ فَيَكُونُ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْإِذْنَ وَعَدَمَ الْإِذْنِ مَعًا ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فَإِنْ قِيلَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ التَّعَارُضِ الرَّاجِحُ فَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْحُكْمُ ، وَمَا سِوَاهُ فِي حُكْمِ الْمُغْفَلِ الْمُطَّرَحِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَشُدُّ مَا تَقَدَّمَ ; إِذْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَ
[ ص: 68 ] أَصْلُهَا الْإِبَاحَةَ بِإِطْلَاقٍ ، وَأَنَّ الْمَضَارَّ لَيْسَ أَصْلُهَا الْمَنْعَ بِإِطْلَاقٍ ، بَلِ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ مَا تَقُومُ بِهِ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ ضَرَرٌ مَا مُتَوَقَّعٌ ، أَوْ نَفْعٌ مَا مُنْدَفِعٌ .
وَمِنْهَا أَنَّ
الْقَرَافِيَّ أَوْرَدَ إِشْكَالًا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ ، وَهُوَ عِنْدَهُ لَازِمٌ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبِرِينَ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ ، فَقَالَ :
" الْمُرَادُ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ إِنْ كَانَ مُسَمَّاهُمَا كَيْفَ كَانَا; فَمَا مِنْ مُبَاحٍ إِلَّا وَفِيهِ فِي الْغَالِبِ مَصَالِحُ وَمَفَاسِدُ ، فَإِنَّ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ وَلُبْسَ اللَّيِّنَاتِ فِيهَا مَصَالِحُ الْأَجْسَادِ وَلَذَّاتُ النُّفُوسِ ، وَآلَامٌ وَمَفَاسِدُ فِي تَحْصِيلِهَا ، وَكَسْبِهَا ، وَتَنَاوُلِهَا ، وَطَبْخِهَا ، وَإِحْكَامِهَا ، وَإِجَادَتِهَا بِالْمَضْغِ ، وَتَلْوِيثِ الْأَيْدِي . . . ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَوْ خُيِّرَ الْعَاقِلُ بَيْنَ وُجُودِهِ وَعَدِمِهِ; لَاخْتَارَ عَدَمَهُ فَمَنْ يُؤْثِرُ وَقِيدَ النِّيرَانِ وَمُلَابَسَةَ الدُّخَانِ وَغَيْرَ ذَلِكَ ؟ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَبْقَى مُبَاحٌ أَلْبَتَّةَ " .
وَإِنْ أَرَادُوا مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِهِمَا مَعَ أَنَّ مَرَاتِبَ الْخُصُوصِ مُتَعَدِّدَةٌ; فَلَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، وَلِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الِاعْتِزَالِ; فَإِنَّهُ سَفَهٌ .
وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّ ضَابِطَ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَصْلَحَةٍ تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَى
[ ص: 69 ] تَرْكِهَا ، وَكُلَّ مَفْسَدَةٍ تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَى فِعْلِهَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ ، وَمَا أَهْمَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَقْصُودِنَا ، فَنَحْنُ نُرِيدُ مُطْلَقَ الْمُعْتَبَرِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ; لِأَنَّا نَقُولُ : الْوَعِيدُ عِنْدَكُمْ ، وَالتَّكْلِيفُ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ ، وَيَجِبُ عِنْدَكُمْ بِالْعَقْلِ أَنْ يَتَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَى تَرْكِ الْمَصَالِحِ ، وَفِعْلِ الْمَفَاسِدِ ، فَلَوِ اسْتَفَدْتُمُ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ الْمُعْتَبَرَةَ مِنَ الْوَعِيدِ ، لَزِمَ الدَّوْرُ ، وَلَوْ صَحَّتِ الِاسْتِفَادَةُ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مِنَ الْوَعِيدِ لَلَزِمَكُمْ أَنْ تُجَوِّزُوا أَنْ يَرِدَ التَّكْلِيفُ بِتَرْكِ الْمَصَالِحِ وَفِعْلِ الْمَفَاسِدِ ، وَتَنْعَكِسُ الْحَقَائِقُ حِينَئِذٍ; فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ التَّكْلِيفُ; فَأَيُّ شَيْءٍ كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ كَانَ مَصْلَحَةً ، وَهَذَا يُبْطِلُ أَصْلَكُمْ " .
قَالَ : وَأَمَّا حَظُّ أَصْحَابِنَا مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ ، فَهُوَ أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَاعَى مُطْلَقَ الْمَصْلَحَةِ وَمُطْلَقَ الْمَفْسَدَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْضِيلِ; لِأَنَّ الْمُبَاحَاتِ فِيهَا ذَلِكَ وَلَمْ يُرَاعَ ، بَلْ يَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ أَلْغَى بَعْضَهَا
[ ص: 70 ] فِي الْمُبَاحَاتِ ، وَاعْتَبَرَ بَعْضَهَا ، وَإِذَا سُئِلُوا عَنْ ضَابِطِ الْمُعْتَبَرِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ عَسُرَ الْجَوَابُ ، بَلْ سَبِيلُهُمُ اسْتِقْرَاءُ الْمَوَاقِعِ فَقَطْ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُخِلُّ بِنَمَطٍ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ أَسْرَارِ الْفِقْهِ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=27وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [ إِبْرَاهِيمَ : 27 ] ، وَ
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=1يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [ الْمَائِدَةِ : 1 ] وَيَعْتَبِرُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ، وَيَتْرُكُ مَا يَشَاءُ لَا غَرْوَ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا
الْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يُوجِبُونَ ذَلِكَ عَقْلًا; فَيَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ; لِأَنَّهُمْ إِذَا فَتَحُوا هَذَا الْبَابَ تَزَلْزَلَتْ قَوَاعِدُ الِاعْتِزَالِ " . هَذَا مَا قَالَهُ
الْقَرَافِيُّ .
وَأَنْتَ إِذَا رَاجَعَتْ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ وَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَهَا ، لَمْ يَبْقَ لِهَذَا الْإِشْكَالِ مَوْقِعٌ ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ
الْأَشَاعِرَةِ ، فَإِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=20476اسْتِقْرَاءَ الشَّرِيعَةِ دَلَّ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ مِمَّا لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يُحَصِّلُ ضَوَابِطَ ذَلِكَ ، وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ فِي ذَلِكَ اسْتِقْرَاءُ أَحْوَالِ الْجَارِينَ عَلَى جَادَّةِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِالْخُرُوجِ فِي
[ ص: 71 ] جَرَيَانِهَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَإِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِنِظَامٍ ، وَلَا هَدْمٍ لِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ ، وَفِي وُقُوعِ الْخَلَلِ فِيهَا بِمِقْدَارِ مَا يَقَعُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فِي حُدُودِ الشَّرْعِ ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرْعِ ، وَكُلِّ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ التَّكْلِيفِ ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ; حَصَلَ لَهُمْ بِهِ ضَوَابِطُ فِي كُلِّ بَابٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ ، وَمَبْسُوطٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ
الْمُعْتَزِلَةِ; فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْتَبِرُونَ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ بِحَسَبِ مَا أَدَّاهُمْ إِلَيْهِ الْعَقْلُ فِي زَعْمِهِمْ ، وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَالتَّفْصِيلِ فِي الْمَصَالِحِ ، أَوْ يَنْخَرِمُ بِهِ فِي الْمَفَاسِدِ ، وَقَدْ جَعَلُوا الشَّرْعَ كَاشِفًا لِمُقْتَضَى مَا ادَّعَاهُ الْعَقْلُ عِنْدَهُمْ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
الْأَشَاعِرَةِ فِي مَحْصُولِ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُدْرَكِ ،
[ ص: 72 ] وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهِ لَا يَضُرُّ فِي كَوْنِ الْمَصَالِحِ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا ، وَمُنْضَبِطَةً فِي أَنْفُسِهَا .
وَقَدْ نَزَعَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا فِي كَلَامِهِ عَلَى الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ ، حِينَ فَسَّرَهَا
الْإِمَامُ الرَّازِيُّ بِأَنَّهَا " جَوَازُ الْإِقْدَامِ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ " ; قَالَ :
" هُوَ مُشْكَلٌ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَوَاتُ وَالْحُدُودُ وَالتَّعَازِيرُ وَالْجِهَادُ وَالْحَجُّ رُخْصَةً; إِذْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَفِيهِ مَانِعَانِ : ظَوَاهِرُ النُّصُوصِ الْمَانِعَةِ مِنْ إِلْزَامِهِ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=78وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الْحَجِّ : 78 ] ، وَفِي الْحَدِيثِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337473لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ
[ ص: 73 ] [ ص: 74 ] [ ص: 75 ] هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَالْآخَرُ أَنَّ صُورَةَ الْإِنْسَانِ مُكَرَّمَةٌ ، لِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=70وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [ الْإِسْرَاءِ : 70 ] ،
nindex.php?page=tafseer&surano=95&ayano=4لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التِّينِ : 4 ] ، وَذَلِكَ يُنَاسِبُ أَنْ لَا يُهْلِكَ بِالْجِهَادِ ، وَلَا يُلْزِمُهُ الْمَشَاقَّ وَالْمَضَارَّ .
وَأَيْضًا الْإِجَارَةُ رُخْصَةٌ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ ، وَالسَّلَمُ كَذَلِكَ ، وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ رُخْصَتَانِ لِجَهَالَةِ الْأُجْرَةِ ، وَالصَّيْدُ رُخْصَةٌ لِأَكْلِ الْحَيَوَانِ بِدَمِهِ ، وَلَمْ تُعَدَّ مِنْهَا ، وَاسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي أَنْ
nindex.php?page=treesubj&link=20476لَا مَصْلَحَةَ إِلَّا وَفِيهَا مَفْسَدَةٌ ، وَبِالْعَكْسِ ، وَإِنْ قَلَّتْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ; فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِمَا ؟
وَعَلَى هَذَا
nindex.php?page=treesubj&link=20476مَا فِي الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَانِعِ مَا سَلِمَ عَنِ الْمَعَارِضِ الرَّاجِحِ; فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرَهُ
[ ص: 76 ] وُجِدَ فِيهِ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَى مَفْسَدَةِ الْمَيْتَةِ; فَحِينَئِذٍ مَا الْمُرَادُ إِلَّا الْمَانِعُ الْمَغْمُورُ بِالرَّاجِحِ ، وَحِينَئِذٍ تَنْدَرِجُ جَمِيعُ الشَّرِيعَةِ; لِأَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=20476كُلَّ حُكْمٍ فِيهِ مَانِعٌ مَغْمُورٌ بِمُعَارِضِهِ " .
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حَالُهُ فِي شَرْحَيِ " التَّنْقِيحِ " وَ " الْمَحْصُولِ " الْعَجْزُ عَنْ ضَبْطِ الرُّخْصَةِ .
وَمَا تَقَدَّمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يُغْنِي فِي الْمَوْضِعِ ، مَعَ مَا ذُكِرَ فِي الرُّخْصَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ .
وَمِنْهَا : أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِذَا فُهِمَتْ حَصَلَ بِهَا فَهْمُ كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَأَحْكَامِهِ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=29هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [ الْبَقَرَةِ : 29 ] .
وَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=45&ayano=13وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [ الْجَاثِيَةِ : 13 ] .
وَقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=32قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ الْآيَةَ [ الْأَعْرَافِ : 32 ] .
[ ص: 77 ] وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِهَا بِإِطْلَاقٍ ، بَلْ بِقُيُودٍ تَقَيَّدَتْ بِهَا ، حَسَبَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ فِي وَضْعِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِنْهَا : أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ : إِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28446مَصَالِحَ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَمَفَاسِدَهَا لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِالشَّرْعِ ، وَأَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ; فَتُعْرَفُ بِالضَّرُورَاتِ ، وَالتَّجَارِبِ وَالْعَادَاتِ ، وَالظُّنُونِ الْمُعْتَبَرَاتِ .
قَالَ : وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الْمُنَاسَبَاتِ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ رَاجِحَهَا مِنْ مَرْجُوحِهَا ، فَلْيَعْرِضْ ذَلِكَ عَلَى عَقْلِهِ ، بِتَقْدِيرِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ ، فَلَا يَكَادُ حُكْمٌ مِنْهَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا التَّعَبُّدَاتُ الَّتِي لَمْ يُوقَفْ عَلَى مَصَالِحِهَا أَوْ مَفَاسِدِهَا . هَذَا قَوْلُهُ .
وَفِيهِ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ نَظَرٌ ، أَمَّا أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالشَّرْعِ; فَكَمَا قَالَ . وَأَمَّا مَا قَالَ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ دُونَ بَعْضٍ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا جَاءَ الشَّرْعُ بَعْدَ زَمَانِ فَتْرَةٍ ; تَبَيَّنَ بِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَتْرَةِ مِنِ انْحِرَافِ الْأَحْوَالِ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ مُقْتَضَى الْعَدْلِ فِي الْأَحْكَامِ .
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ بِإِطْلَاقٍ; لَمْ يَحْتَجْ فِي الشَّرْعِ إِلَّا إِلَى بَثِّ مَصَالِحِ الدَّارِ الْآخِرَةِ خَاصَّةً ، وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِمَا يُقِيمُ أَمْرَ الدُّنْيَا وَأَمْرَ الْآخِرَةِ مَعًا ، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ بِإِقَامَةِ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ; فَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ كَوْنِهِ
[ ص: 78 ] قَاصِدًا لِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا; حَتَّى يَتَأَتَّى فِيهَا سُلُوكُ طَرِيقِ الْآخِرَةِ ، وَقَدْ بَثَّ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ ، وَحَسَمَ مِنْ أَوْجُهِ الْفَسَادِ الَّتِي كَانَتْ جَارِيَةً مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ;
nindex.php?page=treesubj&link=28446فَالْعَادَةُ تُحِيلُ اسْتِقْلَالَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا بِإِدْرَاكِ مَصَالِحِهَا وَمَفَاسِدِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِهَا تَحْصُلُ بِالتَّجَارِبِ وَغَيْرِهَا ، بَعْدَ وَضْعِ الشَّرْعِ أُصُولَهَا ، فَذَلِكَ لَا نِزَاعَ فِيهِ .