الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              فصل

              وأما إذا كانت المصلحة أو المفسدة خارجة عن حكم الاعتياد ، بحيث لو انفردت لكانت مقصودة الاعتبار للشارع ، ففي ذلك نظر ، ولا بد من تمثيل ذلك ، ثم تخليص الحكم فيه بحول الله .

              [ ص: 51 ] مثاله أكل الميتة للمضطر ، وأكل النجاسات والخبائث اضطرارا ، وقتل القاتل ، وقطع القاطع ، وبالجملة العقوبات والحدود للزجر ، وقطع اليد المتأكلة ، وقلع الضرس الوجعة ، والإيلام بقطع العروق والفصد ، وغير ذلك للتداوي ، وما أشبه ذلك من الأمور التي لو انفردت عما غلب عليها لكان النهي عنها متوجها ، وبالجملة كل ما تعارضت فيه الأدلة فلا يخلو أن تتساوى الجهتان ، أو تترجح إحداهما على الأخرى .

              فإن تساوتا; فلا حكم من جهة المكلف بأحد الطرفين دون الآخر ، إذا ظهر التساوي بمقتضى الأدلة ، ولعل هذا غير واقع في الشريعة ، وإن فرض وقوعه ، فلا ترجيح إلا بالتشهي من غير دليل ، وذلك في الشرعيات باطل باتفاق ، وأما أن قصد الشارع متعلق بالطرفين معا : طرف الإقدام ، وطرف الإحجام ، فغير صحيح;لأنه تكليف ما لا يطاق ، إذ قد فرضنا تساوي الجهتين على الفعل الواحد ، فلا يمكن أن يؤمر به وينهى عنه معا ، ولا يكون أيضا القصد غير متعلق بواحدة منهما ، إذ قد فرضنا أن توارد الأمر والنهي معا ، وهما علمان على القصد على الجملة حسب ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى;إذ لا أمر ولا نهي من غير اقتضاء ، فلم يبق إلا أن يتعلق بإحدى الجهتين دون الأخرى ، ولم يتعين ذلك للمكلف ، فلا بد من التوقف .

              وأما إن ترجحت إحدى الجهتين على الأخرى;فيمكن أن يقال : إن قصد [ ص: 52 ] الشارع متعلق بالجهة الراجحة - أعني في نظر المجتهد - وغير متعلق بالجهة الأخرى; إذ لو كان متعلقا بالجهة الأخرى لما صح الترجيح ، ولكان الحكم كما إذا تساوت الجهتان; فيجب التوقف ، وذلك غير صحيح مع وجود الترجيح ، ويمكن أن يقال : إن الجهتين معا عند المجتهد معتبرتان ، إذ كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المقصودة للشارع ، ونحن إنما كلفنا بما ينقدح عندنا أنه مقصود للشارع ، لا بما هو مقصوده في نفس الأمر ، فالراجحة - وإن ترجحت - لا تقطع إمكان كون الجهة الأخرى هي المقصودة للشارع ، إلا أن هذا الإمكان مطرح في التكليف إلا عند تساوي الجهتين ، وغير مطرح في النظر ، ومن هنا نشأت قاعدة مراعاة الخلاف عند طائفة من الشيوخ ، [ ص: 53 ] والإمكان الأول جار على طريقة المصوبين ، والثاني جار على طريقة المخطئين .

              وعلى كل تقدير; فالذي تلخص من ذلك أن الجهة المرجوحة غير مقصودة الاعتبار شرعا عند اجتماعها مع الجهة الراجحة ، إذ لو كانت مقصودة للشارع لاجتمع الأمر والنهي معا على الفعل الواحد; فكان تكليفا بما لا يطاق ، وكذلك يكون الحكم في المسائل الاجتهادية كلها ، سواء علينا أقلنا : إن كل مجتهد مصيب أم لا; فلا فرق إذا بين ما كان من الجهات المرجوحة جاريا على الاعتياد ، أو خارجا عنه; فالقياس مستمر ، والبرهان مطلق في القسمين ، وذلك ما أردنا بيانه .

              فإن قيل : أفلا تكون الجهة المغلوبة مقصودة للشارع بالقصد الثاني; فإن مقاصد الشارع تنقسم إلى ذينك الضربين .

              فالجواب أن القصد الثاني إنما يثبت إذا لم يناقض القصد الأول ، فإذا ناقضه; لم يكن مقصودا بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني ، وهذا مذكور في موضعه من هذا الكتاب ، وبالله التوفيق .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية