الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        الشروط التي ترجع إلى لفظ الخبر

                        وأما الشروط التي ترجع إلى لفظ الخبر : فاعلم أن للراوي في نقل ما يسمعه أحوالا :

                        الحال الأول

                        أن يرويه بلفظه فقد أدى الأمانة كما سمعها ، ولكنه إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله جوابا عن سؤال سائل ، فإن كان الجواب مستغنيا عن ذكر السؤال ، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في ماء البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته فالراوي مخير بين أن يذكر السؤال أو يتركه ، وإن كان الجواب غير مستغن عن ذكر [ ص: 194 ] السؤال كما في سؤاله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الرطب بالتمر ، فقال أينقص إذا جف ؟ فقيل : نعم ، فقال فلا إذا ، فلا بد من ذكر السؤال ، وهكذا لو كان الجواب يحتمل أمرين ، فإذا نقل الراوي السؤال لم يحتمل إلا أمرا واحدا فلا بد من ذكر السؤال ، وعلى كل حال فذكر السؤال والسبب مع ذكر الجواب ، وما ورد على سبب أولى من الإهمال .

                        الحال الثاني

                        أن يرويه بغير لفظه بل بمعناه .

                        وفيه ثمانية مذاهب :

                        الأول منها : أن ذلك جائز من عارف بمعاني الألفاظ ، لا إذا لم يكن عارفا ، فإنه لا يجوز له الرواية بالمعنى ، قال القاضي في التقريب : بالإجماع ، ومنهم من شرط أن يأتي بلفظ مرادف كالجلوس مكان القعود أو العكس ، ومنهم من شرط أن يكون ما جاء به مساويا للأصل في الجلاء والخفاء فلا يأتي مكان الجلي بما هو دونه في الجلاء ، ولا مكان العام بالخاص ، ولا مكان المطلق بالمقيد ، ولا مكان الأمر بالخبر ، ولا عكس ذلك .

                        وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر مما تعبدنا بلفظه ، كألفاظ الاستفتاح والتشهد ، وهذا الشرط لا بد منه ، وقد قيل إنه مجمع عليه .

                        وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر من باب المتشابه ، كأحاديث الصفات .

                        وحكى الكيا الطبري الإجماع على هذا ; لأن اللفظ الذي تكلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يدري هل يساويه اللفظ الذي تكلم به الراوي ، ويحتمل ما يحتمله من وجوه التأويل ، أم لا ؟

                        وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر من جوامع الكلم ، فإن كان من جوامع الكلم كقوله : إنما الأعمال بالنيات ، من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، [ ص: 195 ] الحرب خدعة ، الخراج بالضمان ، العجماء جبار ، البينة على المدعي لم تجز روايته بالمعنى .

                        وشرط بعضهم أن يكون الخبر من الأحاديث الطوال ، وأما الأحاديث القصار فلا يجوز روايتها بالمعنى ، ولا وجه لهذا .

                        قال الأبياري في شرح البرهان للمسألة ثلاث صور :

                        أحدها : أن يبدل اللفظ بمرادفه كالجلوس بالقعود ، فهذا جائز بلا خلاف .

                        وثانيها : أن يظن دلالته على مثل ما دل عليه الأول من غير أن يقطع بذلك ، فلا خلاف في امتناع التبديل .

                        ثالثها : أن يقطع بفهم المعنى ويعبر عما فهم بعبارة يقطع بأنها تدل على ذلك المعنى الذي فهمه من غير أن تكون الألفاظ مترادفة ، فهذا موضع الخلاف ، والأكثرون على أنه متى حصل القطع بفهم المعنى مستندا إلى اللفظ إما بمجرده أو إليه مع القرائن التحق بالمترادف .

                        المذهب الثاني : المنع من الرواية بالمعنى مطلقا ، بل يجب نقل اللفظ بصورته من غير فرق بين العارف وغيره . هكذا نقله القاضي عن كثير من السلف وأهل التحري في الحديث ، وقال إنه مذهب مالك ونقله الجويني والقشيري عن معظم المحدثين وبعض الأصوليين ، وحكي عن أبي بكر الرازي من الحنفية وهو مذهب الظاهرية ، نقله عنهم القاضي عبد الوهاب ونقله ابن السمعاني عن عبد الله بن عمر وجماعة من التابعين ، [ ص: 196 ] منهم ابن سيرين ، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني .

                        ولا يخفى ما في هذا المذهب من الحرج البالغ أو المخالفة لما كان عليه السلف والخلف من الرواة ، كما تراه في كثير من الأحاديث التي يرويها جماعة من الصحابة ، فإن غالبها بألفاظ مختلفة مع الاتحاد في المعنى المقصود ، بل قد ترى الواحد من الصحابة فمن بعدهم يأتي في بعض الحالات بلفظ الرواية وفي أخرى بغير ذاك اللفظ مما يؤدي معناه ، وهذا أمر لا شك فيه .

                        المذهب الثالث : الفرق بين الألفاظ التي لا مجال للتأويل فيها وبين الألفاظ التي للتأويل فيها مجال ، فيجوز النقل بالمعنى في الأول دون الثاني ، حكاه أبو الحسين بن القطان عن بعض أصحاب الشافعي ، واختاره الكيا الطبري .

                        المذهب الرابع : التفصيل بين أن يحفظ الراوي اللفظ أم لا ، فإن حفظه لم يجز له أن يرويه بغيره ; لأن في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفصاحة ما لا يوجد في غيره ، وإن لم يحفظ اللفظ جاز له الرواية بالمعنى ، وبهذا جزم الماوردي والروياني .

                        المذهب الخامس : التفصيل بين الأوامر والنواهي وبين الأخبار ، فتجوز الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني ، قال الماوردي والروياني : أما الأوامر والنواهي فيجوز روايتها بالمعنى كقوله لا تبيعوا الذهب بالذهب . وروي أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم اقتلوا الأسودين في الصلاة ، وروي أنه أمر بقتل الأسودين في الصلاة ، قالا : هذا جائز بلا خلاف ; لأن افعل أمر ، ولا تفعل نهي ، فيتخير الراوي بينهما ، وإن كان اللفظ خفي المعنى محتملا كقوله : [ ص: 197 ] لا طلاق في إغلاق وجب نقله بلفظه ، ولا يعبر عنه بغيره .

                        المذهب السادس : التفصيل بين المحكم وغيره ، فتجوز الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني ، كالمجمل والمشترك والمجاز الذي لم يشتهر .

                        المذهب السابع : أن يكون المعنى مودعا في جملة لا يفهمه العامي إلا بأداء تلك الجملة ، فلا يجوز روايته إلا بأداء تلك الجملة بلفظها ، كذا قال أبو بكر الصيرفي .

                        المذهب الثامن : التفصيل بين أن يورده على قصد الاحتجاج والفتيا ، أو يورده لقصد الرواية ، فتجوز الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني . فهذه ثمانية مذاهب .

                        ويتخرج من الشروط التي اشترطها أهل المذاهب الأول مذاهب غير هذه المذاهب .

                        الحال الثالث : حذف بعض الخبر

                        أن يحذف الراوي بعض لفظ الخبر فينبغي أن ينظر فإن كان المحذوف متعلقا بالمحذوف منه تعلقا لفظيا أو معنويا لم يجز بالاتفاق ، حكاه الصفي الهندي والأبياري .

                        فالتعلق اللفظي كالتقييد بالاستثناء والشرط والغاية والصفة ، والتعلق المعنوي كالخاص بالنسبة إلى العام ، والمقيد بالنسبة إلى المطلق ، والمبين بالنسبة إلى المجمل ، والناسخ بالنسبة إلى المنسوخ .

                        ويشكل على هذا المحكي من الاتفاق ما نقله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع والقاضي في التقريب وابن القشيري من الجواز مطلقا سواء تعلق بعضه ببعض أم لا ، وفي هذا ضعف .

                        فإن ترك الراوي لما هو متعلق بما رواه ، لا سيما ما كان متعلقا به تعلقا لفظيا خيانة في الرواية .

                        [ ص: 198 ] وإن لم يكن كذلك فاختلفوا على أقوال :

                        أحدها : إن كان قد نقل ذلك هو أو غيره مرة بتمامه جاز أن ينقل البعض ، وإن لم ينقل ذلك لا هو ولا غيره لم يجز ، كذا قال القاضي في التقريب والشيخ الشيرازي في اللمع .

                        ثانيها : أنه يجوز إذا لم يتطرق إلى الراوي التهمة ، ذكره الغزالي .

                        وثالثها : أن الخبر إذا كان لا يعلم إلا من طريق الراوي ، وتعلق به حكم شرعي لم يجز له أن يقتصر على بعضه دون بعض ، وإن لم يتعلق به حكم ، فإن كان الراوي فقيها جاز له ذلك ، وإن كان غير فقيه لم يجز ، قاله ابن فورك وأبو الحسين بن القطان .

                        ورابعها : إن كان الخبر مشهورا بتمامه جاز الاقتصار من الراوي على البعض ، وإلا فلا ، قاله بعض شراح اللمع لأبي إسحاق .

                        وخامسها : المنع مطلقا .

                        وسادسها : التفصيل بين أن يكون المحذوف حكما متميزا عما قبله ، والسامع فقيه عالم بوجه التمييز ، فيجوز الحذف ، وإلا لم يجز .

                        قال الكيا الطبري : وهذا التفصيل هو المختار .

                        قال الماوردي والروياني : لا يجوز إلا بشرط أن يكون الباقي مستقلا بمفهوم الحكم ، كقوله في ماء البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته فيجوز للراوي أن يقتصر على رواية إحدى هاتين الجملتين ، وإن كان الباقي لا يفهم معناه ، فلا يجوز ، وإن كان مفهوما ، ولكن ذكر المتروك يوجب خلاف ظاهر الحكم المذكور ، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأضحية لمن قال له ليس عندي إلا جذعة من المعز ، فقال تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك فلا يجوز [ ص: 199 ] الحذف ; لأنه لو اقتصر على قوله تجزئك لفهم من ذلك أنها تجزئ عن جميع الناس .

                        هذا حاصل ما قيل في هذه المسألة ، وأنت خبير بأن كثيرا من الصحابة والتابعين والمحدثين يقتصرون على رواية بعض الخبر عند الحاجة إلى رواية بعضه ، لا سيما في الأحاديث الطويلة ، كحديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ونحوه من الأحاديث ، وهم قدوة لمن بعدهم في الرواية ، لكن بشرط أن لا يستلزم ذلك الاقتصار على البعض مفسدة .

                        الحال الرابع : الزيادة في الخبر

                        أن يزيد الراوي في روايته للخبر على ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن كان ما زاده يتضمن بيان سبب الحديث أو تفسير معناه ، فلا بأس بذلك ، لكن بشرط أن يبين ما زاده حتى يفهم السامع أنه من كلام الراوي .

                        قال المارودي والروياني : يجوز من الصحابي زيادة بيان السبب ; لكونه مشاهدا للحال ، ولا يجوز من التابعي .

                        وأما تفسير المعنى فيجوز منهما ، ولا وجه للاقتصار على الصحابي والتابعي في تفسير معنى الحديث ، فذلك جائز لكل من يعرف معناه معرفة صحيحة على مقتضى اللغة العربية ، بشرط الفصل بين الخبر المروي وبين التفسير الواقع منه بما يفهمه السامع .

                        الحال الخامس : الاقتصار على أحد محتملي الخبر

                        إذا كان الخبر محتملا لمعنيين متنافيين فاقتصر الراوي على تفسيره بأحدهما ، فإن كان [ ص: 200 ] المقتصر على أحد المعنيين هو الصحابي كان تفسيره كالبيان لما هو المراد ، وإن كان المقتصر غير صحابي ، ولم يقع الإجماع على أن المعنى الذي اقتصر عليه هو المراد ، فلا يصار إلى تفسيره ، بل يكون لهذا اللفظ المحتمل للمعنيين المتنافيين حكم هو المراد المشترك أو المجمل ، فيتوقف العمل به على ورود دليل يدل على أن المراد أحدهما بعينه ، والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق بما يحتمل المعنيين المتنافيين لقصد التشريع ، ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية ، بحيث لا يفهم الراوي لذلك عنه من الصحابة ما أراده بذلك اللفظ ، بل لا بد من بيانه بما يتضح به المعنى المراد ، فقد كانوا يسألونه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أشكل عليهم شيء من أقواله أو أفعاله ، فكيف لا يسألونه عن مثل هذا وقد نقل القاضي أبو بكر والجويني عن الشافعي أن الصحابي إذا ذكر خبرا وأوله وذكر المراد منه فذلك مقبول ، قال ابن القشيري : إنما أراد - والله أعلم - إذا أول الصحابي ، أو خصص من غير ذكر دليل ، وإلا فالتأويل المعتضد بالدليل مقبول من كل إنسان لأنه اتباع للدليل لا اتباع لذلك التأويل .

                        الحال السادس : حمل الخبر على غير ظاهره

                        أن يكون الخبر ظاهرا في شيء فيحمله الراوي من الصحابة على غير ظاهره إما بصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه أو بأن يصرفه عن الوجوب إلى الندب ، أو عن التحريم إلى الكراهة ، ولم يأت بما يفيد صرفه عن الظاهر ، فذهب الجمهور من أهل الأصول إلى أنه يعمل بالظاهر ، ولا يصار إلى خلافه لمجرد قول الصحابي ، أو فعله ، وهذا هو الحق ; لأنا متعبدون بروايته ، لا برأيه ، كما تقدم .

                        وذهب أكثر الحنفية إلى أنه يعمل بما حمله عليه الصحابي ; لأنه أخبر بمراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

                        ويجاب عن هذا : بأنه قد يحمله على خلاف ظاهره اجتهادا منه ، والحجة إنما هي روايته لا في رأيه ، وقد يحمله على ذلك وهما منه .

                        وقال بعض المالكية : إن كان ذلك مما لا يمكن أن يدرى إلا بشواهد الأحوال [ ص: 201 ] والقرائن المقتضية لذلك ، وليس للاجتهاد فيه مساغ ، كان العمل بما حمله عليه متعينا ، وإن كان صرفه عن ظاهره يمكن أن يكون بضرب من الاجتهاد ، كان الرجوع إلى الظاهر متعينا لاحتمال أن لا يكون اجتهاده مطابقا لما في نفس الأمر ، فلا يترك الظاهر بالمحتمل .

                        ويجاب عنه بأن ذلك الحمل على خلاف الظاهر فيما ليس من مسارح الاجتهاد قد يكون وهما ، فلا يجوز اتباعه على الغلط بخلاف العمل بما يقتضيه الظاهر ، فإنه عمل بما يقتضيه كلام الشارع فكان العمل عليه أرجح .

                        وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إن علم أنه لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه سوى علمه بقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك التأويل وجب المصير إليه ، وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر ، وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك .

                        وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ، ولا وجه لما قيل من أنه يحتمل أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه ; لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال ، وأيضا فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية