الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        صفحة جزء
                                        30 - الحديث الثالث : عن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت { وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة ، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين - أو ثلاثا - ثم غسل فرجه ، ثم ضرب يده بالأرض ، أو الحائط ، مرتين - أو ثلاثا - ثم تمضمض واستنشق ، [ ص: 135 ] وغسل وجهه وذراعيه ، ثم أفاض على رأسه الماء ، ثم غسل جسده ، ثم تنحى ، فغسل رجليه ، فأتيته بخرقة فلم يردها ، فجعل ينفض الماء بيده } .

                                        التالي السابق


                                        الكلام على حديث ميمونة من وجوه :

                                        أحدها : قد تقدم لنا : أن " الوضوء " بفتح الواو ، وهل هو اسم لمطلق الماء ، أو للماء مضافا إلى الوضوء ؟ وقد يؤخذ من هذا اللفظ : أنه اسم لمطلق الماء ، فإنها لم تضفه إلى الوضوء بل إلى الجنابة .

                                        الثاني : قولها " فأكفأ " أي قلب ، يقال : كفأت الإناء : إذا قلبته - ثلاثيا - وأكفأته أيضا رباعيا ، وقال القاضي عياض في المشارق : وأنكر بعضهم أن يكون بمعنى " قلب " وإنما يقال في " قلبت " : " كفأت " ثلاثيا ، وأما " أكفأت " فبمعنى : أملت ، وهو مذهب الكسائي الثالث : البداءة بغسل الفرج ، لإزالة ما علق به من أذى ، وينبغي أن يغسل في الابتداء عن الجنابة ، لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى ، وقد يقع ذلك بعد غسل الأعضاء للوضوء ، فيحتاج إلى إعادة غسلها ، فلو اقتصر على غسلة واحدة لإزالة النجاسة ، وللغسل عن الجنابة ، فهل يكتفي بذلك ، أم لا بد من غسلتين : مرة للنجاسة ، ومرة للطهارة عن الحدث ؟ فيه خلاف لأصحاب الشافعي ، ولم يرد في الحديث إلا مطلق الغسل ، من غير ذكر تكرار ، فقد يؤخذ منه : الاكتفاء بغسلة واحدة ، من حيث إن الأصل عدم غسله ثانيا ، وضربه صلى الله عليه وسلم بالأرض أو الحائط : لإزالة ما لعله علق باليد من الرائحة ، زيادة في التنظيف .

                                        الرابع : إذا بقيت رائحة النجاسة ، بعد الاستقصاء في الإزالة : لم يضر على مذهب بعض الفقهاء وفي مذهب الشافعي : خلاف ، وقد يؤخذ العفو عنه من هذا الحديث ، ووجهه : أن ضربه صلى الله عليه وسلم بالأرض أو الحائط : لا بد وأن يكون لفائدة ، ولا جائز أن يكون لإزالة العين ; ; لأنه لا تحصل الطهارة مع بقاء العين اتفاقا ، وإذا [ ص: 136 ] كانت اليد نجسة ببقاء العين فيها ، فعند انفصالها ينجس المحل بها ، وكذلك لا يكون للطعم ; ; لأن بقاء الطعم دليل على بقاء العين ، ولا يكون لإزالة اللون ; ; لأن الجنابة بالإنزال أو بالمجامعة لا تقتضي لونا يلصق باليد ، وإن اتفق ، فنادر جدا ، فبقي أن يكون لإزالة الرائحة ، ولا يجوز أن يكون لإزالة رائحة تجب إزالتها ; ; لأن اليد قد انفصلت عن المحل على أنه قد طهر ، ولو بقي ما تتعين إزالته من الرائحة لم يكن المحل طاهرا ; ; لأنه عند الانفصال تكون اليد نجسة ، وقد لابست المحل مبتلا ، فيلزم من ذلك : أن يكون بعض الرائحة معفوا عنه ، ويكون الضرب على الأرض لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته ، ويحتمل أن يقال : فصل اليد عن المحل ، بناء على ظن طهارته بزوال رائحته ، والضرب على الأرض لإزالة احتمال في بقاء الرائحة ، مع الاكتفاء بالظن في زوالها ، والذي يقوي الاحتمال الأول : ما ورد في الحديث الصحيح ، من كونه صلى الله عليه وسلم " دلكها دلكا شديدا " والدلك الشديد لا يناسبه هذا الاحتمال الضعيف .



                                        الخامس : قولها " ثم تمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعيه " دليل على مشروعية هذه الأفعال في الغسل ، واختلف الفقهاء في حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل : فأوجبهما أبو حنيفة ، ونفى الوجوب مالك والشافعي ، ولا دلالة في الحديث على الوجوب ، إلا أن يقال : إن مطلق أفعاله صلى الله عليه وسلم للوجوب ، غير أن المختار : أن الفعل لا يدل على الوجوب ، إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به الوجوب ، والأمر بالتطهير من الجنابة ليس من قبيل المجملات .

                                        السادس : قولها " ثم أفاض على رأسه الماء " ظاهره : يقتضي أنه لم يمسح رأسه صلى الله عليه وسلم كما يفعل في الوضوء ، وقد اختلف أصحاب مالك على القول بتأخير غسل الرجلين ، كما في حديث ميمونة هذا : هل يمسح الرأس أم لا ؟ .



                                        السابع : قولها " ثم تنحى فغسل رجليه " يقتضي تأخير غسل الرجلين عن إكمال الوضوء ، وقد اختاره بعض العلماء ، وهو أبو حنيفة ، وبعضهم اختار إكمال الوضوء ، على ظاهر حديث عائشة المتقدم ، وهو الشافعي ، وفرق بعضهم بين أن [ ص: 137 ] يكون الموضع وسخا أو لا ، فإن كان وسخا : أخر غسل الرجلين ، ليكون غسلهما مرة واحدة ، فلا يقع إسراف في الماء ، وإن كان نظيفا : قدم ، وهو في كتب مذهب مالك ، له أو لبعض أصحابه .

                                        الثامن : إذا قلنا : إن غسل الأعضاء في ابتداء الغسل وضوء حقيقة ، فقد يؤخذ من هذا : جواز التفريق اليسير في الطهارة .



                                        التاسع : أخذ من رده صلى الله عليه وسلم الخرقة : أنه لا يستحب تنشيف الأعضاء من ماء الطهارة ، واختلفوا : هل يكره ؟ والذين أجازوا التنشيف استدلوا بكونه صلى الله عليه وسلم جعل ينفض الماء ، فلو كره التنشيف لكره النفض ، فإنه إزالة ، وأما رد المنديل : فواقعة حال يتطرق إليها الاحتمال ، فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشيف ، بل لأمر يتعلق بالخرقة ، أو غير ذلك ، والله أعلم .



                                        العاشر : ذكر بعض الفقهاء في صفة الوضوء : أن لا ينفض أعضاءه ، وهذا الحديث دليل على جواز نفض الماء عن الأعضاء في الغسل ، والوضوء مثله ، وما استدل به على كراهة النفض - وهو ما ورد " لا تنفضوا أيديكم ، فإنها مراوح الشيطان " - حديث ضعيف ، لا يقاوم هذا الصحيح والله أعلم .




                                        الخدمات العلمية