الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن جاوز الخارج الموضع المعتاد فإن كان غائطا فخرج إلى ظاهر الألية لم يجز فيه إلا الماء ; لأن ذلك نادر فهو كسائر النجاسات ، وإن خرج إلى باطن الألية ولم يخرج إلى ظاهرها ففيه قولان ( أحدهما ) أنه لا يجزئ فيه إلا الماء لأنه نادر فهو كما لو خرج إلى ظاهرة الألية ( والثاني ) يجزئ فيه الحجر ; لأن المهاجرين رضي الله عنهم هاجروا إلى المدينة فأكلوا التمر ، ولم يكن من عادتهم ، ولا شك أنه رقت بذلك أجوافهم ولم يؤمروا بالاستنجاء بالماء ، ولأن ما يزيد على المعتاد لا يمكن ضبطه فجعل الباطن كله حدا ، ووجب الماء فيما زاد ، وإن كان بولا ففيه طريقان . قال أبو إسحاق : إذا جاوز مخرجه حتى رجع على الذكر أعلاه أو أسفله لم يجز فيه إلا الماء ; لأن ما يخرج من البول لا ينتشر إلا نادرا بخلاف ما يخرج من الدبر ، فإنه لا بد من أن ينتشر . ومن أصحابنا من قال : فيه قولان ( أحدهما ) لا يجوز فيه إلا الماء ، نص عليه في البويطي ، ووجهه ما قال أبو إسحاق ( والثاني ) يجوز فيه الحجر ما لم يجاوز الحشفة ، نص عليه في الأم ; لأنه لما جاز الحجر في الغائط - ما لم يجاوز باطن الألية لتعذر الضبط - وجب أن يجوز في البول ما لم يجاوز الحشفة لتعذر الضبط ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) قال أصحابنا : إذا خرج الغائط فله أربعة أحوال : ( أحدها ) أن لا يجاوز نفس المخرج فيجزئه الأحجار بلا خلاف .

                                      ( الثاني ) أن يجاوزه ، ولا يجاوز القدر المعتاد من أكثر الناس ، فيجزئه الحجر أيضا ، لأنه يتعذر الاحتراز من هذا القدر ، ونقل المزني أنه إذا جاوز المخرج تعين الماء ، ونقل البويطي نحوه ، فمن الأصحاب من جعله قولا آخر ، وقطع الجمهور بأنه ليس على ظاهره ، بل يكفيه الحجر قولا واحدا ، ثم منهم من غلط المزني في النقل ، وهذا قول العراقيين وجماعة من الخراسانيين ونقل البندنيجي والمحاملي اتفاق الأصحاب على تغليطه ، ومنهم من تأوله على أنه سقط من الكلام شيء ، وصوابه إذا جاوز المخرج وما حوله ، وهذا - وإن [ ص: 143 ] سموه تأويلا فهو - بمعنى التغليظ ، ثم إن جمهور الأصحاب قالوا : الاعتبار بعادة غالب الناس وذكر الدارمي وجهين في أن الاعتبار بعادة الناس أم بعادته .

                                      ( الحال الثالث ) أن ينتشر ويخرج عن المعتاد ، ولا يجاوز باطن الألية ، فهل يتعين الماء أم يجزئه الحجر ؟ فيه قولان ( أصحهما ) يجزئه الحجر ، وهو نصه في الأم وحرملة والإملاء ، كذا قاله البندنيجي وغيره وصححه الأصحاب ( والثاني ) يتعين الماء نص عليه في المختصر والقديم . وقد ذكر المصنف دليلهما . وهذا الذي استدل به من قصة المهاجرين صحيح مشهور ، واستدل به الشافعي في الأم والأصحاب .

                                      ( الرابع ) أن ينتشر إلى ظاهر الأليتين ، فإن كان متصلا تعين الماء في جميعه كسائر النجاسات لندوره ، وتعذر فصل بعضه عن بعض ، وإن انفصل بعضه عن بعض تعين الماء في الذي على ظاهر الألية ، وأما الذي لم يظهر ولم يتصل فهو على الخلاف والتفصيل السابق إن لم يجاوز العادة أجزأ الحجر ، وإن جاوزه فقولان أصحهما : يجزئه أيضا . هكذا ذكر هذا التفصيل الشيخ أبو محمد في الفروق والقاضي حسين والمتولي وآخرون . ونقله الروياني عن الأصحاب . وفي الحاوي وغيره وجه مخالف لهذا وليس بشيء . ولو انتشر الخارج انتشارا معتادا وترشش منه شيء إلى محل متصل قريب من الخارج بحيث يكفي فيه الحجر لو اتصل ; تعين الماء في المترشش . صرح به الصيدلاني ونقله عنه إمام الحرمين ولم يذكر غيره والله أعلم . وأما البول فإن انتشر وخرج عن الحشفة متصلا تعين فيه الماء ، وإن لم يخرج عنها فطريقان ذكرهما المصنف والأصحاب ، اختلف في الراجح منهما ، فقطع الشيخ أبو حامد والماوردي بأنه يتعين الماء لندوره وقال الجمهور : الصحيح أنه على القولين في انتشار الغائط إلى باطن الألية ، وقطع المحاملي في المقنع بإجزاء الحجر ما لم يجاوز الحشفة ، وصححه الرافعي . قال البندنيجي : " وهو ظاهر نصه في حرملة " وهذا هو الأصح لأن البول ينتشر أيضا في العادة ، ويشق ضبط ما تدعو الحاجة إليه ، فجعلت الحشفة فاصلا ، فعلى هذا حكمه حكم الغائط إذا لم يخرج عن باطن الألية على التفصيل والخلاف السابق والله أعلم .

                                      [ ص: 144 ] وقول المصنف . قال أبو إسحاق إذا جاوز مخرجه حتى رجع على الذكر أعلاه وأسفله ، كذا قاله أبو إسحاق وكذا نقله الأصحاب عنه .

                                      ( أما اللغات ) وقوله : " أعلاه وأسفله " مجروران على البدل من الذكر . تقديره حتى رجع على أعلا الذكر وأسفله ؟ ويقال الأليان والأليتان بحذف التاء وإثباتها ، وحذفها أفصح وأشهر ، والله أعلم . والمراد بباطن الألية ما يستتر في حال القيام وبظاهرها ما لا يستتر .




                                      الخدمات العلمية