الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن تيمم للنفل كان له أن يصلي على الجنازة ، نص عليه في البويطي ، لأن صلاة الجنازة كالنفل ، وإن تيمم لصلاة الفرض استباح به النفل لأن النفل تابع للفرض ، فإذا استباح المتبوع استباح التابع ، كما إذا أعتق الأم عتق الحمل ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) هنا مسألتان ( إحداهما ) نوى بتيممه استباحة نافلة معينة أو مطلقة فالصحيح الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي ، وأطبق عليه الأصحاب وسائر العلماء أن تيممه صحيح . وحكى جماعات من الخراسانيين وجها أنه لا يصح تيممه وحكاه صاحب التتمة قولا للشافعي ، فعلى هذا لا يصح التيمم للنفل مفردا ، وإنما يصح تبعا للفرض ، قالوا : لأن التيمم إنما جوز للضرورة ، ولا ضرورة للنفل . قال القاضي حسين وصاحبا التتمة والبحر : نظير هذه المسألة : المعضوب إذا استأجر من يحج عنه فرضا جاز ، وفي النفل قولان قال القاضي : وكذا المستحاضة لو توضأت للنفل ، ففي صحته وجهان ، ووجه المنع أنه لا ضرورة بها إلى النفل ، وهذا الوجه غلط لا شك فيه ومخالف لما تظاهرت عليه الأدلة . وقد جوزت النافلة إلى غير القبلة للحاجة والتخفيف فالتيمم أولى فإنه بدل ، ولا تفريع على هذا الوجه وإنما التفريع على المذهب ، فإذا نوى استباحة نافلة جاز أن يصلي من جنس النوافل ما شاء إلى أن يحدث ، وله سجود التلاوة والشكر ومس المصحف وحمله . وإن كان جنبا أو من انقطع حيضها استباحا القراءة واللبث في المسجد وحل وطؤها لأن النافلة آكد من هذه الأشياء فإنها تفتقر إلى الطهارة بالإجماع وهذه مختلف فيها ، وله أن يصلي على جنائز سواء تعينت عليه أم لا ، هذا [ ص: 258 ] هو المذهب وفيه وجه : أنه يستبيحها لأنها فرض ، ووجه ثالث : إن تعينت عليه لم يستبحها بتيمم النافلة . وإلا استباحها ، وسيأتي بيان هذه الأوجه بأدلتها حيث ذكرها المصنف في أواخر هذا الباب .

                                      أما إذا نوى استباحة مس المصحف أو نوى الجنب أو المنقطع حيضها قراءة القرآن واللبث في المسجد ، أو نوت استباحة الوطء فإنهم يستبيحون ما نووا على المذهب الصحيح المشهور وبه قطع الأصحاب . وحكى الرافعي فيه الوجه السابق في التيمم النافلة المجردة ، والصواب ما سبق ، وهل يستبيحون صلاة النفل ؟ فيه وجهان مشهوران ، حكاهما الماوردي وابن الصباغ والمتولي والشاشي وآخرون . أحدهما : يجوز كعكسه . وأصحهما : لا ، لأن النافلة آكد ، ولنا وجه شاذ مذكور في التتمة والبحر وغيرهما : أنه لا يصح التيمم لمس المصحف إلا إذا احتاج إليه بأن كان مسافرا . وليس معه من يحمله ، ووجه في التهذيب وغيره : أنه لا يصح تيمم منقطعة الحيض بنية استباحة الوطء ، وقد سبق مثله في الغسل ، ووجه أنه يصح إن كان لها زوج ، وإلا فلا ، حكاه المتولي في باب نية الوضوء وهذه الأوجه ضعيفة . فإذا قلنا في هذه المسائل يستبيح النافلة ، ففي استباحته الفرض الطريقان السابقان ، المذهب أنه لا يستبيحه ولو نوى استباحة الصلاة مطلقا وقلنا - بالأصح - أنه لا يستبيح الفرض استباح النفل ، وهذه الأشياء على المذهب وفيه وجه في البحر تفريعا على أن النفل لا يصح استباحته منفردا ، قال الماوردي ولا يستبيح في هذه الصورة الطواف ، وفي هذا نظر ولو تيمم للجنازة استباحها وهل هو كالتيمم للنفل أم للفرض ؟ فيه وجهان في التهذيب وغيره أصحهما : كالنافلة . صححه الرافعي وغيره لأنها وإن تعينت فهي كالنفل فإنها تسقط بفعل غيره بخلاف المكتوبة ، والله أعلم .

                                      ( المسألة الثانية ) إذا نوى استباحة فريضة مكتوبة استباحها ويستبيح النفل قبلها وبعدها ، في الوقت وبعده ، هذا هو المذهب الصحيح المشهور . وحكى الخراسانيون وجها أنه لا يستبيح في هذه الصورة النفل مطلقا ، ووجها أنه يستبيحه ما دام وقت الفريضة باقيا ولا يستبيحه بعده . [ ص: 259 ] ووافقهم على هذا الوجه من العراقيين المحاملي والشيخ نصر وقطع به الدارمي . وحكاه إمام الحرمين عن نقل العراقيين . ولنا - قول - أنه لا يستبيح النفل قبل الفريضة ويستبيحه بعدها ، وقد ذكره المصنف في أواخر الباب والصحيح ما سبق . أما إذا نوى الفريضة والنافلة معا فيستبيحهما جميعا بلا خلاف . قال إمام الحرمين : اتفقت الطرق على هذا . وحينئذ له التنفل قبل الفرض وبعده ، ووافق عليه المخالفون في التي قبلها وطردالرافعي فيه الوجه بالمنع مع النفل بعد خروج الوقت ، وليس بشيء . قال الشيخ أبو محمد في الفروق : لو تيمم للظهر في وقتها وصلاها ، ثم دخل وقت العصر ، لم يجز له فعل سنة الظهر بذلك التيمم على أحد الوجهين . ولو لم يصل الظهر في وقتها ، فقضاها في وقت العصر ، وقضى سنة الظهر بذلك التيمم جاز بلا خلاف تبعا للفريضة . قال : على هذا الأصل ينبغي أن يقال : من نسي العشاء فذكرها وقت الظهر قضاها وقضى الوتر قولا واحدا . وإنما القولان في قضاء الوتر إذا فعل العشاء في وقتها . وهذا الذي ، قاله في الوتر فيه نظر ، ولا أعلم من وافقه عليه والله أعلم .



                                      ( فرع ) في مسائل تتعلق بنية التيمم ( إحداها ) في ضبط ما تقدم مختصرا ، فإذا نوى رفع الحدث لم يصح تيممه على المذهب وفيه وجه ، وإن نوى استباحة نافلة استباحها وما يتبعها من مس المصحف وسجود تلاوة وغيره مما سبق دون الفرض ، هذا هو المذهب ، وفي وجه لا يصح تيممه وفي قول : يباح الفرض أيضا .



                                      ولو نوى الفرض بلا تعيين فالمذهب أنه يباح أي فرض أراد ، وفي وجه لا يصح تيممه حتى يعين الفرض ، ولو نوى الصلاة فله النفل وحده على الأصح وقيل : الفرض أيضا ، وقيل : تيممه باطل . ولو نوى الفرض وحده استباحه والنفل قبله وبعده ، في الوقت وبعده ، وفي وجه لا يباح النفل ، وفي وجه يباح في الوقت فقط ، وفي قول يباح بعد الفرض لا قبله ، ولو نواهما أبيحا كيف شاء ، وفي وجه لا يباح النفل بعد الوقت .



                                      ( الثانية ) نوى استباحة فريضتين فوجهان مشهوران عند الخراسانيين [ ص: 260 ] وذكرهما من العراقيين الدارمي ( أصحهما ) : يصح تيممه وبه قطع جمهور العراقيين . وهو نصه في البويطي كما سبق لأنه نواها وغيرها ، فلغا الزائد ( والثاني ) لا يصح لأنه نوى ما لا يباح فلغت نيته فعلى الأول قال الجمهور يصلي أيتهما شاء ، وهو نصه في البويطي وشذ الدارمي فقال : يصلي الأولى ، فخصه بالأولى وليس بشيء .



                                      ( الثالثة ) لو نوى فرض التيمم فوجهان مشهوران للخراسانيين ( أحدها ) يصح كما لو نوى المتوضئ فرض الوضوء . قال الروياني : فعلى هذا هو كالتيمم للنفل ( وأصحهما ) لا يصح . قال إمام الحرمين : والفرق أن الوضوء مقصود في نفسه ، ولهذا استحب تجديده بخلاف التيمم ، قال الرافعي : ولو نوى إقامة التيمم المفروض فهو كنية فرض التيمم ، فلا يصح في الأصح . قال البغوي : ولو نوى فرض الطهارة ففيه الوجهان الأصح لا يصح . وقال الماوردي : لو نوى التيمم وحده أو الطهارة وحدها لم يصح ، وقد سبق عن القاضي أبي الطيب أنه لو نوى الطهارة عن الحدث لم يصح والله أعلم .



                                      ( الرابعة ) لو تيمم عن الحدث الأصغر غالطا ظانا أن حدثه الأصغر فكان جنبا أو عكسه صح تيممه بلا خلاف عندنا . وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن مالك وأحمد أنه لا يصح ، واحتج المزني والأصحاب بأن مقتضاهما واحد فلا أثر للغلط ، وأنكر الشيخ أبو محمد هذا في كتابه الفروق وقال : هذه العلة منتقضة بمن عليه فائتة ظنها الظهر فقضاها ثم بان أنها العصر فلا تجزئه بالاتفاق وإن كان مقتضاهما واحدا ، قال : والعلة الصحيحة أن الجنب ينوي بتيممه ما ينويه المحدث وهو استباحة الصلاة فلا فرق . وأما الصلاة فيجب تعيينها فإذا نوى الظهر فقد نوى غير ما عليه ، والمتيمم نوى ما عليه ، وذكر القاضي حسين عن الأصحاب أنهم أنكروا على المزني هذه العلة وقالوا : الصواب التعليل بنحو ما ذكره الشيخ أبو محمد ، وهذا الإنكار على المزني فيه نظر . والأظهر أن كلامه صحيح ، والفرق بينه وبين [ ص: 261 ] الصلاة ظاهر . هذا كله إذا كان غالطا ، فإن تعمد فنوى الأكبر وعليه الأصغر أو عكسه مع علمه ففي صحته وجهان حكاهما المتولي سبق مثلهما في باب نية الوضوء ، والأصح البطلان لتلاعبه . ولو أجنب في سفره ونسي جنابته وكان يتوضأ عند وجود الماء ويتيمم عند عدمه ثم ذكر جنابته لزمه إعادة صلوات الوضوء دون صلوات التيمم . ذكره صاحب العدة ، وهو ظاهر على ما سبق .



                                      ( الخامسة ) تيمم لفائتة ظنها عليه فبان أن لا فائتة عليه لم يصح تيممه بخلاف ما لو توضأ لفائتة ظنها فبان أن لا فائتة . فإنه يصح وضوءه ، ولو تيمم لفائتة ظنها الظهر فبانت العصر لم يصح ، ولو توضأ لفائتة ظنها الظهر فبانت العصر صح ، والفرق ما فرق به البغوي وغيره بأن التيمم يبيح ولا يرفع الحدث ونيته صادفت استباحة ما لا يستباح ، والوضوء يرفع الحدث وإذا ارتفع استباح ما شاء . قال البغوي والمتولي والروياني : لو ظن أن عليه فائتة ، ولم يتحققها فتيمم لها ثم تذكرها لم يجز أن يصليها بذلك التيمم لأن وقت الفائتة بالتذكر . قال المتولي : ولأن المقصود من التيمم استباحة الصلاة وما لم يتحققها لا يباح له فعلها . وهذا التعليل فاسد ، فإن فعلها مباح ، بل مستحب ، وقد أنكر عليهم الشاشي هذا فحكاه ثم قال : وعندي في هذا نظر لأنه أمر بالتيمم لها لتوهم بقائها عليه فإذا تحقق بقاؤها عليه كان أولى بالإجزاء . هذا كلامه ، وينبغي أن يكون في صحته وجهان كما سبق فيمن شك هل أحدث ؟ فتوضأ محتاطا ، ثم بان أنه كان محدثا هل يصح وضوءه ؟ وقد يفرق بضعف التيمم والله أعلم .




                                      الخدمات العلمية