الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( الثالث ) من الشروط ( أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في بلدتها ) وإن كانت عظيمة وكثرت مساجدها ، لأنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده لم يقيموا سوى جمعة واحدة ، ولأن الاقتصار على واحدة أفضى إلى المقصود من إظهار شعار الاجتماع واتفاق الكلمة ( إلا إذا كبرت ) أي البلد ( وعسر اجتماعهم ) يقينا عادة ( في مكان ) مسجد أو غيره فيجوز حينئذ تعددها بحسب الحاجة ، لأن الشافعي دخل بغداد وأهلها يقيمون بها جمعتين وقيل ثلاثا ولم ينكر عليهم ، فحمله الأكثر على عسر الاجتماع قال في الأنوار : أو بعدت أطراف البلد أو كان بينهم قتال ، والأول محتمل إن كان البعيد بمحل لا يسمع منه نداؤها لشروطه ، وهو ظاهر إن كان بمحل لو خرج منه عقب الفجر لم يدركها لأنه لا يلزمه السعي إليها إلا بعد الفجر كما مر ، وحينئذ فإن اجتمع من أهل المحل البعيد كذلك أربعون صلوا الجمعة وإلا فالظهر ، والثاني ظاهر أيضا فكل فئة بلغت أربعين يلزمها إقامة الجمعة ، وهل المراد اجتماع من تلزمه أو من تصح منه ، وإن كان الغالب أنه [ ص: 302 ] لا يفعلها أو من يفعلها في ذلك المحل غالبا كل محتمل ولعل أقربها الأخير كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى ( وقيل لا تستثنى هذه الصورة ) وتحتمل فيها المشقة في الاجتماع ، واقتصر في التنبيه كالشيخ أبي حامد ومتابعيه على هذا وهو ظاهر النص ، وسكوت الشافعي عن ذلك لأن المجتهد لا ينكر على مجتهد . وقد قال أبو حنيفة بالتعدد .

                                                                                                                            قال السبكي : وهذا بعيد ، ثم انتصر له وصنف فيه أربع مصنفات وقال : إنه الصحيح مذهبا ودليلا .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ولا يقارنها جمعة في بلدتها ) . [ فرع ] لو كان في البلد خطبتان محتاج إليهما ثم أراد شخص آخر إحداث خطبة ثالثة فهل يمتنع عليه ذلك أم لا ؟ فيه نظر ، والظاهر الثاني لأنه لا يلزم من إنشائها وقوع خلل فيها لجواز أن تكون هي السابقة على غيرها ، ومن الجائز أن تكثر أهل المحلة ويحتاجون لذلك ، ويحتمل وهو المعتمد أن يقال : يمتنع عليه ذلك لأنه بتقدير عدم خلل فيها لسبقها لكنه يؤدي إلى خلل في القديمتين إن وقعتا معا بعد الحادثة أو بطلان واحدة منهما إن ترتبتا ، واحتمال كثرة أهل البلد بحيث يحتاجون إلى ذلك الأصل عدمه ولا يترك الأمر الحاصل للمتوهم . ( قوله : في مكان مسجد أو غيره ) أي ولو مع وجود المسجد ، وعليه فلو كان في البلد مسجدان وكان أهل البلد إذا صلوا فيهما وسعاهم مع التعدد وكان هناك محل متسع كزريبة مثلا إذا صلوا فيه لا يحصل التعدد هل يتعين عليهم فعلها في الأولين أو الثانية ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني حرصا على عدم التعدد ( قوله : وهو ظاهر ) من كلام م ر ( قوله : والثاني ظاهر أيضا ) هو [ ص: 302 ] قوله أو كان بينهم قتال ( قوله : أو من يفعلها في ذلك المحل غالبا ) أي يغلب فعلهم لها ( قوله ولعل أقربها الأخير ) عبارة سم على منهج قوله وعسر اجتماعهم ، المراد فيما يظهر وفاقا م ر عسر اجتماع الحاضرين بالفعل انتهى . ومثله في حاشية شيخنا الزيادي ، وهذا مخالف كما ترى لقول الشارح ولعل أقربها إلخ لاعتبار الشارح الغلبة وعدم اعتبارها لها حيث اعتبرا من يحضر بالفعل ( قوله : وهذا بعيد ) أي القول بالتعدد .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : وهو ظاهر إن كان بمحل وخرج منه عقب الفجر لم يدركها ) أي بخلاف ما إذا كان يدركها فلا يجوز التعدد ويجب السعي لمحلها : أي وإن لم يسمع النداء بقرينة مقابلة هذا بما قبله ، ووجهه أنه ببلد الجمعة ففارق اشتراط السمع في الخارج عن البلد وكان غرضه من ذكر هذا مع قوله قبله : والأول محتمل إن كان البعيد إلخ أن كلام الأنوار لا يصح حمله على إطلاقه ، فيحتمل تقييده بما إذا لم يسمع النداء ، ويحتمل وهو الظاهر تقييده بمحل لو خرج منه عقب الفجر إلخ ( قوله : كما مر ) لم يمر هذا في كلامه وهو تابع في الإحالة للشهاب حج ، لكن ذاك قدمه في شرح قول المصنف وقبل الزوال [ ص: 302 ] كبعده في الجديد إن كان السفر مباحا ( قوله : ولعل أقربها الأخير ) انظر لو اتفق حضور غير من يفعلها في ذلك المحل غالبا ممن تلزمهم ولم يسعهم المحل الذي يسع من يفعلها غالبا في ذلك المحل هل يجوز التعدد حينئذ أو تسقط الجمعة عمن ضاق عنه المحل ؟ فإن قال الشارح بالأول رجع قوله : إلى النظر إلى من يحضر بالفعل ، وهو احتمال نقله عنه الشهاب سم وذكر أنه اختاره ، وإن قال بالثاني ففي غاية البعد ، وبعكسه لو اتفقت قلتهم على خلاف الغالب فإن قال بوجوب انحصارهم في قدر المحتاج رجع إلى ما قلنا .

                                                                                                                            وإن جوز التعدد مع انتفاء الحاجة فهو بعيد أيضا ، فإن قيل المعتبر من يغلب حضوره فإن اتفقت كثرة أو قلة على خلاف الغالب أدرنا الحكم على ذلك ، قلنا : وأي معنى لاعتبار من يحضر بالفعل غير هذا ( قوله : وهذا بعيد ) يعني قول المصنف وقيل لا تستثنى هذه الصورة .




                                                                                                                            الخدمات العلمية