الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        معلومات الكتاب

                                        إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

                                        ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

                                        صفحة جزء
                                        123 - الحديث الرابع : عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم : { أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم علمني دعاء أدعو به في صلاتي . قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا . ولا يغفر الذنوب إلا أنت . فاغفر لي مغفرة من عندك . وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم } .

                                        التالي السابق


                                        هذا الحديث يقضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين لمحله . ولو فعل فيها - حيث لا يكره الدعاء في أي الأماكن كان - لجاز . ولعل الأولى : أن يكون في أحد موطنين : إما السجود ، وإما بعد التشهد . فإنهما الموضعان اللذان [ ص: 315 ] أمرنا فيهما بالدعاء . قال عليه الصلاة والسلام " وأما السجود : فاجتهدوا فيه في الدعاء " وقال في التشهد " وليتخير بعد ذلك من المسألة ما شاء " ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد : لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل . وقوله " إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا " دليل على أن الإنسان لا يعرى من ذنب وتقصير ، كما قال عليه الصلاة والسلام " استقيموا ، ولن تحصوا " وفي الحديث " كل ابن آدم خطاء . وخير الخطائين التوابون " وربما أخذوا ذلك من حيث الأمر بهذا القول مطلقا من غير تقييد وتخصيص بحالة ، فلو كان ثمة حالة لا يكون فيها ظلم ولا تقصير ، لما كان هذا الإخبار مطابقا للواقع . فلا يؤمر به . وقوله صلى الله عليه وسلم " ولا يغفر الذنوب إلا أنت " إقرار بوحدانية الباري تعالى ، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار كما قال تعالى { علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب } وقد وقع في هذا الحديث امتثال لما أثنى الله تعالى عليه في قوله { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله } .

                                        وقوله صلى الله عليه وسلم " ولا يغفر الذنوب إلا أنت . " كقوله تعالى { ومن يغفر الذنوب إلا الله } وقوله { فاغفر لي مغفرة من عندك } فيه وجهان :

                                        أحدهما : أن يكون إشارة إلى التوحيد المذكور ، كأنه قال : لا يفعل هذا إلا أنت ، فافعله أنت . والثاني وهو الأحسن : أن يكون إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها من عند الله تعالى ، لا يقتضيها سبب من العبد ، من عمل حسن ولا غيره . فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ، ليس للعبد فيها سبب وهذا تبرؤ من الأسباب والإدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبا عقليا . و " المغفرة " الستر في لسان العرب . و " الرحمة " من الله تعالى عند المنزهين من الأصوليين عن التشبيه - إما نفس الأفعال التي يوصلها الله تعالى من الإنعام والإفضال إلى العبد . وإما إرادة إيصال تلك الأفعال إلى العبد . فعلى الأول : هي من صفات الفعل . وعلى الثاني هي من صفات الذات . وقوله " إنك أنت الغفور الرحيم " صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة المقابلة لما قبله . فالغفور مقابل لقوله " اغفر لي " والرحيم مقابل لقوله [ ص: 316 ] ارحمني " وقد وقعت المقابلة ههنا للأول بالأول ، والثاني بالثاني . وقد يقع على خلاف ذلك ، بأن يراعى القرب ، فيجعل الأول للأخير . وذلك على حسب اختلاف المقاصد ، وطلب التفنن في الكلام . ومما يحتاج إليه في علم التفسير : مناسبة مقاطع الآي لما قبلها . والله أعلم .




                                        الخدمات العلمية