الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
واختلف أهل العلم في الرجل ينفي حمل امرأته ، فقال أبو حنيفة : ( إذا قال ليس هذا الحمل مني لم يكن قاذفا لها ، فإن ولدت بعد يوم لم يلاعن حتى ينفيه بعد الولادة ) ، وهو قول زفر . وقال أبو يوسف ومحمد : ( إن جاءت به بعد هذا [ ص: 145 ] القول لأقل من ستة أشهر لاعن ) .

وقد روي عن أبي يوسف : ( أنه يلاعنها قبل الولادة ) . وقال مالك والشافعي : ( يلاعن بالحمل ) ، وذكر عنه الربيع : ( أنه لا يلاعن حتى تلد ) .

وإنما يوجب أبو حنيفة اللعان بنفي الحمل لأن الحمل غير متيقن ، وجائز أن يكون ريحا أو داء ، وإذا كان كذلك لم يجز أن نجعله قذفا لأن القذف لا يثبت بالاحتمال ، ألا ترى أن التعريض المحتمل للقذف ولغيره لا يجوز إيجاب اللعان ولا الحد به ؟ فلما كان محتملا أن يكون ما نفاه ولدا واحتمل غيره لم يجز أن يوجب اللعان به قبل الوضع ، ثم إذا وضعت لأقل من ستة أشهر تيقنا أنه كان حملا في وقت النفي لم يجب اللعان أيضا لأنه يوجب أن يكون القذف معلقا على شرط والقذف لا يجوز أن يعلق على شرط ، ألا ترى أنه لو قال : ( إذا ولدت فأنت زانية ) لم يكن قاذفا لها بالولادة ؟ واحتج من لاعن بالحمل بما روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بالحمل ؛ وإنما أصل هذا الحديث ما رواه عيسى بن يونس وجرير جميعا عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود : أن رجلا قال : أرأيتم إن وجد رجل مع امرأته رجلا فإن هو قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ فأنزلت آية اللعان فابتلي به ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلاعن امرأته ؛ فلم يذكر في هذا الحديث الحمل ولا أنه لاعن بالحمل .

وروى ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن ابن عباس : أن رجلا جاء وقال : وجدت مع امرأتي رجلا ، ثم لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال : إن جاءت به كذا . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا ابن أبي عدي قال : أنبأنا هشام بن حسان قال : حدثني عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : البينة أو حد في ظهرك وذكر الحديث إلى قوله : أبصروها فإن جاءت به كذا فهو لشريك ابن سحماء ، وكذلك رواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس .

فذكر في هذه الأخبار أنه قذفها ، وأبو حنيفة يوجب اللعان بالقذف وإن كانت حاملا ، وإنما لا يوجبه إذا نفى الحمل من غير قذف .

فإن قيل : قال الله تعالى : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وقد ترد الجارية بعيب الحمل إذا قال النساء هي حبلى ؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دية شبه العمد : منها أربعون خلفة في بطونها أولادها قيل له : أما نفقة الحامل فلا تجب لأجل الحمل وإنما وجبت للعدة ، فما لم تنقض عدتها فنفقتها واجبة ، ألا ترى أن غير الحامل نفقتها واجبة ؟ وإنما ذكر الحمل [ ص: 146 ] لأن وضعه تنقضي به العدة وتنقطع به النفقة ، وأما الرد بالعيب فإنه جائز كونه مع الشبهة كسائر الحقوق التي لا تسقطها الشبهة والحد لا يجوز إثباته بالشبهة ، فلذلك اختلفا .

وكذلك من يوجب في الدية أربعين خلفة في بطونها أولادها فإنه يوجبها على غالب الظن ، ومثله لا يجوز إيجاب الحد به ، وهذا كما يحكم بظاهر وجود الدم أنه حيضة ولا يجوز القطع به حتى يتم ثلاثة أيام ، وكذلك من كان ظاهر أمرها الحبل لا تكون رؤيتها الدم حيضا ، فإن تبين بعد أنها لم تكن حاملا كان ذلك الدم حيضا ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة هلال بن أمية : إن جاءت به على صفة كيت وكيت فهو لشريك ابن سحماء فإنه فيما أضافه إلى هلال محمول على حقيقة إثبات النسب منه ، وهذا يدل على أنه لم ينف الولد منه بلعانه إياها في حال حملها ، وقوله : ( فهو لشريك ابن سحماء ) لا يجوز أن يكون مراده إلحاق النسب به وإنما أراد أنه من مائه في غالب الرأي ؛ لأن الزاني لا يلحق به النسب لقوله صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر . فإن قيل : في حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة هلال بن أمية حين لاعن بينهما أن لا يدعى ولدها لأب . قيل له : هذا إنما ذكره عباد بن منصور عن عكرمة ، وهو ضعيف واه لا يشك أهل العلم بالحديث أن في حديث عباد بن منصور هذا أشياء ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مدرجة فيه ، ولم يذكر ذلك غير عباد بن منصور .

ويدل على أنه غير جائز نفي النسب ولا إثبات القذف بالشبهة حديث أبي هريرة قال : إن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكرته ، فقال له : هل لك من إبل ؟ قال : نعم ، قال : ما ألوانها ؟ قال : حمر ، قال : هل فيها من أورق ؟ قال : نعم ، قال : فأنى ترى ذلك جاءها ؟ قال عرق نزعها ، قال : فلعل هذا عرق نزعه ، فلم يرخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم نفيه عنه لبعد شبهه منه .

ويدل أيضا على أنه لا يجوز نفي النسب بالشبهة . فصل وقال أصحابنا : ( إذا نفى نسب ولد زوجته فعليه اللعان ) .

وقال الشافعي : ( لا يجب اللعان حتى يقول إنها جاءت به من الزنا ) . قال أبو بكر : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر : أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة فأخبر أنه لاعن بينهما لنفيه الولد ، فثبت أن نفي ولدها قذف يوجب اللعان .

[ ص: 147 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية