الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحببت شاباً تقدم لخطبتي ورفضه أهلي لأنه لم يكمل تعليمه!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر ثلاثاً وعشرين سنة، أحبّ شخصًا ونحن معًا منذ خمس سنوات، وقد تقدّم لخطبتي، فأخبرت أهلي عنه، وقلت: إنه جاء عن طريق صديقتي، لكنه لم يُكمل تعليمه، ويعمل في مصنع، فرفضه أهلي، وقالوا: إنه غير مسؤول، وإن الزواج لا يكون هكذا، بل ينبغي أن يُكمل تعليمه.

وقد تقدّم لي قريب من بعيد أنهى دراسته حديثًا، وأشعر أن أهلي يريدون شخصًا ذا مال، بينما أنا أريد من أحببته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، وأنا أشكر لكِ الاهتمام والتواصل، ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير ثم يرضيكِ به.

بدايةً: نحب أن ننبه ابنتنا الفاضلة -وأنتِ في مقام بناتنا وأخواتنا- بأن الفتاة ما ينبغي أن تُؤسِّس لأي علاقة بعيدًا عن أهلها، وينبغي لمن يريد الفتاة أن يطرق بدايةً باب أهلها، وأوَّل علامات صدق هذا الخاطب هو أن يطرق الباب، وأن يأتي بأهله الأحباب، وأن يُعدَّ العدة المعقولة للزواج؛ فإن الأهل أيضاً ينظرون إلى جوانب أخرى.

ولذلك أرجو ألَّا تحاولي تأسيس أي علاقة في الخفاء بعيدًا عن أهلك، ودون أن يكون للعلاقة غطاء شرعي، بمعنى أنه يتقدَّم رسميًا وجاء بأهله وقبلنا به؛ هذا يُصبح خاطبًا بعد أن يأتي ويتكلم رسميًا، والخطبة أيضًا ما هي إلَّا وعد بالزواج، لا تبيح للخاطب الخلوة بمخطوبته، ولا الخروج بها، ولا التوسع معها في الكلام، لكنها شرعت ليتحقق التعارف الكامل؛ نسأل عنه، يسأل عنا، نتعرف على صفاته، وإذا أراد أن يأتي فيكون في حضور محرم من محارمك، هذا هو الذي شرعه الله تبارك وتعالى.

أمَّا ما يحصل من علاقات متسارعة، ثم بعد ذلك تمضي هذه المشاعر وتتمكَّن العواطف؛ فهذا فيه خطورة، وهو قبل ذلك مخالفة شرعية، وكثيرًا ما يصدم الشباب في مثل هذه الأحوال برفض أهله أو برفض أهلها، والأهل أيضًا عندما يرفضون لهم نظرة ينبغي أن تُوضع في الاعتبار؛ هم يريدون من يتحمَّل المسؤولية، ويريدون مَن يتعرفوا عليه أولًا ويعرفوا صفاته وأخلاقه؛ وهذا كله خوفًا على ابنتهم، والشريعة ما جعلت الولي إلَّا لأن الرجال أعرف بالرجال، ولأن المرأة التي يأخذها الرجل من أهلها ويتعرف عليها بطريقة صحيحة، يحترمها ويُقدِّرُها، ويُقدِّر أهلها.

أمَّا التي يعرفها في الشارع، أو في الجامعة، أو في أي مكان؛ فإن هذه تفقد قيمتها عنده، وهنا ينبغي أن تُدرك الفتاة المسلمة أنها عزيزة، وأن الإسلام أرادها مطلوبة عزيزة لا طالبة ذليلة.

ولذلك أيضًا ينبغي ألَّا تستعجلي في القبول والرفض دون الرجوع إلى أهلك؛ لأن الأمر في شأن الفتاة وخطبة الفتاة هم لأهلها وأوليائها: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ -دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ- فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ».

وأنتِ تريدين الشخص الذي تدعين بأنكِ تحبينه، وهذا مجرد إعجاب؛ لأن الحب الحقيقي الحلال هو الذي يبدأ بالرباط الشرعي، ويزداد بمعرفة صفاته وكماله وصدقه وأمانته، كلما عرفتِ عنه بعد ذلك بعد الرباط الشرعي من صفات جميلة تتعمَّق مشاعر الود ومشاعر الحب.

عليه نحن ننبه:
الأمر الأول: أن تبنى العلاقات بناءً صحيحًا.
الأمر الثاني: ألَّا تستعجلي في تكوين أي علاقة والمضي في المحادثات والتواصل قبل أن تتأكدوا من موافقة الأهل.
الأمر الثالث: هو أن الذي يريد أن يتقدَّم لا بد أن يكون عنده الاستعداد المعقول لفتح بيت وتأسيس أسرة؛ لأن هذا هو الذي يقبل به المجتمع، وهذا فعلًا مطلب، وحتى لو كان قليلًا هو يُعدّ ما يستطيع، وبعد ذلك ينتظر الخير من الله، فالله وعد من طلب العفاف بصدقٍ أن يعينه الله، وهو الذي يقول: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}؛ فالغنى في النكاح، لأن طعام الاثنين يكفي الأربعة، ولأن الزوجة والأبناء يأتون بأرزاقهم، والله هو الرزَّاق: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}.

ودائمًا من سعادة الفتاة أن تفوز بالشاب الذي يقبل به الأهل، وترضاه الوالدة ويرضاه الأهل؛ لأن هذا يُعينها على الوفاء له وعلى الوفاء لهم، فإن بر الأهل واجب، والإحسان إلى الزوج وحُسن معاشرته أيضًا واجب، والزواج دائمًا ليس بين شاب وفتاة فقط، لكنه بين أسرتين وبين بيتين -كما نقول دائمًا-، وسيكون هاهنا أعمام وعمات، وفي الطرف الثاني أخوال وخالات، ولذلك ينبغي أن يؤسس البيت على أسس صحيحة.

نأتي بعد ذلك إلى مسألة الخيار حتى لو جاء البيوت من أبوابها، فإنا ننظر إلى رفض الأهل، فإذا كان الرفض لاعتبارات شرعية فإنكِ يجب أن تنصاعي لأمرهم، أمَّا إذا كان الرفض لمجرد المزاج وليس هناك اعتبار شرعي، فهنا تجتهدين في استرضائهم، وتطلبين مساعدة الأعمام والعمات والأخوال والخالات، والدعاة الداعيات؛ كل هؤلاء يستطيعون أن يؤثروا إذا كان الشاب صاحب دين.

ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُقدِّر لكِ الخير ثم يرضيكِ به، ونوصيكِ بمزيد من القرب لأهلك، ومزيد من الوضوح معهم، ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير ثم يرضيكِ به.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً