الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رفض أهل الشاب خطبتنا بسبب اختلاف مدينتينا، فكيف نقنعهم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعرفت في الجامعة إلى شاب، ونشأت بيننا مشاعر صادقة، وقد حاول التقدم لخطبتي بشكل رسمي، لكن أهله رفضوا الأمر رفضًا قاطعًا بسبب اختلاف المدينة التي ينتمي إليها كلٌّ منا.

نحن لا نعلم كيف نتعامل مع هذا الموقف، ونرغب في معرفة ما الذي يمكن فعله لإقناع الأهل أو تقريب وجهات النظر بينهم.

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ميرا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يُقدِّر لكما الخير حيث كان، وأن يرزقكما الحكمة والرضا، وأن يجمع بينكما إن كان في ذلك خير لدينكما ودنياكما، وأن يصرف عنكما ما فيه الشر، ودعينا نجيبك من خلال ما يلي:

1- من المهم أن تنظرا إلى هذه المرحلة بعين الشرع والقدر معًا، فالزواج من أعظم الأرزاق التي يقدرها الله لعباده، وليس كل ما يرغبه الإنسان يكون خيرًا له، كما أن تأخر بعض الأسباب أو تعثرها لا يعني أن الأمر انتهى، والتسليم في قضاء الله والإيمان بالحكمة هو الأساس الذي يبنى عليه في إطار قوله تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، ولذلك فليكن الأصل عندكما السعي المشروع مع التسليم لحكم الله بعد ذلك.

2- إذا كان سبب الرفض الوحيد هو اختلاف المدينة أو المنطقة، دون وجود اعتراض على الدين، أو الأخلاق، أو الاستقامة، أو القدرة على تحمل مسؤولية الزواج، فهذه ليست من الموانع التي جعلها الشرع أساسًا للقبول أو الرفض، وقد قال النبي ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ»، ولهذا ينبغي أن يكون الحوار مع الأهل منصبًّا على الصفات الحقيقية المؤثرة في نجاح الزواج، لا على الانتماءات الجغرافية المجردة، إلا أن تكون هناك اعتبارات أخرى زائدة.

3- ينبغي فهم مخاوف الأهل قبل محاولة إقناعهم، فبعض الأسر لا ترفض لمجرد التعصب، وإنما تخشى: اختلاف العادات الاجتماعية، البعد الجغرافي عن الأسرة، صعوبة التأقلم بعد الزواج، نظرة الأقارب والمجتمع، فإذا عرفت أسباب التخوف الحقيقية أمكن مناقشتها بهدوء، ومعالجة كل سبب على حدة.

4- لا ننصح بمحاولة الضغط على الأهل أو الدخول في صدام معهم؛ لأن الزواج الذي يبدأ بمعركة عائلية قد يحمل آثار تلك المعركة سنوات طويلة، وإنما الأفضل أن يتولى الحوار أشخاص حكماء من العائلتين، ممن لهم كلمة مسموعة واحترام عند الجميع.

5- إذا كان الشاب جادًّا بالفعل، فليظهر ذلك بالأفعال لا بالمشاعر فقط، من خلال: الاستمرار في طلب الزواج بطريقة رسمية، إظهار حسن الخلق والصبر، الاستعانة بأهل الخير والوجاهة للإصلاح، عدم الدخول في علاقات عاطفية ممتدة خارج الإطار الشرعي؛ فإن صدق الرغبة يظهر غالبًا عند طول الطريق وصعوبة الوصول.

6- من المهم أيضًا أن تتنبها إلى أن المشاعر الصادقة وحدها لا تكفي لبناء زواج ناجح، فكم من علاقة بدأت بمشاعر قوية ثم فشلت بسبب عدم التوافق أو ضعف تحمل المسؤولية، ولهذا اجعلا السؤال الأهم: هل هذا الشخص صالح فعلاً للزواج والحياة الطويلة وتحمل المسؤولية؟ لا مجرد: هل نحبه أم لا؟

7- إذا استنفدت الوسائل المشروعة كلها، وبقي الرفض قائمًا دون أمل ظاهر في تغييره، فلا يجوز أن تستمر العلاقة العاطفية المفتوحة سنوات طويلة على أمل مجهول؛ لأن القلوب تتعلق، والأعمار تمضي، والشرع إنما أباح التعارف المؤدي إلى الزواج لا العلاقة التي تبقى معلقة بلا أفق، كما ننبهك إلى خطورة الزواج بدون إذن الأهل أو موافقتهم؛ فإن هذا محرم وله تبعات سلبية ليس عليك فقط بل حتى على العلاقة الزوجية.

8- أكثرا من الاستخارة والدعاء، لكن مع فهم صحيح للاستخارة، فالاستخارة ليست انتظار رؤيا أو علامة خفية، وإنما تفويض الأمر لله، ثم الأخذ بالأسباب، ثم الرضا بما يقدره الله بعد ذلك.

9- إن فتح الله الأبواب بعد السعي فاحمدا الله، وإن أُغلقت جميع الأبواب بعد استنفاد الأسباب المشروعة فاعلما أن المؤمن لا يفوته رزقه، وأن ما كتبه الله له سيأتيه، وأن ما صرفه الله عنه فلعل في صرفه رحمة لا يراها اليوم.

نسأل الله أن يختار لكما الخير، وأن يؤلف بين القلوب على طاعته، وأن ييسر الأمر إن كان فيه صلاح، وأن يصرفه إن كان فيه ضرر، وأن يرزقكما الرضا بحكمه وحسن التوكل عليه، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً