الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تقدم لخطبتي شاب ذو خلق ولكن والداي يرفضانه لقصره، فكيف أقنعهم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحتاج إلى نصيحتكم في موضوعٍ مصيريٍّ يُحيرني جداً، تقدم لخطبتي شابٌّ ذو خُلقٍ ودينٍ ويعاملني بطيبة، لكنّ أمي ترفضه بشدة، وتراه غير مناسبٍ لي شكلاً وقامةً (قصير)، ووصل الأمر بها إلى التهديد بالتبرؤ مني إن وافقتُ عليه، على الرغم من أن أمي طيبةٌ، وتحبني وتريد لي الأفضل.

حاول الشاب التقدم مراراً، ومع تكرار الرفض والضغط توترت العلاقة بيننا وقسا عليَّ لفترة، ثم عاد؛ ومؤخراً اتصل بأبي مباشرةً لطلب موعد.

موقف أبي: عندما فتح معي الموضوع أمام أمي، قال لي: إن القرار بيدي، لكنه كان صريحاً جداً معي؛ إذ قال إن الشكل مهمٌّ ولن يناسبني، وأنه يخشى ألا أكون مقتنعةً به مستقبلاً، وقد لمستُ من كلامه أنه يرفضه رفضاً أعمق من رفض أمي، ولكن باستعمال لغة التوجيه ومنحي الحرية؛ مما جعلني أتساءل: هل أمي تنطق برغبة أبي، أم أنها تؤثر عليه؟

نقاط حيرتي وتخوفي:
- خسارة أمي: ورضاها الذي أخشى أن أفقده بسبب هذا الزواج.
- موقف الشاب وتغيّره: أصبحتُ أخشى -بعد تغيّر معاملته السابقة- أن يُعيّرني مستقبلاً برفض أهلي له، أو يَمُنَّ عليَّ بأنه قبل بي وتحمَّل مواقف عائلتي ضده.
- حيرتي من كلام أبي: هل آخذ بكلامه وتلميحاته العقلانية، أم أتمسك بالشاب لأخلاقه ووعده بالتحسن؟

كيف أتصرف بحكمةٍ وأستخير دون أن أندم أو أظلم نفسي أو أهلي؟ شاركوني آراءكم، وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مسرورة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ اهتمامكِ وحرصكِ على السؤال، ونسأل الله أن يهدي أهلكِ إلى ما يحبه ربنا ويرضاه، وينبغي لهم أن يدركوا أن النظر في أمر الخاطب ينبغي أن يكون إلى دينه وخلقه، ثم إلى ميل المخطوبة إليه وقبولها به.

ومع ذلك، فإننا لا نريدكِ أن تصادمي رغبة الأب أو الأم؛ فالسباحة ضد التيار متعبة، خاصةً مع التغير الذي حصل من الشاب، ولذلك، ينبغي له أن يكرر المحاولات، وأن يستعين بأصحاب الوجاهة والمكانة ممن يمكنهم التأثير في الأسرة وإقناعها، وإذا كانت لديه رغبة أكيدة في الزواج منكِ، فعليه أن يسعى بنفسه، وأن يستعين بالدعاة، والعلماء، والوجهاء، وأصحاب الكلمة المسموعة؛ حتى يتحدثوا مع العائلة، ويساعدوا في تقريب وجهات النظر.

وفي المقابل، لا نريدكِ أن تكوني أنتِ في المواجهة مع الوالد والوالدة، بل ينبغي أن يكون دوركِ قائمًا على الهدوء والحكمة، مع الاستعانة بمن يستطيع التأثير عليهما، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُقدِّر لكِ الخير، وأن يهديهم إلى ما يحبه ويرضاه.

إن العبرة ليست بالأشكال والمظاهر، وإنما الناس عند الله تعالى يتفاضلون بتقواهم، كما أن الميزان الصحيح في اختيار الزوج ينبغي أن يقوم في المقام الأول على الدين والخلق، وقد وجهت الشريعة الفتاة وأولياءها إلى هذا المعيار، فقال النبي ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ»، وفي رواية: «دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ»، كما أرشد النبي ﷺ الشاب إلى اختيار صاحبة الدين، فقال: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ».

وإذا كان قد حصل منكِ ميل إلى هذا الشاب وقبول به، فإننا نتمنى أن يغير الوالد والوالدة رأيهما بعد أن تتضح لهما الأمور، وأن تجدي في العقلاء والفضلاء من محارمكِ، من الأعمام والعمات والأخوال والخالات، من يستطيع التأثير عليهما وإقناعهما بالحكمة والكلمة الطيبة، فلو اقتنع أحد الأعمام وتدخل في الأمر، أو تحدثت إحدى العمات مع الوالد، أو تحدث خال أو خالة مع الوالدة، فقد يكون لذلك أثر كبير في تقريب وجهات النظر؛ لأن تدخل من يحظى بثقة الوالدين ومكانتهما، قد يكون أنفع من المواجهة المباشرة منكِ، ونسأل الله أن يعينكِ على الخير.

وقد فهمنا من كلامكِ أن الشاب يسعى إلى طلب موعد مباشر مع الوالد، وهذا أمر جيد، وحبذا لو حضر معه بعض أصحاب الوجاهة والمكانة، ممن يستطيعون التحدث مع الوالد بهدوء، وبيان الأمر له، والمساعدة في إزالة أسباب الرفض.

وعمومًا، نحن لا نؤيد ما حصل من رفض إذا كان سببه أمرًا لا يؤثر في صلاح الخاطب وأهليته للزواج، لكننا في الوقت نفسه لا نؤيد أن تقدمي على إتمام هذا الزواج في ظل معارضة الوالد والوالدة؛ لأن الزواج مشروع حياة، ومن المهم أن يبدأ -قدر الإمكان- في أجواء من التوافق والرضا، لا من الخصومة والقطيعة، كما أن هناك مخاوف ينبغي النظر إليها بعناية، ومنها احتمال تغير الخاطب بعد الزواج.

والشريعة جعلت للمرأة أولياء يقومون على مصالحها ويحرصون عليها؛ لأنهم مرجع لها عند الحاجة، فإذا مات عنها زوجها، أو تغير عليها، أو حصل بينها وبينه خلاف، أو تعسرت حياتها الزوجية، فإنها تجد في أهلها وأوليائها سندًا وعونًا لها.

ولذلك، نتمنى أن تديري هذا الملف بمنتهى الحكمة، وذلك بأن تحركي أطرافًا مؤثرةً، -كما ذكرنا- وفي الوقت نفسه، احرصي على ألَّا تكون المواجهة مباشرةً بينكِ وبين والديكِ، وليستمر الشاب في محاولاته، وليستعن بأصحاب الوجاهة والمكانة، وليكن لكِ أيضًا دور هادئ في الاستفادة من الأطراف الإيجابية من محارمكِ، ممَّن يمكن أن يكون لهم تأثير طيب على الوالد والوالدة.

ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير حيث كان، ثم يرضيكِ به، وأن يجمع القلوب على ما فيه الخير والصلاح.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً