الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الخوف من الكفر بسبب كراهية التعدد في الصغر

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأنا صغيرة، أظن أنني كنت قبل تكليفي أكره التعدد أو لا أحبه، فكنت مثلًا أقول لأمي: هذا الولد أبوه متزوج امرأتين، فتضحك، وأعلم أنه ليس لي شأن بذلك، ولكن اعذروني، ولا أتذكر ردي على هذا، وأيضًا أظن أنه كان أحد أفراد عائلتي يفرّق بين زوجتيه، أو كنت أشاهد فيديوهات تعتبر الزواج على الزوجة الأولى خيانة -والعياذ بالله-.

ولكن لا أظن أنني كنت أفكر في الأمر كثيرًا، وبعد مدة من تكليفي أصبحت أحب الشريعة، فلا أدري: هل كنت كافرة؛ لأنه قد يكون هذا الكره عندي بعد التكليف، أم إنني كنت أنساه ولا أفكر فيه؟

وأرجو ألَّا تحيلوني إلى سؤال آخر، من فضلكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يثبت قلبكِ على الإيمان، ويصرف عنكِ الوساوس والشكوك، ويملأ قلبكِ طمأنينةً ويقينًا.

فاطمئني؛ فما ذكرتِه لا يجعلكِ كافرةً، ولا ينبغي لكِ أن تعودي إلى طفولتكِ، وتفتشي في ذكرياتٍ غير واضحةٍ، لتسألي: هل كان هذا قبل التكليف أم بعده؟ وهل كنتُ أكره التعدد نفسه أم أكره صورةً رأيتها؟ وهل نسيتُ ذلك أم بقي في قلبي؟ فهذا النوع من التفتيش هو الذي يفتح باب الوسواس، ولا يوصلكِ إلى يقينٍ، ودعينا نستقر على قواعد واضحةٍ تغلق عليكِ هذا الباب، فنقول:

• أولًا: هناك فرقٌ كبيرٌ بين كراهية حكم الله اعتراضًا على الله وتشريعه، وبين أن تنفر الفتاة بطبعها من أن يتزوج زوجها عليها، أو لا تحب التعدد لنفسها، أو تتأثر بما رأته من مشكلاتٍ بين بعض الأسر، فالغيرة والنفور النفسي شيء، والاعتراض على شرع الله شيءٌ آخرُ، وقد ترى المرأة، وهي مؤمنة بأن التعدد مما أباحه الله، ومع ذلك لا تحب أن يقع عليها هي، وهذا لا حرج فيه.

• ثانيًا: قولكِ إنكِ ربما شاهدتِ مقاطع تصف زواج الرجل على زوجته بالخيانة، أو رأيتِ شخصًا لا يعدل بين زوجتيه، لا يعني أنكِ كنتِ تكرهين تشريع الله، بل قد يختلط على الصغير الحكم الشرعي بتصرفات الناس السيئة في تطبيقه، والظلم بين الزوجات محرَّم أصلًا، فلا يصح أن تجعلي نفوركِ من صورةٍ ظالمةٍ دليلًا على كراهية شرع الله.

• ثالثًا: الأهم في سؤالكِ أنكِ لا تتذكرين أصلًا ماذا كان في قلبكِ، ولا ماذا كان ردكِ، وإنما تقولين: «أظن»، و«قد يكون»، و«لا أتذكر»، و«ربما كان بعد التكليف»، والإسلام لا يزول بمثل هذه الاحتمالات، فاليقين لا يزول بالشك، ولا يُحكم على مسلمٍ بالكفر بناءً على ذاكرةٍ غامضةٍ واحتمالاتٍ يعيد تركيبها بعد سنواتٍ.

• رابعًا: قولكِ الآن: «أصبحت أحب هذا التشريع» كافٍ في بيان موقفكِ الحاضر، فلا تطلبي وراءه شهادةً من طفولتكِ تثبت أنكِ كنتِ في كل لحظةٍ تحملين الشعور نفسه، والمؤمن قد يتعلم حكمًا بعد أن كان يجهله، ويفهم حكمةً بعد أن كانت تخفى عليه، ويتغير شعوره تجاه بعض الأمور كلما ازداد علمًا، وهذا كله لا يعني أنه كان كافرًا قبل ذلك.

• خامسًا: لا تعيدي سؤال نفسكِ: «ولكن ماذا لو كان الكره بعد التكليف؟ وماذا لو كنت أكره الحكم نفسه؟ وماذا لو قلت كلمةً لا أتذكرها؟»، فهذه الأسئلة لا تنتهي؛ لأن الوسواس كلما أجبتهِ عن احتمالٍ صنع لكِ احتمالًا أدق منه، وقد أرشد النبي ﷺ في باب الوساوس إلى قطع الاسترسال، فقال: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ».

فمن الآن، إذا جاءكِ خاطر: «ربما كنت كافرةً في ذلك الوقت»، فلا تبحثي في الذاكرة، ولا تحاولي استحضار شعوركِ القديم، ولا تعيدي الشهادة بسبب هذا الشك، بل قولي: أنا مسلمة، وما لا أتيقنه لا أحكم به على نفسي، ثم انتقلي إلى ما كنتِ تفعلينه.

ولا تجعلي حبكِ لشريعة الله بابًا جديدًا لاختبار إيمانكِ كل يومٍ، فأحبي شرع الله، وتعلميه، واعملي به، وإذا وجدتِ في نفسكِ مشقةً تجاه أمرٍ من الأمور، فلا تسارعي إلى سؤال: هل كفرتُ؟ فليس كل شعورٍ عابرٍ اعتقادًا يختاره القلب.

نسأل الله أن يصرف عنكِ وساوس الكفر والتفتيش في الماضي، ويثبتكِ على الإسلام حتى تلقينه، ويملأ قلبكِ أمنًا وسكينةً ويقينًا، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً