أحدها:
nindex.php?page=treesubj&link=29620أن الأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب. [ ص: 356 ]
والثاني: أنه لو استدل بالحركة لكان من حين بزغت استدل بذلك، لم يؤخر الدلالة إلى حين الغروب.
الثالث: أن قصة
إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم أدل، فإنه لم يجعل الحركة منافية لما قصده، بل المنافي هو الأفول.
الرابع: أن
إبراهيم لم يكن معنيا بقوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=76هذا ربي [سورة الأنعام:76]، أنه رب العالمين، على أي وجه قاله، ولا اعتقد ذلك قومه ولا غيرهم، وإنما كان الذي يقول ذلك يتخذه ربا لينال بذلك أغراضه، كما كان عباد الكواكب والشمس والقمر يفعلون ذلك. وكان قومه من هؤلاء، لم يكونوا جاحدين للصانع، بل مشركين به.
ولهذا قال لهم:
nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=75أفرأيتم ما كنتم تعبدون nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=76أنتم وآباؤكم الأقدمون nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=77فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [سورة الشعراء:75-77].
وقال في آخر قوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=78إني بريء مما تشركون nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=79إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=80وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=81وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون [سورة الأنعام:78-81]، وقد بسط هذا في موضع آخر.
[ ص: 357 ]
والمقصود هنا: أن
القاضي كان أولا يقول بطريقة من يقول: إن أول الواجبات هو النظر في حدوث الأجسام، ثم رجع القاضي عن ذلك، ووافق
nindex.php?page=showalam&ids=14228الخطابي وغيره ممن سلك مسلك السلف والأئمة، وقالوا: إن هذه الطريقة ليست واجبة بل هي عند محققيهم باطلة، وإن كان النظر واجبا في غيرها من الطرق الصحيحة.
وقد افتتح
القاضي كتابه بقوله: (الحمد لله مبتدئ الأشياء ومخترعها من غير شيء، العالم بها قبل تكوينها، والقادر عليها قبل إنشائها، جاعل العلامات، وناصب الدلالات، ومبين الآيات، الآمر أولي الأبصار بالأفكار، وأولي الألباب بالاعتبار، أرسل الرسل بالإنذار، وأنزل الكتب بالأنوار، وباعث النبيين، ومنقذ العمين. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، أنزل عليه كتابه الهدى نورا لمن التمسه، وضياء لمن اقتبسه، ودليلا لمن طلبه، دلهم فيه على معاني حكمته، ولطيف صنعته، وبيان جلاله، أثبت الحجة به على أوليائه وأعدائه، وهو كلامه الذي يعجز الخلق أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، لا معقب لأمره، ولا راد لفضله، تعالى عما يقول الجاحدون علوا كبيرا) .
[ ص: 358 ]
ثم قال: (وهذه خطبة شيخنا
أبي بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، ذكرها في أول كتابه الشافي قصدت أن أفتتح كتابي بها تبركا به، ولأنه قد صرح فيها بالقول وبالنظر والاستدلال بقوله: الآمر أولي الأبصار بالأفكار، وأولي الألباب بالاعتبار) .
قال: (وفي هذا بيان لوجوب النظر وصحته، وإزالة الإشكال عمن توهم غير هذا في المذهب) .
أَحَدِهَا:
nindex.php?page=treesubj&link=29620أَنَّ الْأُفُولَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ هُوَ الْمَغِيبُ وَالِاحْتِجَابُ. [ ص: 356 ]
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ اسْتَدَلَّ بِالْحَرَكَةِ لَكَانَ مِنْ حِينِ بَزَغَتِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ، لَمْ يُؤَخِّرِ الدَّلَالَةَ إِلَى حِينِ الْغُرُوبِ.
الثَّالِثِ: أَنَّ قِصَّةَ
إِبْرَاهِيمَ هِيَ عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِهِمْ أَدَلُّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْحَرَكَةَ مُنَافِيَةً لِمَا قَصَدَهُ، بَلِ الْمُنَافِي هُوَ الْأُفُولُ.
الرَّابِعِ: أَنَّ
إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِقَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=76هَذَا رَبِّي [سُورَةِ الْأَنْعَامِ:76]، أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، عَلَى أَيِّ وَجْهٍ قَالَهُ، وَلَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ قَوْمُهُ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي يَقُولُ ذَلِكَ يَتَّخِذُهُ رَبًّا لِيَنَالَ بِذَلِكَ أَغْرَاضَهُ، كَمَا كَانَ عُبَّادِ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. وَكَانَ قَوْمُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَكُونُوا جَاحِدِينَ لِلصَّانِعِ، بَلْ مُشْرِكِينَ بِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ:
nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=75أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=76أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=77فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ [سُورَةِ الشُّعَرَاءِ:75-77].
وَقَالَ فِي آخِرِ قَوْلِهِ:
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=78إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=79إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=80وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=81وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [سُورَةِ الْأَنْعَامِ:78-81]، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
[ ص: 357 ]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ
الْقَاضِيَ كَانَ أَوَّلًا يَقُولُ بِطَرِيقَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ هُوَ النَّظَرُ فِي حُدُوثِ الْأَجْسَامِ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ، وَوَافَقَ
nindex.php?page=showalam&ids=14228الْخَطَّابِيَّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً بَلْ هِيَ عِنْدَ مُحَقِّقِيهِمْ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ وَاجِبًا فِي غَيْرِهَا مِنَ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ.
وَقَدِ افْتَتَحَ
الْقَاضِي كِتَابَهُ بِقَوْلِهِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ مُبْتِدِئِ الْأَشْيَاءِ وَمُخْتَرِعِهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، الْعَالِمِ بِهَا قَبْلَ تَكْوِينِهَا، وَالْقَادِرِ عَلَيْهَا قَبْلَ إِنْشَائِهَا، جَاعِلِ الْعَلَامَاتِ، وَنَاصِبِ الدَّلَالَاتِ، وَمُبَيِّنِ الْآيَاتِ، الْآمِرِ أُولِي الْأَبْصَارِ بِالْأَفْكَارِ، وَأُولِي الْأَلْبَابِ بِالِاعْتِبَارِ، أَرْسَلَ الرُّسُلَ بِالْإِنْذَارِ، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ بِالْأَنْوَارِ، وَبَاعِثِ النَّبِيِّينَ، وَمُنْقِذِ الْعَمِينَ. وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى، وَأَمِينُهُ الْمُرْتَضَى، أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْهُدَى نُورًا لِمَنِ الْتَمَسَهُ، وَضِيَاءً لِمَنِ اقْتَبَسَهُ، وَدَلِيلًا لِمَنْ طَلَبَهُ، دَلَّهُمْ فِيهِ عَلَى مَعَانِي حِكْمَتِهِ، وَلَطِيفِ صَنْعَتِهِ، وَبَيَانِ جَلَالِهِ، أَثْبَتَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَهُوَ كَلَامُهُ الَّذِي يُعْجِزُ الْخَلْقَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، لَا مُعَقِّبَ لِأَمْرِهِ، وَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) .
[ ص: 358 ]
ثُمَّ قَالَ: (وَهَذِهِ خُطْبَةُ شَيْخِنَا
أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الشَّافِي قَصَدْتُ أَنْ أَفْتَتِحَ كِتَابِي بِهَا تَبَرُّكًا بِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِيهَا بِالْقَوْلِ وَبِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: الْآمِرِ أُولِي الْأَبْصَارِ بِالْأَفْكَارِ، وَأُولِي الْأَلْبَابِ بِالِاعْتِبَارِ) .
قَالَ: (وَفِي هَذَا بَيَانٌ لِوُجُوبِ النَّظَرِ وَصِحَّتِهِ، وَإِزَالَةِ الْإِشْكَالِ عَمَّنْ تَوَهَّمَ غَيْرَ هَذَا فِي الْمَذْهَبِ) .