الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن أن القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المستحاضة فقال تغتسل من طهر إلى طهر وتتوضأ لكل صلاة فإن غلبها الدم استثفرت

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          140 137 - ( مالك عن سمي ) بضم السين المهملة مصغر ( مولى أبي بكر ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ثقة روى له الجميع ، مات مقتولا سنة ثلاثين ومائة .

                                                                                                          ( أن القعقاع ) بقافين مفتوحتين بينهما عين ساكنة ثم ألف فعين ( ابن حكيم ) الكناني المدني تابعي وثقه أحمد ويحيى وغيرهما وروى له مسلم والأربعة .

                                                                                                          ( وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المستحاضة ؟ فقال : تغتسل من طهر إلى طهر ) .

                                                                                                          قال ابن سيد الناس : اختلف فيه فمنهم من رواه بالطاء المهملة ومنهم من رواه بالظاء المعجمة أي من وقت صلاة الظهر إلى وقت صلاة الظهر ، قال ابن العراقي : وفيه نظر فالمروي إنما هو الإعجام وأما الإهمال فليس رواية مجزوما بها فقد قال أبو داود : قال مالك : إني لأظن حديث ابن المسيب من طهر إلى طهر أي بالإهمال فيهما ولكن الوهم دخل فيه ، قال أبو داود : ورواه مسور بن عبد الملك " من طهر إلى طهر " أي بالإهمال فقلبها الناس .

                                                                                                          وقال ابن عبد البر : قال مالك : ما أرى الذي حدثني به من ظهر إلا قد وهم ، قال أبو عمر : ليس ذلك بوهم لأنه صحيح عن سعيد معروف من مذهبه ، وقد رواه كذلك السفيانان عن سمي به بالإعجام ولم ينفرد به سمي ولا القعقاع فقد رواه وكيع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن المسيب مثله بالإعجام ، وأخرجه ابن أبي شيبة .

                                                                                                          وقال الخطابي : ما أحسن ما قال مالك وما أشبهه بما ظن لأنه لا معنى للاغتسال في وقت صلاة الظهر إلى مثلها من [ ص: 245 ] الغد ولا أعلمه قولا لأحد وإنما هو من طهر إلى طهر وقت انقطاع الحيض . وتعقبه ابن العربي بأن له معنى لأنه إذا سقط لأجل المشقة اغتسالها لكل صلاة فلا أقل من الاغتسال مرة في كل يوم عند الظهر في وقت دفء النهار وذلك للتنظيف ، انتهى .

                                                                                                          قال ابن العراقي : وقوله لا أعلمه قولا لأحد فيه نظر لأن أبا داود نقله عن جماعة من الصحابة والتابعين ، ولعل الخطابي يرى أنه حرف النقل عنهم كما حرف عن ابن المسيب لكن يرد دعوى التحريف ورود مثله عن عائشة بلفظ : تغتسل كل يوم ، وفي رواية عنها : تغتسل عند الظهر حكاهما أبو داود

                                                                                                          وكذا رواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصري بلفظ : تغتسل من صلاة الظهر إلى مثلها من الغد ، انتهى .

                                                                                                          ( وتتوضأ لكل صلاة ) وجوبا عند الجمهور واستحبابا عند مالك .

                                                                                                          ( فإن غلبها الدم استثفرت ) هكذا رواية مالك في الموطأ وكذا الشافعي عنه بالمثلثة بين الفوقية والفاء ، ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك بلفظ : استذفرت بثوب بذال معجمة بدل المثلثة فقيل إنه مثل الاستثفار قلبت الثاء ذالا وهو الثفر والذفر ، وقيل معناه فلتستعمل طيبا تزيل به هذا الشيء عنها ، والذفر بفتح المعجمة والفاء كل رائحة ذكية من طيب أو نتن ، وسمي الثوب طيبا لقيامه مقامه في إزالة الرائحة ، وإن روي بالدال المهملة فمعناه تدفع عن نفسها الذفر بإسكان الفاء وهو الرائحة الكريهة ، فإن قيل : سئل ابن المسيب عن كيفية اغتسال المستحاضة فأجاب بذكر وقته .

                                                                                                          قلت : وفيه من جملة صفاته وهيئاته وكيفية اغتسالها لا تخالف كيفية اغتسال غيرها وإنما تخالف غيرها في الوقت ، فأجاب بذكر ما خالفت فيه غيرها ، أو أنه فهم من السائل استبعاد اغتسالها مع جريان الدم منها ، فأجابه بأن جريانه منها لا يمنع من اغتسالها في وقته وهو وقت صلاة الظهر عنده ، وغايته أنه إذا قوي عليها الدم وغلبها استثفرت ذكره العلامة الولي ابن العراقي .




                                                                                                          الخدمات العلمية