الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      خروج طائفة من الخوارج عليه

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكان سبب ذلك أن معاوية لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز ، قالت فرقة من الخوارج نحو من خمسمائة : جاء ما لا يشك فيه ، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه . فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل ، فبعث إليهم معاوية خيلا من أهل الشام ، فطردوا الشاميين ، فقال معاوية لأهل الكوفة : لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم . فخرجوا إلى الخوارج ، فقالت لهم الخوارج : ويلكم ، ما تبغون ؟ أليس معاوية عدوكم [ ص: 149 ] وعدونا ؟ فدعونا حتى نقاتله ، فإن أصبناه كنا قد كفيناكموه ، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا . فقالوا : لا والله حتى نقاتلكم . فقالت الخوارج : يرحم الله إخواننا من أهل النهر كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة . فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم ، ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على الكوفة عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقال له المغيرة بن شعبة : أتوليه الكوفة وأبوه بمصر وتبقى أنت بين لحيي الأسد ؟ ! فثناه عن ذلك ، وولى عليها المغيرة بن شعبة ، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية ، فقال : أتجعل المغيرة على الخراج ، هلا وليت الخراج رجلا آخر . فعزله عن الخراج وولاه على الصلاة ، فقال المغيرة لعمرو في ذلك ، فقال له : ألست المشير على أمير المؤمنين في عبد الله بن عمرو ؟ قال : بلى . قال : فهذه بتلك .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها ، فبعث معاوية إليه جيشا ليقتلوه ومن معه ، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية ، فسأله في الصفح عنهم والعفو ، فعفا عنهم وأطلقهم ، وولى على البصرة بسر بن أبي أرطاة ، فتسلط على أولاد زياد يريد قتلهم ; وذلك أن معاوية كتب إلى أبيهم ليحضر إليه فتلبث ، فكتب إليه بسر : لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين ، وإلا قتلت بنيك . فبعث أبو بكرة إلى معاوية في ذلك ، فأخذ له أمانا منه ، وقد قال معاوية لأبى بكرة : هل من عهد تعهده إلينا ؟ قال : نعم ، أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك وتعمل صالحا ، فإنك قد تقلدت عظيما ، خلافة الله في خلقه ، فاتق الله ، فإن لك غاية لا تعدوها ، ومن ورائك طالب [ ص: 150 ] حثيث ، وأوشك أن تبلغ المدى ، فيلحق الطالب ، فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه ، وهو أعلم به منك ، وإنما هي محاسبة وتوقيف ، فلا تؤثرن على رضا الله شيئا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثم ولى معاوية في آخر هذه السنة البصرة لعبد الله بن عامر ، وذلك أن معاوية أراد أن يوليها لعتبة بن أبي سفيان ، فقال له ابن عامر : إن لي بها أموالا وودائع ، وإن لم تولنيها هلكت . فولاه إياها وأجابه إلى سؤاله في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو معشر : وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان وقال الواقدي : إنما حج بهم عنبسة بن أبي سفيان . فالله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية