الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        الشهادة على الملك تنبني على ثلاثة أمور وهي اليد والتصرف [ ص: 269 ] والتسامح ، فأما اليد فلا تفيد بمجردها جواز الشهادة على الملك ، لكن إذا رأى الشيء في يده ، جاز أن يشهد له باليد ، وشرط البغوي لذلك أن يراه في يده مدة طويلة ، وحكى الإمام قولا أنه لا تجوز الشهادة بالملك بمجرد اليد ، والمشهور الأول ، وأما التصرف المجرد ، فكاليد المجردة لا يفيد جواز الشهادة بالملك ، فإن اجتمع يد وتصرف فإن قصرت المدة ، فهو كاليد المجردة ، وإن طالت ، ففي جواز الشهادة له بالملك وجهان ، أصحهما : الجواز ، صححه البغوي ، ونقله الإمام عن اختيار الجمهور ، وعن الشيخ أبي محمد القطع به ، فلو انضم إلى اليد والتصرف الاستفاضة ، ونسبة الناس الملك إليه جازت الشهادة بالملك بلا خلاف .

                                                                                                                                                                        ونقل الروياني قولا أنه لا تجوز الشهادة على الملك حتى يعرف سببه وهو شاذ ضعيف . وأما الاستفاضة وحدها ، فهل تجوز الشهادة على الملك بها ؟ وجهان أقربهما إلى إطلاق الأكثرين الجواز ، والظاهر أنه لا يجوز ، وهو محكي عن نصه في حرملة ، واختارها القاضي حسين ، والإمام الغزالي وهو الجواب في " الرقم " .

                                                                                                                                                                        واعلم أن جواز الشهادة بالملك بالاستفاضة مشهورة في المذهب ، فلعل من لا يكتفي به يكتفي بانضمام أحد الأمرين من اليد والتصرف إليه ، أو يعتبرهما جميعا ، لكن لا يعتبر طول المدة فيهما ، وإذا انضما إلى الاستفاضة ، وإلا فهما كافيان إذا طالت المدة على الأصح ، ولا يبقى للاستفاضة أثر ، ويشترط في جواز الشهادة بناء على اليد أو اليد والتصرف أن لا يعرف له منازعا فيه ، ونقل ابن كج وجهين في أن منازعة من لا حجة معه هل تمنع ؟

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        طول مدة اليد والتصرف يرجع فيه إلى العادة ، وقيل : أقلها سنة ، [ ص: 270 ] والصحيح الأول ، وعن الشيخ أبي عاصم أنه إن زادت على عشرة ، فطويلة ، وفيما دونها وجهان ، والقول في عدد المخبرين هنا وامتداد المدة كما سبق في النسب ، ونقل ابن كج وجهين في أنه هل يشترط أن يقع في قلب السامع صدق المخبرين .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        ذكر ابن كج أنه تجوز الشهادة على اليد بالاستفاضة ، وقد ينازع فيه ، لامكان مشاهدة اليد .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لا يكفي أن يقول الشاهد : سمعت الناس يقولون : إنه لفلان ، وكذا في النسب ، وإن كانت الشهادة مبنية عليه ، بل يشترط أن يقول : أشهد بأنه له ، وبأنه ابنه ؛ لأن قد يعلم خلاف ما سمعه من الناس ، لكن عن الشيخ أبي عاصم أنه لو شهد رجل بالملك ، وآخر بأنه في يده مدة طويلة وتصرف فيه بلا منازع ، تمت الشهادة . وقال الشارح لكلامه : هذا مصير منه إلى الاكتفاء بذكر السبب ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        سواء في الشهادة على الملك بالاستفاضة والتصرف العقار والثوب والعبد وغيرها إذا ميز الشهود به عن أمثاله .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        التصرف المعتبر في الباب تصرف الملاك من السكنى ، والدخول والخروج ، والهدم والبناء ، والبيع والفسخ بعده والرهن ، وفي مجرد الإجارة وجهان ، لأنها وإن تكررت قد تصدر ممن استأجر مدة طويلة ومن الموصى له بالمنفعة ، وليجر هذا الخلاف في الرهن ؛ لأنه قد يصدر [ ص: 271 ] من مستعير ، والأوفق لإطلاق الأصحاب الاكتفاء ؛ لأن الغالب صدورها من المالكين ، ولا يكفي التصرف مدة واحدة ؛ لأنه لا يحصل ظنا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لا يثبت الدين بالاستفاضة على الصحيح .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        في قبول شهادة الأعمى فيما يشهد فيه بالاستفاضة وجهان ، قال ابن سريج والجمهور : تقبل إلا أن شهادته إنما تقبل إذا لم يحتج إلى تعيين وإشارة بأن يكون الرجل معروفا باسمه ونسبه الأدنى ، ويحتاج إلى إثبات نسبه الأعلى وصور أيضا في النسب الأدنى بأن يصف الشخص ، فيقول : الرجل الذي اسمه كذا ، وكنيته كذا ، ومصلاه ومسكنه كذا ، هو فلان ابن فلان ، ثم يقيم المدعي بينة أخرى أنه الذي اسمه كذا ، وكنيته كذا إلى آخر الصفات ، وصورته في الملك أن يشهد الأعمى بدار معروفة أنها لفلان ابن فلان ، ويمكن أن يقال : الوجه القائل بأن شهادته لا تقبل ، مخصوص بما إذا سمع من عدد يمكن اتفاقهم على الكذب ، فأما إذا حصل السماع من جمع كبير ، فلا حاجة فيه إلى المشاهدة ، ومعرفة حال المخبرين .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        ما جازت الشهادة به اعتمادا على الاستفاضة ، جاز الحلف عليه اعتمادا عليها بل أولى ؛ لأنه يجوز الحلف على خط الأب دون الشهادة .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية