الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        هل يثبت الوقف بشاهد ويمين ، إن قلنا : الملك فيه للواقف أو الموقوف عليه ، فنعم ، وإن قلنا : لله تعالى ، فوجهان ، أو قولان ، أحدهما : لا ، وبه قال المزني وأبو إسحاق كالعتق ، والثاني : نعم ، وبه قال ابن سريج وابن سلمة ، والعراقيون يميلون إلى ترجيح الأول ، وينسبونه إلى عامة الأصحاب ، لكن الثاني أقوى في المعنى وهو المنصوص ، وصححه الإمام والبغوي وغيرهما ، وجزم به الغزالي .

                                                                                                                                                                        ولو ادعى ورثة ميت على رجل أنه غصب هذه الدار ، وقالوا : كانت [ ص: 285 ] لأبينا وقفها علينا وعلى فلان ، تثبت دعوى الغصب بشاهد ويمين ، ويثبت بهما أيضا الوقف إن أثبتناه بشاهد ويمين ، وإلا فيثبت بإقرارهم . ولو مات عن بنين ، فادعى ثلاثة منهم أن أباهم وقف عليهم هذه الدار ، وأنكر سائر الورثة ، فأقاموا شاهدا ليحلفوا معه تفريعا على ثبوت الوقف بشاهد ويمين ، فلدعواهم صورتان إحداهما :

                                                                                                                                                                        أن يدعوا وقف ترتيب ، فيقولوا : وقف علينا وبعدنا على أولادنا وعلى الفقراء ، فلهم بعد إقامة البينة ثلاثة أحوال : أن يحلفوا جميعا ، فيثبت الوقف ، ولا حق لسائر الورثة في الدار ، فإذا انقرض المدعون ، أخذ البطن الثاني الدار وقفا ، وهل يأخذونه بيمين أم بلا يمين ؟ وجهان ، ويقال قولان ، الأصح عند الجمهور : بلا يمين وهو ظاهر نصه في " المختصر " وإذا انتهى الاستحقاق إلى البطن الثالث والرابع عاد الخلاف ، فإن قلنا : يأخذون بيمين مكان الحق بعد البنين الثلاثة للفقراء ، نظر إن كانوا محصورين ، كفقراء قرية ومحلة ، فكذلك الجواب ، وإن لم يكونوا محصورين فهل يبطل الوقف وتعود الدار إرثا ، أم يصرف إليهم بلا يمين أم يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف بناء على تعذر مصرفه كالوقف المنقطع ؟ فيه ثلاثة أوجه .

                                                                                                                                                                        قلت : الأصح يأخذون بلا يمين وتسقط هنا لتعذرها ولا يبطل الوقف بعد صحته ووجود المصرف بخلاف المنقطع . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو مات أحد الحالفين ، صرف نصيبه إلى الآخرين ، فإن مات آخر ، صرف الجميع إلى الثالث ؛ لأن استحقاق البطن الثاني إنما هو بعد انقراض الأولين ، ثم أخذ الآخرين يكون بلا يمين على المذهب ، وقيل : وجهان كالبطن الثاني .

                                                                                                                                                                        [ ص: 286 ] الحال الثاني : أن ينكلوا جميعا عن اليمين مع الشاهد ، فالدار تركة يقضى منها الدين والوصية ، ويقسم الباقي بين الورثة ، ويكون حصة المدعين وقفا بإقرارهم ، وحصة سائر الورثة طلقا لهم ، فإذا مات المدعون ، لم يصرف نصيبهم إلى أولادهم على سبيل الوقف إلا بيمين على الأصح ، وقيل : يصرف إليهم وقفا بلا يمين ، ولو أراد الأولاد أن يحلفوا ويأخذوا جميع الدار وقفا ، فلهم ذلك على الأظهر ، لأنهم أصحاب حق ، فإذا أبطل آباؤهم حقهم بالنكول ، فلهم أن لا يبطلوا حقهم ، ويجري القولان ، سواء قلنا : لو لم يحلفوا لا يكون شيء منها وقفا ، أم قلنا : حصة الأولين تبقى وقفا ، وإن لم يحلفوا ، وهل يجري القولان في حياة الأولين إذا نكلوا ؟ وجهان ، أحدهما : نعم ، لبطلان حقهم ، وتعذر الصرف إليهم بنكولهم ، كما لو ماتوا ، وأصحهما : لا ؛ لأن استحقاق البطن الثاني شرطه انقراض الأول .

                                                                                                                                                                        الحال الثالث : أن يحلف بعضهم دون بعض ، فإذا حلف واحد ، ونكل اثنان ، أخذ الحالف الثلث وقفا ، وأما الباقي ، فهو تركة تقضى منها الديون والوصايا ، فما فضل ، ففيه وجهان ، قال في " الشامل " : يقسم بين جميع الورثة ، فما خص البنين الثلاثة كان وقفا على الناكلين ؛ لأن الحالف معترف لهما بذلك .

                                                                                                                                                                        والأصح وبه قطع المحاملي والبغوي وغيرهما أنه يقسم بين المنكرين من الورثة واللذين نكلا دون الحالف ؛ لأنه مقر بانحصار حقه فيما أخذ ، ثم حصة الناكلين تكون وقفا بإقرارهما ، فإذا مات الناكلان والحالف حي ، فنصيبهما للحالف على ما شرط الواقف بإقرارهما ، وفي اشتراط يمينه الوجهان ، فإذا مات الحالف ، فالاستحقاق للبطن الثاني ، وفي حلفهم الخلاف السابق ، وإن كان الحالف ميتا عند موت الناكلين ، فأراد أولادهما أن يحلفوا ، فعلى القولين السابقين في أولاد الجميع إذا نكلوا ، الأظهر لهم الحلف ، وفي نصيب الحالف الميت [ ص: 287 ] قبلهما ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                                                        أحدها : يصرف إلى الناكلين ، فعلى هذا في حلفهما الخلاف ، فإن قلنا : يحلفان ، فنكلا سقط هذا الوجه ، والثاني : يصرف إلى البطن الثاني ، وهو الأصح عند الجمهور ، وهو ظاهر إشارته في " الأم " لأنهما أبطلا حقهما بنكولهما ، وصارا كالمعدومين . والثالث أنه وقف تعذر مصرفه ، فعلى هذا هل يبطل أم يبقى ، وإذا بقي فهل يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف أم كيف حاله ؟ فيه خلاف سبق في الوقف بتفريعه ، والمذهب أنه يبقى وقفا ، ويصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف ، فعلى هذا إذا زال التعذر بموت الناكلين ، صرف إلى البطن الثاني ، ويجيء في حلف أقرب الناس إذا قلنا : يصرف إليهم الخلاف .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا تصادقت الورثة على أن الدار وقف أبيهم ، ثبت الوقف ، ولا حاجة إلى شاهد ويمين .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        ادعوا على رجل دارا في يده أنه وقفها عليهم ، أو على ورثة أن مورثهم وقفها عليهم وأقاموا شاهدا نظر : أحلفوا مع شاهدهم ، أم نكلوا ، أم حلف بعضهم ، ونكل بعضهم ، وتجيء الأحوال الثلاثة كما سبق ، لكن حيث جعلنا كل المدعى أو بعضه تركة هناك ، ترك هنا في يد المدعى عليه .

                                                                                                                                                                        الصورة الثانية : أن يدعوا وقف تشريك ، فيقول البنون الثلاثة في المثال المذكور : هو وقف علينا وعلى أولادنا وأولاد أولادنا ما تناسلنا ، [ ص: 288 ] فإذا انقرضنا ، فعلى الفقراء ، فأقاموا بذلك شاهدا ، وإن حلفوا معه أخذوا الدار وقفا ، ثم إذا حدث لأحدهم ولد ، فمقتضى الوقف شركته ، فيوقف ربع الغلة إلى أن يبلغ ، فيصرف إليه إن حلف ، ولم يجعلوه على الخلاف في أن البطن الثاني هل يحتاجون إلى يمين إذا حلف البطن الأول ، بل جزموا باحتياجه إلى اليمين بعد البلوغ إلا السرخسي ، فحكى فيه وجها .

                                                                                                                                                                        ثم إن الربع الموقوف هل يوقف في يد البنين الثلاثة ، أم ينتزع ، ويجعله في يد أمين ؟ وجهان أصحهما : الثاني ، فإن نكل بعد بلوغه صرف الموقوف إلى الثلاثة ، وجعل كأنه لم يولد ، هذا هو المنصوص ، وبه قال الجمهور ، وحكي وجه أو تخريج أن نصيب المولود وقف تعذر مصرفه ، فيجيء الخلاف السابق ؛ لأن الثلاثة معترفون بأنه له ، فكيف يأخذونه بامتناعه باليمين ، ولو مات بعد البلوغ والنكول ، لم يستحقها .

                                                                                                                                                                        فأما رقبة الوقف وغلتها بعد موت الولد ، فمقتضى الشرط أن يستغرقها الثلاثة الحالفون ، وليس عليهم تجديد يمين على المذهب ، وكأن المولود لم يكن . ولو مات أحد الحالفين في صغر الولد وقف من يوم موته للولد ثلث الغلة ؛ لأن المستحقين صاروا ثلاثة فإن بلغ وحلف ، أخذ الربع والثلث الموقوفين ، وإن نكل صرف الربع إلى الابنين الباقيين وورثة الميت ، وصرف الثلث إلى الباقين خاصة ، ويعود فيه التخريج السابق .

                                                                                                                                                                        ولو بلغ الولد مجنونا أدمنا الوقف طمعا في إفاقته ، فإن ولد له قبل أن يفيق وقف له الخمس ، وللمولود الخمس من يوم ولادة الولد ، فإن أفاق المجنون ، وبلغ ولده وحلفا ، أخذ المجنون الربع من يوم ولادته إلى يوم ولادة ولده ، والخمس من يومئذ ، وأخذ ولده الخمس من يومئذ . ولو مات المجنون في جنونه [ ص: 289 ] بعدما ولد ولد له ، فالقلة الموقوفة لورثته إذا حلفوا ، ويوقف لولده من يوم ثبوته ربع الغلة ، هذا كله إذا حلف المدعون الثلاثة أولا ، فإن نكلوا عن اليمين مع الشاهد ، فلمن حدث بعدهم أيحلف بلا خلاف ؛ لأنه شريك الأولين بتلقي الوقف من الواقف لا محالة ، وإن حلف بعضهم دون بعض ، أخذ الحالف نصيبه ، وبقي الباقي على ما كان . وبالله التوفيق .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية