الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              2508 [ 1458 ] وعن عبد الله بن الزبير أنه قام بمكة فقال: إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة - يعرض برجل - فناداه فقال: إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين؛ يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك، فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك. قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينما هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة، فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلا قال: ما هي؟ والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين. قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين، ونهى عنها.

                                                                                              رواه مسلم (1406) (27)، وأبو داود (3072)، والنسائي ( 6 \ 126 ).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله: يعرض برجل ) يعني به: ابن عباس ، وكان إذ ذاك قد عمي، وكان هذا من عبد الله زمن إمارته، وإنما قدعه ابن الزبير بهذا القول؛ لظهور الناسخ لنكاح المتعة، وشهرة الأحاديث في ذلك، فكأنه نسبه إلى التفريط. وكان [ ص: 99 ] عبد الله بن عباس في آخر عمره قل ما يصغي لمن يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم من قوله: ( فلما ركب الناس الصعب والذلول لم يأخذ من الناس إلا ما يعرف ). وكان قد عرف الإباحة فاقتصر عليها، ولم يصغ إلى غيرها. كما قال: ( لقد كانت تفعل على عهد إمام المتقين رسول رب العالمين، رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                              و ( الجلف ) و ( الجافي ) هما بمعنى واحد؛ قاله ابن السكيت وغيره. وكررهما لفظا لاختلافهما على عادة العرب في ذلك، وعليه حملوا: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله [يوسف: 86] و: حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين [يوسف: 85]. وأصل الجلف: الشاة المسلوخة بغير رأس ولا قوائم، قاله القتبي والهروي .

                                                                                              و ( التائه ): الحائد عن مقصوده، الحائر.

                                                                                              و (قوله: لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك ) حجة لأحد القولين المتقدمين في أن من نكح نكاح المتعة أقيم عليه الحد. ويحتمل أن يحمل على الإرهاب والتغليظ.

                                                                                              وكنايتهم عن ابن عباس في هذه المسألة ب (رجل) ستر منهم له؛ لأجل هذه الفتيا التي صدرت عنه، فإنها ما كانت تليق بعلمه، ولا بمنصبه في الفضل والدين.

                                                                                              وإنكار علي ، وابن الزبير ، وغيرهما، وإغلاظهم عليه، ولا منكر عليهم، يدل على أن تحريم ذلك كان عندهم معلوما.

                                                                                              [ ص: 100 ] وقول ابن عباس : ( لقد فعلت على عهد إمام المتقين ) تنبيه منه: على أنه لو كانت المتعة مما يتقى: لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بتقاة ذلك، فإنه أتقى لله، وأخوف من كل متق.

                                                                                              وقول ابن أبي عمرة هو الحق الصريح، كما شهدت له الأحاديث الصحيحة المتقدمة.




                                                                                              الخدمات العلمية