الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ذواتا أفنان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان

"من" في قوله تعالى: "ولمن خاف" يحتمل أن تقع على جميع المتصفين بالخوف الزاجر عن معاصي الله تعالى، ويحتمل أن تقع لواحد منهم، وبحسب هذا قال بعض الناس في هذه الآية: إن كل خائف له جنتان، وقال بعضهم: إن جميع الخائفين لهم جنتان، و"المقام" هو وقوف العبد بين يدي ربه تعالى، يفسره: يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وأضاف المقام إلى الله تعالى من حيث هو بين يديه. قال الثعلبي : "مقام ربه" قيامه على العبد، بيانه أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، وحكى الزهراوي هذا المعنى عن مجاهد ، وفي هذه الإضافة تنبيه على صعوبة الموقف، وتحريض على الخوف الذي هو أسرع المطايا إلى الله عز وجل، وقال قوم: أراد جنة واحدة وثنى على نحو قوله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ، وقول الحجاج : يا غلام اضربا عنقه، وهذا ضعيف; لأن معنى التثنية متجه بلا وجه للفرار إلى هذه الشاذة، ويؤيد التثنية قوله تعالى: ذواتا أفنان وهي تثنية "ذات" لأن أصل "ذات" ذوات.

و"الأفنان" يحتمل أن يكون جمع فنن وهو الغصن، وهذا قول مجاهد ، فكأنه تعالى مدحها بظلالها وتكاثف أغصانها، ويحتمل أن يكون جمع فن، وهو قول ابن عباس [ ص: 178 ] رضي الله عنهما، فكأنه تعالى مدحها بكثرة أنواع فواكهها ونعيمها. و"زوجان" معناه: نوعان، و "متكئين" حال، إما من محذوف تقديره: يتنعمون متكئين وإما من قوله تعالى: "ولمن خاف"، و"الاتكاء": جلسة المتنعم المتمتع، وقرأ جمهور الناس: "فرش" بضم الراء، وقرأ أبو حيوة: "فرش" بسكون الراء، وروي في الحديث أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه البطائن من إستبرق فكيف الظواهر؟ قال عليه الصلاة والسلام: "هي من نور يتلألأ"، و"الإستبرق" ما خشن وحسن من الديباج، و"السندس" ما رق منه، وقد تقدم القول في لفظة الإستبرق، وقرأ ابن محيصن: "من استبرق" على أنه فعل والألف وصل.

"والجنى" ما يجتنى من الثمار، ووصفه بالدنو لأنه فيما روي في الحديث يتناوله الرجل على أي حالة كان من قيام أو جلوس أو اضطجاع لأنه يدنو إلى مشتهيه.

[ ص: 179 ] والضمير في قوله تعالى: " فيهن" للفرش، وقيل: للجنات; إذ الجنتان جنات في المعنى.

و: "قاصرات الطرف" هن الحور العين قصرن ألحاظهن على أزواجهن. وقرأ أبو عمرو عن الكسائي وحده، وطلحة ، وعيسى ، وأصحاب علي، وابن مسعود رضي الله عنهما: "يطمثهن" بضم الميم، وقرأ جمهور القراء: "يطمثهن" بكسر الميم، والمعنى: لم يفتضضهن; لأن الطمث دم الفرج فيقال لدم الحيض: طمث، ويقال لدم الافتضاض: طمث، فإذا نفي الطمث فقد نفي القرب منهن بجهة الوطء، قال الفراء : لا يقال "طمث" إلا إذا افتض، وقال غيره: "طمث" معناه: جامع بكرا أو غيرها.

واختلف الناس في معنى قوله تعالى: "ولا جان" - فقال مجاهد : الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج الله تعالى، فتنفي هذه الآية جميع المجامعات، وقال حمزة بن حبيب : الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف من الجن نوعهم، فنفى في هذه الآية الافتضاض عن البشريات والجنيات، ويحتمل اللفظ أن يكون مبالغة وتأكيدا كأنه تعالى قال: لم يطمثهن شيء، أراد العموم التام لكنه صرح من ذلك بالذي يعقل منه أن يطمث، وقال أبو عبيدة والطبري : إن من العرب من يقول: ما طمث هذا البعير حبل قط، أي: ما مسه، فإن كان هذا المعنى: ما أدماه حبل، فهو يقرب من الأول، وإلا فهو معنى آخر غير ما قدمناه. وقرأ الحسن، وعمرو بن عبيد : "ولا جأن" بالهمز.

التالي السابق


الخدمات العلمية