الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            14 - قطع المجادلة عند تغيير المعاملة

            بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، وبعد . . فقد كثر السؤال عما وقع كثيرا في هذه الأزمان وهو اختلاف الخصوم في المطالبة بعد المناداة على الفلوس كل رطل بثلاثين درهما بعد أن كانت ستة وثلاثين ، وهل يطالب من عليه الدين بقيمته يوم اللزوم أو يوم المطالبة ؟ وهل يأخذ من الفلوس الجدد المتعامل بها عددا بالوزن أو بالعدد ؟ فرأيت أن أنظر في ذلك وفي جميع فروعه تخريجا على القواعد الفقهية ، وكذا لو نودي على الذهب أو الفضة ، وقد وقع في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عكس ما نحن فيه وهو عزة الفلوس وغلوها بعد كثرتها ورخصها ، وتكلم في ذلك قاضي القضاة جلال الدين البلقيني كلاما مختصرا فنسوقه ثم نتكلم بما وعدنا به : نقلت من خط شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام علم الدين البلقيني رحمه الله قال في فوائد الأخ شيخ الإسلام جلال الدين وتحريره ما قال : اتفق في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عزة الفلوس بمصر وعلى الناس ديون في مصر من الفلوس ، وكان سعر الفضة قبل عزة الفلوس كل درهم بثمانية دراهم من الفلوس ثم صار بتسعة وكان الدينار الأفلوري بمائتين وستين درهما من الفلوس ، والهرجة بمائتين وثمانين ، والناصري بمائتين وعشرة ، وكان القنطار المصري ستمائة درهم ، فعزت الفلوس ونودي على الدرهم بسبعة دراهم ، وعلى الدينار بناقص خمسين ، فوقع السؤال عمن لم يجد فلوسا وقد طلب منه صاحب دينه الفلوس فلم يجدها ، فقال : أعطني عوضا عنها ذهبا أو فضة بسعر يوم المطالبة ، ما الذي يجب عليه ؟ ، وظهر لي في ذلك أن هذه المسألة قريبة الشبه من مسألة إبل الدية ، والمنقول في إبل الدية أنها إذا فقدت فإنه يجب قيمتها بالغة ما بلغت على الجديد ، قال الرافعي : فتقوم الإبل بغالب نقد البلد [ ص: 114 ] وتراعى صفتها في التغليظ ، فإن غلب نقدان في البلد تخير الجاني ، وتقوم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها ، فإن كانت له إبل معيبة وجبت قيمة الصحاح من ذلك الصنف ، وإن لم يكن هناك إبل فيقوم من صنف أقرب البلاد إليهم ، وحكى صاحب التهذيب وجهين في أنه هل تعتبر قيمة مواضع الوجود أو قيمة بلد الإعواز لو كانت الإبل موجودة فيها ؟ والأشبه الثاني ، ووقع في لفظ الشافعي أنه يعتبر قيمة يوم الوجوب ، والمراد على ما يفهمه كلام الأصحاب يوم وجوب التسليم ، ألا تراهم قالوا إن الدية المؤجلة على العاقلة تقوم كل نجم منها عند محله ، وقال الروياني : إن وجبت الدية والإبل مفقودة فتعتبر قيمتها يوم الوجوب ، أما إذا وجبت وهي موجودة فلم يتفق الأداء حتى أعوزت تجب قيمة يوم الإعواز ؛ لأن الحق حينئذ تحول إلى القيمة انتهى ، قال : فهذه تناظر مسألتنا لأنه وجب عليه متقوم معلوم الوزن وهو قنطار من الفلوس مثلا فلم يجده ، فإن جرينا على ظاهر النص الذي نقله الرافعي فلا يلزمه الحاكم إلا بقيمة يوم الإقرار فينظر في سعر الذهب والفضة يوم الإقرار ويحكم عليه القاضي بذلك ، وإن قلنا بما قاله الروياني فتجب قيمتها يوم الإعواز فإن الأقارير كانت قبل العزة - انتهى ما أجاب به ابن البلقيني .

            واعلم أنه نحا في جوابه إلى اعتبار قيمة الفلوس ، وذلك لأنها عدمت أو عزت فلم تحصل إلا بزيادة ، والمثلي إذا عدم أو عز فلم يحصل إلا بزيادة لم يجب تحصيله كما صححه النووي في الغصب بل يرجع إلى قيمته ، وإنما نبهت على هذا لئلا يظن أن الفلوس من المتقومات وإنما هي من المثليات في الأصح ، والذهب والفضة المضروبان مثليان بلا خلاف ، إلا أن في المغشوش منهما وجها أنه متقوم ، إذا تقرر هذا فأقول : تترتب الفلوس في الذمة بأمور منها : القرض ، وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقا ، فإذا اقترض منه رطل فلوس فالواجب رد رطل من ذلك الجنس سواء زادت قيمته أم نقصت ، أما في صورة الزيادة فلأن القرض كالسلم وسيأتي النقل فيه ، وأما في صورة النقص فقد قال في الروضة من زوائده ، ولو أقرضه نقدا فأبطل السلطان المعاملة به فليس له إلا النقد الذي أقرضه ، نص عليه الشافعي رضي الله عنه ، فإذا كان هذا مع إبطاله فمع نقص قيمته من باب أولى ، ومن صورة الزيادة أن تكون المعاملة بالوزن ثم ينادى عليها بالعدد ، ويكون العدد أقل وزنا ، وقولي : فالواجب إشارة إلى ما يحصل الإجبار عليه من الجانبين ، هذا على دفعه وهذا على قبوله وبه يحكم الحاكم ، أما لو تراضيا على زيادة [ ص: 115 ] أو نقص فلا إشكال ، فإن رد أكثر من قدر القرض جائز بل مندوب ، وأخذ أقل منه إبراء من الباقي ، وقولي من ذلك الجنس احتراز من غيره ، كأن أخذ بدله عروضا أو نقدا ذهبا أو فضة ، وهذا مرجعه إلى التراضي أيضا ، فإنه استبدال وهو من أنواع البيع ولا يجبر فيه واحد منهما ، فإن أراد أخذ بدله فلوسا من الجدد المتعامل بها عددا فهل هو من جنسه لكون الكل نحاسا أو لا لاختصاصه بوصف زائد وزيادة قيمة ؟ محل نظر ، والظاهر الأول ، لكن لا إجبار فيها أيضا لاختصاصها بما ذكر ، فإن تراضيا على قدر فذاك ، وإلا فلا يجبر المدين على دفع رطل منها لأنه أزيد قيمة ، ولا يجبر الدائن على أخذ قدر حقه منها عددا لأنه أنقص وزنا ، فإن عدمت الفلوس العتق فلم توجد أصلا رجع إلى قدر قيمتها من الذهب والفضة ، ويعتبر ذلك يوم المطالبة ، فيأخذ الآن لو قدر انعدامها في كل عشرة أرطال دينارا ، ولو اقترض منه فلوسا عددا كستة وثلاثين ثم أبطل السلطان المعاملة بها عددا وجعلها وزنا كل رطل بستة وثلاثين كما وقع في بعض السنين ، فإن كان الذي قبضه معلوم القدر بالوزن رجع بقدره وزنا ولا تعتبر زيادة قيمته ولا نقصها ، وإن لم يكن وزنه معلوما فهو قرض فاسد لأن شرط القرض أن يكون المقرض معلوم القدر بالوزن أو الكيل ، وقرض المجهول فاسد والعدد لا يعتبر به والمقبوض [ بالقرض ] الفاسد يضمن بالمثل أو بالقيمة ، وهنا قد تعذر الرجوع إلى المثل للجهل بقدره فيرجع إلى القيمة ، وهل يعتبر قيمة ما أخذه يوم القبض أو يوم الصرف ؟ الظاهر الأول فقد أخذ ما قيمته يوم قبضه ستة وثلاثون فيرد ما قيمته الآن كذلك وهو رطل أو مثله من الفضة أو الذهب .

            فرع : فإن وقع مثل ذلك في الفضة فإن اقترض منه أنصافا بالوزن ثم نودي عليها بأنقص أو بأزيد أو بالعدد أو اقترض عددا ثم نودي عليها بالوزن فلا يخفى قياسه على ما ذكرنا .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية