الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                معلومات الكتاب

                الأشباه والنظائر على مذاهب أبي حنيفة النعمان

                ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                صفحة جزء
                [ ص: 23 ] والتمييز بين الجائز والفاسد في وجوه الأحكام ، 19 - بحوره زاخرة ، 20 - ورياضه ناضرة ، 21 - ونجومه زاهرة 22 - وأصوله ثابتة وفروعه نابتة ، [ ص: 24 ] لا يفنى بكثرة الإنفاق كنزه ، 24 - ولا يبلى على طول الزمان عزه ، 25 -

                وإني لا أستطيع كنه صفاته ولو أن أعضائي جميعا تكلم

                . [ ص: 25 ] وأهله قوام الدين وقوامه ، 27 - وبهم ائتلافه وانتظامه ، 28 - وإليهم المفزع في الدنيا والآخرة . [ ص: 26 ] والمرجع في التدريس والفتوى ، 30 - خصوصا أن أصحابنا رحمهم الله لهم خصوصية السبق في هذا الشأن . [ ص: 27 ] والناس لهم أتباع ; 32 - والناس في الفقه عيال على أبي حنيفة رضي الله عنه ، 33 - ولقد أنصف الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال : من أراد أن يتبحر في الفقه فلينظر إلى كتب أبي حنيفة رحمه الله ، 34 - كما نقله ابن وهبان عن حرملة ، [ ص: 28 ] وهو كالصديق رضي الله عنه ،

                [ ص: 23 ]

                التالي السابق


                [ ص: 23 ] والتمييز بين الجائز والفاسد في وجوه الأحكام : التمييز عزل الشيء من الشيء وإفرازه كما في القاموس وفي المصباح ميزت الشيء أي عزلته وفصلته من غيره والتفعيل مبالغة وذلك يكون في المنهيات نحو { ليميز الله الخبيث من الطيب } والجائز الماضي والنافذ والمراد به هنا المباح وقد فرقوا بين المباح والجائز بأن كل مباح جائز دون العكس لأن الجواز ضد الحرمة ، والإباحة ضد الكراهة فإذا انتفى الجواز ثبت ضده وهو الحرمة فتنتفي الإباحة أيضا وإذا انتفت الإباحة ثبت ضدها وهو الكراهة ولا ينتفي به الجواز لجواز اجتماع الجواز مع الكراهة كذا في العناية .

                والفاسد من الفساد ضد الصلاح والمراد به هنا كل ما منع عنه شرعا .

                ووجوه الأحكام طرقها والأحكام جمع حكم وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين . ( 19 )

                بحوره زاخرة : البحر الماء الكثير أو الملح فقط كما في القاموس وزاخرة من زخر البحر ظمأ وتملأ وفي الكلام استعارة مكنية وتخييلية ومرشحة . ( 20 )

                ورياضه ناضرة : الرياض جمع روضة ويجمع على روض والريضة بالكسر من الرمل والعشب مستنقع الماء لاستراضة الماء فيها أي لاستنقاعه والناضر الشديد الخضرة ويبالغ به في كل لون فيقال أخضر ناضر أو أصفر أو أحمر ناضر أو في الكلام استعارة مكنية وتخييلية وترشيحية . ( 21 )

                ونجومه زاهرة : النجوم جمع نجم وهو الكوكب وزاهرة منيرة مشرقة من زهر زهورا تلألأ . ( 22 )

                وأصوله ثابتة وفروعه نابتة : الأصول جمع أصل وهو لغة أسفل الشيء وفي العرف ما يبتنى عليه غيره والمراد بها الكتاب والسنة والإجماع والقياس .

                والفروع جمع [ ص: 24 ] فرع ضد الأصل وفي العرف ما يبتنى على غيره والمراد بها الأشياء الثابتة أحكامها بالأصول المتقدمة من الفرض والواجب والمسنون والمندوب والحلال والحرام والمكروه كراهة تحريمية وتنزيهية .

                والنابت اسم فاعل من نبت الزرع إذا ظهر من الأرض والمراد به هنا ظهور أحكام تلك الفروع . ( 23 )

                لا يفنى بكثرة الإنفاق كنزه : شبه مسائل الفقه بالشيء النفيس المكنز تحت الأرض تشبيها مضمرا في النفس وأثبت له شيئا من روادف المشبه به تخييلا وهو الكنز على طريق الاستعارة المكنية المستتبعة للتخيلية وشبه تعاطي المسائل الفقهية بالإفادة بالإنفاق على طريق الاستعارة المكنية المستتبعة للتخيلية وشبه تعاطي المسائل الفقهية بالإفادة بالإنفاق على طريق الاستعارة الأصلية التصريحية وقوله بكثرة الإنفاق أي بالإنفاق الكثير من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها . ( 24 )

                ولا يبلى على طول الزمان عزه : يبلى من بلي الثوب يبلى بلاء فني وقوله على طول الزمان من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الزمان الطويل .

                وعلى بمعنى لام التعليل أو بمعنى من والتقدير لا يفنى عز العلم لأجل مضي الزمان الطويل عليه أو لا يبلى بلاء ناشئا من طول الزمان والمراد بعز العلم الجاه والشرف الحاصل به وفي منشور الحكم : كل عز فإلى ذل مصيره ، إلا عن العلم . ( 25 )


                وإني لا أستطيع كنه صفاته ولو أن أعضائي جميعا تكلم

                بيت شعر لا أعلم قائله والاستطاعة القدرة على الشيء .

                والكنه بالضم جوهر الشيء وقدره وغايته .

                والصفات جمع صفة وهي ما قام بالشيء كالعلم والسيادة والأعضاء جمع عضو بالضم والكسر كل لحم وافر بعظمه وتكلم أصله تتكلم فحذفت إحدى التاءين تخفيفا والمعنى أني لا أقدر على إدراك ذكر غاية صفاته أو قدر صفاته لو فرض أن جميع أعضائي تتكلم بصفاته فما بالك وليس من أعضائي يتكلم إلا عضو واحد وهو اللسان . [ ص: 25 ]

                وأهله قوام الدين وقوامه : أهل الرجل عشيرته وقرابته وأهل الأمر ولاته وأهل البيت سكانه وأهل المذهب من يدين به وهذا هو المراد هنا والقوام بالكسر نظام الأمر وعماده وملاكه والقوام بضم القاف وتشديد الواو جمع قيم وهو من ينتصب للشيء ويقوم بخدمته ومنه قيم الوقف .

                وفرق في المبسوط بين القيم والمتولي فقال القيم من فوض إليه الحفظ والجمع والتفريق والقيم تحت يد المتولي وهو يفعل بإذنه . ( 27 )

                وبهم ائتلافه وانتظامه : الائتلاف مصدر ألفه كعلمه بمعنى الموافقة والانتظام مطاوع نظمه فانتظم أي أقامه فاستقام وذلك الانتظام الحاصل بهم بإفادتهم لمسائل الدين تقريرا وتحريرا . ( 28 )

                وإليهم المفزع في الآخرة والدنيا : المفزع مصدر ميمي بمعنى الالتجاء والآخرة والأخرى دار البقاء والدنيا نقيض الآخرة وقد ينون والجمع دنى كذا في القاموس وفي تفسير العلامة ابن عرفة عند قوله تعالى في سورة البقرة { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } ما نصه دنيا فعلى تأنيث الأدنى من الدنو وهو القرب وألفها للتأنيث ولا تحذف منها إلا ضرورة كقوله :

                يوم ترى النفوس ما أعدت في سعي دنيا طالما مدت

                وهذه قاعدة وهي كل فعلى صفة لامها واو تبدل ياء نحو العليا والدنيا فأما قولهم " القصوى عند تميم والحلوى عند الجميع " فشاذ فلو كانت فعلى اسما صحت الواو كقوله : إذا رأى بحزوى هجت لعين عبرة فاء الهوى يرفض أو يترقرق وقد استعملت استعمال الأسماء فلم يذكر موصوفها قال الله تعالى { تريدون عرض الدنيا } وقال ابن السراج في المقصور والممدود : والدنيا مقصورة مؤنثة تكتب [ ص: 26 ] بالألف هذا لغة نجد وتميم إلا أن أهل الحجاز وبني أسد يلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات الواو ويقلبون دنوى سروى وكذلك يفعلون بكل فعلى موضع لامها واو يفتحون أولها ويقلبون ياءها واوا وأما أهل اللغة الأولى فيضمون الدال ويقلبون الواو ياء لاستثقالهم الواو مع الضمة . ( 29 )

                والمرجع في التدريس والفتوى : المرجع مصدر ميمي بمعنى الرجوع وهو العود إلى الشيء والتدريس من درس الكتاب قرأه قال الشاعر :

                هذا سراقة للقرآن يدرسه

                .

                والفتيا والفتوى وتفتح ما أفتى به الفقيه وأفتاه في الأمر أبانه كذا في القاموس وفي حواشي الكشاف للسيد السند اشتقاق الفتوى من الفتي لأنها جواب في حادثة أو إحداث حكم أو تقوية لبيان مشكل يعني أنه يلاحظ فيها ما ينبئ عنه الفتي من الحدوث أو القوة لا أن المراد حقيقة الاشتقاق . وعرفها بعض المحققين بأنها الإخبار عن الحكم على غير وجه الإلزام قيل احترز بالقيد الأخير عن القضاء وفيه نظر إذ القضاء إنشاء فلا يصدق ما قبل هذا القيد عليه وقال بعضهم الفتوى مأخوذ عن الفتى وهو الشاب القوي سمي الحكم فتوى لتقوي السائل به في جواب الحادثة وفيه أن الفتوى بيان حكم الحادثة وهو جوابها لا الحكم كما ذكر . قال في المجمل أفتى الفقيه في المسألة إذا بين حكمها . قال في البيان أفتوني أجيبوني عن سؤال رؤياي في المنام أفتوني في أمري أجيبوني . ( 30 )

                خصوصا أن أصحابنا رحمهم الله لهم خصوصية السبق في هذا الشأن : خصوصا مصدر خصه على غير قياس وهو منصوب بفعل محذوف مع ملاحظة مفعول به مقدر في نظم الكلام والتقدير أخص أصحابنا بالإنصاف بما ذكر خصوصا .

                وقوله إن أصحابنا إلخ تعليل للتخصيص بما ذكر مع ملاحظة لام التعليل المقدرة التي لأجلها فتحت همزة أن والتقدير إنما خصصت أصحابنا بالاتصاف بما ذكر لأن أصحابنا لهم خصوصية السبق في هذا الشأن والخصوصية بالضم وتفتح بمعنى الاختصاص والمراد [ ص: 27 ] بأصحابنا أصحاب مذهبنا وهم أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله .

                والسبق التقدم وهذا الشأن ما ذكره من التدريس والفتوى ونحوهما .

                هكذا يجب أن يفهم هذا المحل . ( 31 )

                والناس لهم أتباع : الناس يجوز أن يقرأ بالنصب عطفا على دخول أن قبله مع ملاحظة أداة التعليل .

                والمعنى على هذا إنما خصصت أصحابنا بالاتصاف بما ذكر لأن الناس لهم أتباع ويجوز أن يقرأ بالرفع وتكون الواو للحال والتقدير على هذا لأن أصحابنا لهم خصوصية السبق في هذا الشأن والحال أن الناس لهم أتباع والناس البشر وقد اختلف في اشتقاقه فقيل من ناس ينوس إذا تحرك وقيل من الأنس وهو السكون والألفة وقيل من النسيان وعلى الثاني قول الشاعر :

                وما سمي الإنسان إلا لأنسه وما القلب إلا أنه يتقلب

                والأتباع جمع تبع محركة وهو من يمشي خلفك ويأخذ بقولك . ( 32 )

                والناس في الفقه عيال على أبي حنيفة رحمه الله : هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره أن يقال لم كان الناس أتباعا لأصحابك فيما ذكر ؟ فقال الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وأصحابه رحمه الله أي كالعيال والعيال ككتاب جمع عيل وهو من يكون نفقته على غيره . ( 33 )

                ولقد أنصف الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال من أراد أن يتبحر في الفقه فلينظر إلى كتب أبي حنيفة رحمه الله : أنصف من الإنصاف وهو العدل وحيث هنا ظرف زمان والمعنى ولقد عدل الشافعي وقت قوله هذا والتبحر التوسع يقال تبحر في العلم توسع وتعمق ونظر الشيء وإليه تأمل بالبصر وقوله إلى كتب أبي حنيفة أي كتب أصحاب أبي حنيفة المصنفة على مذهبه لأن أبا حنيفة لم يصنف شيئا سوى الفقه الأكبر في علم الكلام على ما اشتهر . ( 34 )

                كما نقله ابن وهبان عن حرملة : أي على ما نقله وإلا ما هنا عينه لا مثله [ ص: 28 ] وحرملة بالحاء المهملة وهو ابن عبد الله بن حرملة صاحب الشافعي كما في القاموس وذكر الحافظ الذهبي في كتابه المسمى بالصحيفة في مناقب فقيه الوقت أبي حنيفة أن المزني روى عن الشافعي ( رحمه الله ) هذا الذي رواه حرملة ونقل أيضا في الكتاب المذكور عن أحمد بن الصباح قال سمعت الشافعي يقول : قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة قال نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته .

                ونقل أيضا في الكتاب المذكور عن أحمد بن مفلس قال حدثنا مقاتل قال سمعت ابن المبارك يقول إن الأثر قد عرف وإن احتيج إلى الرأي فرأي مالك وسفيان وأبي حنيفة ; وأبو حنيفة أحسنهم رأيا وأدقهم فطنة وأغوصهم على الفقه وهو أفقه الثلاثة . ( 35 )

                وهو كالصديق رضي الله عنه : جملة مستأنفة سيقت لبيان إحراز أبي حنيفة رحمه الله قصب السبق في العلم والفضل والصديق كسكيت لقب أبي بكر رضي الله عنه شيخ الخلفاء ووجه الشبه بينهما أن كلا منهما ابتدأ أمرا لم يسبق إليه وذلك أن أبا حنيفة رحمه الله ابتدأ تدوين الفقه وكان قبله محفوظا في الصدور وأبو بكر رضي الله تعالى عنه ابتدأ جمع القرآن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بمشورة عمر رضي الله تعالى عنه كذا قيل .

                وقيل وجه الشبه بينهما أن الصديق أول من آمن من الرجال وأبا حنيفة رحمه الله أول من دون الفقه




                الخدمات العلمية