الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                377 - ومنها حديث النفس لا يؤاخذ به 378 - ما لم تتكلم ، أو تعمل به [ ص: 173 ] كما في حديث مسلم ، وحاصل ما قالوه أن الذي يقع في النفس من قصد المعصية ، أو الطاعة على خمس مراتب ، الهاجس ، وهو ما يلقى فيها 380 - ثم جريانه فيها ، وهو الخاطر ، ثم حديث النفس ، وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل ، أو لا ، ثم الهم ، وهو ترجيح قصد الفعل ، ثم العزم ، وهو قوة ذلك القصد ، والجزم به ، فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعا ; لأنه ليس من فعله ، وإنما هو شيء ورد عليه لا قدرة له ولا صنع ، والخاطر والذي بعده كان قادرا على دفعه بصرف الهاجس أول وروده ، ولكنه هو وما بعده من حديث النفس 381 - مرفوعان بالحديث الصحيح ، وإذا ارتفع حديث النفس ارتفع [ ص: 174 ] ما قبله بالطريق الأولى وهذه الثلاث لو كانت في الحسنات لم يكتب بها أجر لعدم القصد ، وأما الهم فقد بين في الحديث الصحيح 382 - أن الهم بالحسنة يكتب حسنة 383 - وأن الهم بالسيئة لا يكتب سيئة ، وينظر ، فإن تركها لله تعالى كتبت حسنة ، وإن فعلها كتبت سيئة واحدة 384 - ، والأصح في معناه أنه يكتب عليه الفعل وحده ، وهو معنى قوله : واحدة ، وأما الهم فمرفوع [ ص: 175 ] وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به 386 - ومنهم من جعله من الهم المرفوع ، وفي البزازية من كتاب الكراهية : هم بمعصية لا يأثم إن لم يصمم عزمه عليه ، وإن عزم يأثم إثم العزم لا إثم العمل بالجوارح ، إلا أن يكون أمرا يتم بمجرد العزم كالكفر .

                التالي السابق


                ( 377 ) قوله : ومنها حديث النفس . أي مما خرج عن الأصل الثاني ، وهو أنه لا يشترط مع نية القلب التلفظ في جميع العبادات ، وفيه أن حديث النفس لم يدخل في الأصل المذكور ، حتى يصح خروجه منه فتأمل . وقد وقع في بعض نسخ هذا الكتاب : وأما حديث النفس ، وهو الصواب . ( 378 )

                قوله : ما لم تتكلم ، أو تعمل به ، والجار ، والمجرور صلة تتكلم لا تعمل ، فإنه لا يتعدى بنفسه ، ولو ذكره عقيب ما هو صلة له لكان ، أولى وكان مطابقا لحديث مسلم . [ ص: 173 ] قوله : كما في حديث مسلم ، وهو " { إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به ، أو تعمل به } . قال العلامة ابن مالك في شرح المشارق : وأن حديث نفس المتجاوز عنه نوعان : ضروري ، وهو ما يقع من غير قصد ، واختياري ، وهو ما يقع بقصد ، والمراد في الحديث الثاني : إذ الأول معفو عن جميع الاسم إذا لم يصر عليه لامتناع الخلو عنه ، وإنما عفي النوع الثاني عن هذه الأمة تكريما له عليه الصلاة والسلام ، ثم قال وفي هذا الحديث دليل على أن حديث النفس ليس بكلام ، حتى لو حدث نفسه في الصلاة لا تبطل ، ولو طلق امرأته بقلبه لا تطلق ، وأما إذا كتب طلاق امرأته فيجوز أن يكون طلاقا ; لأنه صلى الله عليه وسلم قال { ما لم تتكلم ، أو تعمل } " ، والكتابة عمل ، وهو قول محمد بن الحسن رحمه الله . ( 380 )

                قوله : ثم جريانه فيها جعل الجريان بين الإلقاء في النفس وبين التردد في الفعل ، وكان حاصله ، وأن استرسال ذلك الملقى وامتداده من غير تردد في الفعل . ( 381 )

                قوله : مرفوعان بالحديث الصحيح ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : { إن الله تجاوز عن أمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به ، أو تعمل } " وفي الحديث القدسي [ ص: 174 ] { إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها سيئة ، وإن عملها فاكتبوها سيئة ، وإذا هم بحسنة ولم يعملها فاكتبوها حسنة ، وإن عملها فاكتبوها عشرا كذا } " في المبارق شرح الشارق . ( 382 )

                قوله : إن الهم بالحسنة يكتب حسنة في فتح القدير : المنقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها إذا كان نيته حضورها لولا العذر يحصل له ثوابها ، وخرج على ذلك أن الواقف لو شرط المبيت في خانقاه ، مثلا ، فبات من شرط مبيتها خارجها لعذر من خوف على نفسه ، أو زوجته ، أو مال ونحوها ، لا يسقط من معونته شيء ، وهو من القياس الجلي الحسن ( انتهى ) . ( 383 )

                قوله : وإن الهم بالسيئة لا يكتب سيئة .

                قيل : إطلاقه يشتمل الهم بكل مكان وزمان ، وليس كذلك ، فإن العبد مؤاخذ بالهم بالسيئة بمكة كما صرح به في الفتح ، وإنما قال : لم تكتب سيئة ، ولم يقل : ليست بسيئة ; لأن الهم بالسيئة سيئة ، وإن لم تكتب لكونها مغفورة بعفو الله تعالى ووعده عند أهل السنة ; لقوله : عليه السلام { من هم بالسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبت عليه واحدة } " وقالت المعتزلة ليست بمغفورة كالهم بالكفر . ( 384 )

                قوله : والأصح في معناه أنه يكتب عليه الفعل وحده إلخ . هذا وما قبله من قوله : أن الذي يقع في النفس إلى قوله : وفي البزازية كلام التقي السبكي في الحلبيات وبقي له تتمة ، فإنه قال : بعد قوله ، وإن الهم مرفوع ، ما لفظه : ومن هذا يعلم [ ص: 175 ] أن قوله في حديث النفس ما لم تتكلم به ، أو تعمل ليس له مفهوم ، حتى يقال : إنها إذا تكلمت ، أو عملت يكتب عليها حديث النفس ; لأنه إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى ( انتهى ) . يخالفه ما في شرح المنهاج ، فقال : إنه ظهر له أن المؤاخذة من إطلاق قوله عليه السلام : أو تعمل ولم يقل : تعمله ، قال : فيؤخذ منه بتحريم المشي إلى معصية ، وإن كان المشي في نفسه مباحا ، لكن لانضمام قصد الحرام إليه فكل واحد من المشي ، والقصد لا يحرم عند انفراده أما إذا اجتمعا فإن مع الهم عملا لما هو من أسباب الهموم آية ، فاقتضى إطلاقا ، أو تعمل المؤاخذة فاشدد بهذه الفائدة يديك واتخذه أصلا يعود نفعه عليك ( انتهى ) . ورجحه ولده في منع الموانع أخذا بظاهر الحديث . ( 385 )

                قوله : وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به ، أقول : من ذلك ما في الملتقط : إن تركت شرب الشراب أبدا فأنت طالق ، وهو يعزم على شربها ولا يشربها أبدا لا يحنث انتهى .

                يعني ; لأن العزم على الشرب كالشرب ، وقد علق الطلاق على ترك الشرب فلا يحنث حيث عزم على الشرب ويأثم على عزمه على الشرب . ( 386 )

                قوله : ومنهم من جعله من الهم إلخ . هذا كلام السبكي في الحلبيات ، ثم قال بعده : وربما تمسك هذا البعض بقول أهل اللغة : هم بالشيء عزم عليه ، والتمسك بهذا غير سديد ; لأن اللغوي لا يتنزل إلى هذه الدقائق ، واحتج الأولون بحديث { إذا [ ص: 176 ] التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ، والمقتول في النار قالوا : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه } " . فعلل بالحرص




                الخدمات العلمية