الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              60 [ 28 ] وعن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ثلاث من كن فيه ، وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله تعالى ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار .

                                                                                              رواه أحمد ( 3 \ 103 و 174 و 230 ) ، والبخاري ( 16 ) ، ومسلم ( 43 ) ، والنسائي ( 8 \ 96 ) ، وابن ماجه ( 4033 ) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ") إنما خص هذه [ ص: 212 ] الثلاث بهذا المعنى ; لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بأنوار الإيمان واليقين ، وانكشفت له محاسن تلك الأمور التي أوجبت له تلك المحبة التي هي حال العارفين .

                                                                                              و (قوله : " من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ") دليل على جواز إضافة المحبة لله تعالى ، وإطلاقها عليه ، ولا خلاف في إطلاق ذلك عليه صحيح محبا ومحبوبا ; كما قال تعالى : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه [ المائدة : 54 ] وهو في السنة كثير .

                                                                                              ولا يختلف النظار من أهل السنة وغيرهم : أنها مؤولة في حق الله تعالى ; لأن المحبة المتعارفة في حقنا إنما هي ميل لما فيه غرض يستكمل به الإنسان ما نقصه ، وسكون لما تلتذ به النفس ، وتكمل بحصوله ، والله تعالى منزه عن ذلك .

                                                                                              وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حق الله تعالى : فمنهم من صرفها إلى إرادته تعالى إنعاما مخصوصا على من أخبر أنه يحبه من عباده ; وعلى هذا ترجع إلى صفة ذاته . ومنهم : من صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام ; وعلى هذا فتكون من صفات الفعل . وعلى هذا المنهاج : يتمشى القول في الرحمة والنعمة والرضا ، والغضب والسخط وما كان في معناها ، ولبسط ذلك موضع آخر .

                                                                                              فأما محبة العبد لله تعالى فقد تأولها بعض المتكلمين ; لأنهم فسروا المحبة بالإرادة ، والإرادة إنما تتعلق بالحادث لا بالقديم ، ومنهم من قال : لأن محبتنا إنما تتعلق بمستلذ محسوس ، والله تعالى منزه عن ذلك . وهؤلاء تأولوا محبة العبد لله تعالى بطاعته له ، وتعظيمه إياه ، وموافقته له على ما يريد منه . وأما أرباب [ ص: 213 ] القلوب ، فمنهم من لم يتأول محبة العبد لله تعالى ، حتى قال : المحبة لله تعالى هي الميل الدائم بالقلب الهائم ، وقال أبو القاسم القشيري : أما محبة العبد لله تعالى ، فحالة يجدها العبد من قلبه تلطف عن العبارة ، وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم لله تعالى ، وإيثار رضاه ، وقلة الصبر عنه ، والاحتياج إليه ، وعدم الفرار عنه ، ووجود الاستئناس بدوام ذكره .

                                                                                              قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : فهؤلاء قد صرحوا بأن محبة العبد لله تعالى : هي ميل من العبد وتوقان ، وحال يجدها المحب من نفسه من نوع ما يجده في محبوباته المعتادة له ، وهو صحيح .

                                                                                              والذي يوضحه : أن الله تعالى قد جبلنا على الميل إلى الحسن والجمال والكمال ، فبقدر ما ينكشف للعاقل من حسن الشيء وجماله ، مال إليه وتعلق قلبه به حتى يفضي الأمر إلى أن يستولي ذلك المعنى عليه ; فلا يقدر على الصبر عنه ، وربما لا يشتغل بشيء دونه .

                                                                                              ثم الحسن والكمال نوعان : محسوس ، ومعنوي : فالمحسوس : كالصور الجميلة المشتهاة لنيل اللذة الجسمانية ، وهذا في حق الله تعالى محال قطعا . وأما المعنوي : فكمن اتصف بالعلوم الشريفة ، والأفعال الكريمة ، والأخلاق الحميدة ، فهذا النوع تميل إليه النفوس الفاضلة ، والقلوب الكاملة ميلا عظيما ; فترتاح لذكره ، وتتنعم بخبره وخبره ، وتهتز لسماع أقواله ، وتتشوف لمشاهدة أحواله ، وتلتذ بذلك لذة روحانية لا جسمانية ، كما تجده عند ذكر الأنبياء والعلماء والفضلاء والكرماء من الميل واللذة والرقة والأنس ، وإن كنا لا نعرف صورهم المحسوسة ، وربما قد نسمع أن بعضهم من غير الأنبياء قبيح الصورة الظاهرة أو أعمى أو أجذم ، [ ص: 214 ] ومع ذلك : فذلك الميل والأنس والتشوق موجود لنا ; ومن شك في وجدان ذلك ، أو أنكره ، كان عن جبلة الإنسانية خارجا ، وفي غمار المعتوهين والجا .

                                                                                              وإذا تقرر ذلك : فإذا كان هذا الموصوف بذلك الكمال قد أحسن إلينا ، وفاضت نعمه علينا ، ووصلنا ببره ، وعطفه ولطفه ، تضاعف ذلك الميل ، وتجدد ذلك الأنس ، حتى لا نصبر عنه ، بل يستغرقنا ذلك الحال ، إلى أن نذهل عن جميع الأشغال ، بل ويطرأ على المشتهر بذلك نوع اختلال .

                                                                                              وإذا كان ذلك في حق من كماله وجماله مقيدا مشوبا بالنقص معرضا للزوال ، كان من كماله وجماله واجبا مطلقا لا يشوبه نقص ولا يعتريه زوال ، وكان إنعامه وإحسانه أكثر بحيث لا ينحصر ولا يعد ، أولى بذلك الميل وأحق بذلك الحب ، وليس ذلك إلا لله وحده ، ثم لمن خصه الله تعالى بما شاء من ذلك الكمال ، وأكمل نوع الإنسان محمد عليه أفضل الصلاة والسلام .

                                                                                              فمن تحقق ما ذكرناه ، واتصف بما وصفناه ، كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن كان كذلك تأهل للقائهما ، بالاتصاف بما يرضيهما ، واجتناب ما يسخطهما ; ويستلزم ذلك كله الإقبال بالكلية عليهما ، والإعراض عما سواهما إلا بإذنهما وأمرهما ، ولتفصيل ذلك موضع آخر .

                                                                                              و (قوله : " وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ") يعني : بالمرء هنا : المسلم المؤمن ; لأنه هو الذي يمكن أن يخلص لله تعالى في محبته ، وأن يتقرب لله تعالى باحترامه وحرمته ; فإنه هو الموصوف بالأخوة الإيمانية ، والمحبة الدينية ; كما قال تعالى : إنما المؤمنون إخوة [ الحجرات : 10 ] ، وكما قال تعالى : فأصبحتم بنعمته إخوانا [ آل عمران : 103 ] .

                                                                                              [ ص: 215 ] وقد أفاد هذا الحديث : أن محبة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لا بد أن تكون خالصة لله تعالى ، غير مشوبة بالأغراض الدنيوية ، ولا الحظوظ البشرية ; فإن من أحبه لذلك ، انقطعت محبته إن حصل له ذلك الغرض أو يئس من حصوله .

                                                                                              ومحبة المؤمن وظيفة متعينة على الدوام ، وجدت الأغراض أو عدمت ، ولما كانت المحبة للأغراض هي الغالبة ، قل وجدان تلك الحلاوة ، بل قد انعدم ، لا سيما في هذه الأزمان التي قد امحى فيها أكثر رسوم الإيمان . وعلى الجملة : فمحبة المؤمنين من العبادات ، التي لا بد فيها من الإخلاص في حسن النيات .

                                                                                              و (قوله : " وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ") معنى يقذف : يرمى ، والقذف : الرمي . وهذه الكراهة موحية ; لما انكشف للمؤمن من محاسن الإسلام ، ولما دخل قلبه من نور الإيمان ، ولما خلصه الله من رذائل الجهالات وقبح الكفران ، والحمد لله .




                                                                                              الخدمات العلمية