الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                    80 - ( فصل )

                    فهذا حكم المسألة الأولى .

                    وأما المسألة الثانية - هي قبول شهادتهم على المسلمين في السفر - فقد دل عليها صريح القرآن ، وعمل بها الصحابة ، وذهب إليها فقهاء الحديث .

                    قال صالح بن أحمد : قال أبي : لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا في موضع في السفر ، الذي قال الله تعالى فيه : { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } فأجازها أبو موسى الأشعري .

                    وقد روي عن ابن عباس " أو آخران من غيركم من أهل الكتاب " وهذا موضع ضرورة ، لأنه في سفر ، ولا نجد من يشهد من المسلمين ، وإنما جاءت في هذا المعنى ا هـ .

                    وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد - فذكر هذا المعنى - قلت : فإن كان ذلك على وصية المسلمين هل تجوز شهادتهم ؟ قال : نعم ، إذا كان على الضرورة ، قلت : أليس يقال : هذه الآية منسوخة ؟ قال : من يقول ؟ وأنكر ذلك ، وقال : وهل يقول ذلك إلا إبراهيم ؟ وقال في رواية ابنيه عبد الله وحنبل : تجوز شهادة النصراني ، واليهودي في الميراث ، على ما أجاز أبو موسى في السفر ، وأحلفه .

                    وقال في رواية أبي الحارث : لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني في شيء إلا في الوصية في السفر ، إذا لم يكن يوجد غيرهم ، قال الله تعالى : { أو آخران من غيركم } ، فلا تجوز شهادتهم إلا في هذا الموضع ، وهذا مذهب قاضي العلم والعدل : شريح ، وقول سعيد بن المسيب ، وحكاه أحمد عن ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري .

                    قال المروذي : حدثنا ابن نمير ، قال : حدثني يعلى بن الحارث عن أبيه عن غيلان بن جامع ، عن إسماعيل بن خالد ، عن عامر .

                    قال : " شهد رجلان من أهل دقوقاء على وصية مسلم ، فاستحلفهما [ ص: 154 ] أبو موسى بعد العصر : ما اشترينا به ثمنا قليلا ، ولا كتمنا شهادة إنا إذا لمن الآثمين ، ثم قال : إن هذه القضية ما قضي فيها مذ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم . وذكر محمد بن إسحاق عن أبي النضر عن باذان مولى أم هانئ - عن ابن عباس ، عن تميم الداري في قوله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } الآية قال : " برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء - وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام [ قبل الإسلام ] - فأتيا الشام [ لتجارتهما ] ، وقدم بزيل بن أبي مريم مولى بني سهم - ومعه جام من فضة [ يريد به الملك ] ، هو أعظم تجارته ، فمرض ، فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله .

                    قال تميم : فلما مات أخذنا الجام ، فبعناه بألف درهم ، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء ، فلما قدمنا دفعنا ماله إلى أهله ، فسألوا عن الجام ؟ فقلنا : ما دفع إلينا غير هذا ، فلما أسلمت تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله ، فأخبرتهم الخبر ، وأديت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجيبوا ، فأحلفهم بما يعظم به على أهل دينهم فأنزل الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } الآية .

                    فحلف عمرو بن العاص وأخو سهم ، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء " .

                    وروى يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : " كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة بالتجارة ، فخرج معهم رجل من بني سهم ، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما ، فدفعا تركته إلى أهله ، وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب ، فتفقده أولياؤه ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفهما : ما كتمنا ، ولا أضعنا ، ثم عرف الجام بمكة ، فقالوا : اشتريناه من تميم وعدي ، فقام رجلان من أولياء السهمي ، فحلفا بالله : إن هذا لجام السهمي ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ، فأخذ الجام ، وفيهما نزلت هذه الآية . [ ص: 155 ]

                    والقول بهذه الآية هو قول جمهور السلف ، قالت عائشة رضي الله عنها : " سورة المائدة آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها حلالا فحللوه ، وما وجدتم فيها حراما فحرموه " .

                    وصح عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : " هذا لمن مات وعنده المسلمون ، فأمر الله أن يشهد في وصيته عدلين من المسلمين ، ثم قال تعالى : { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين فأمر الله عز وجل أن يشهد رجلين من غير المسلمين ، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله : لا نشتري بشهادتنا ثمنا " وقد تقدم أن أبا موسى حكم بذلك .

                    وقال سفيان الثوري : عن أبي إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن شرحبيل ، قال : " لم ينسخ من سورة المائدة شيء " .

                    وقال وكيع : عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب " أو آخران من غيركم " قال : " من أهل الكتاب " وفي رواية صحيحة عنه " من غير أهل ملتكم " .

                    وصح عن شريح قال : " لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في الوصية ، ولا تجوز في الوصية إلا أن يكون مسافرا " .

                    وصح عن إبراهيم النخعي " من غيركم " . " من أهل ملتكم " وصح عن سعيد بن جبير " أو آخران من غيركم " قال : " إذا كان في أرض الشرك ، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب ، فإنهما يحلفان [ ص: 156 ] بعد العصر ، فإن اطلع بعد حلفهما على أنهما خانا ، حلف أولياء الميت ، أنه كذا وكذا ، واستحقوا " . وصح عن الشعبي { أو آخران من غيركم } قال : " من اليهود والنصارى " . وصح ذلك عن مجاهد قال : " من غير أهل الملة " وصح عن يحيى مثله وصح عن ابن سيرين ذلك . فهؤلاء أئمة المؤمنين : أبو موسى الأشعري ، وابن عباس .

                    وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه ذكر ذلك أبو محمد بن حزم ، وذكره أبو يعلى عن ابن مسعود ، ولا مخالف لهم من الصحابة . ومن التابعين : عمرو بن شرحبيل ، وشريح ، وعبيدة ، والنخعي ، والشعبي ، والسعيدان ، وأبو مجلز ، وابن سيرين ، ويحيى بن يعمر ، ومن تابعي التابعين : كسفيان الثوري ، ويحيى بن حمزة ، والأوزاعي .

                    وبعد هؤلاء : كأبي عبيد ، وأحمد بن حنبل ، وجمهور فقهاء أهل الحديث ، وهو قول جميع أهل الظاهر . وخالفهم آخرون . ثم اختلفوا في تخريج الآية على ثلاث طرق :

                    أحدها : أن المراد بقوله { من غيركم } أي من غير قبيلتكم ، وروي ذلك عن الحسن ، وروي عن الزهري أيضا .

                    والثاني : أن الآية منسوخة ، وهذا مروي عن زيد بن أسلم وغيره .

                    والثالث : أن المراد بالشهادة فيها : أيمان الوصي بالله تعالى للورثة ، لا الشهادة المعروفة .

                    قال القائلون بها : أما دعوى النسخ فباطلة ، فإنه يتضمن أن حكمها باطل ، لا يحل العمل به ، وأنه ليس من الدين ، وهذا ليس بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض لها ، ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها ، فإن وجد إلى ذلك سبيلا صح النسخ ، وإلا فما معه إلا مجرد الدعوى الباطلة ، ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن : إنه لا منسوخ في المائدة ، وقاله غيرها أيضا من السلف ، وعمل بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من احتج عليه بنص يقول : هو منسوخ ، وكأن القائل لذلك لم يعلم أن معنى كون النص منسوخا : أن الله سبحانه حرم العمل به ، وأبطل كونه من الدين والشرع ، ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق . قالوا : وأما قول من قال : المراد بقوله { من غيركم } أي من غير قبيلتكم : فلا يخفى بطلانه وفساده ، فإنه ليس في أول الآية خطاب لقبيلة دون قبيلة ، بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين فلا [ ص: 157 ] يكون غير المؤمنين إلا من الكفار ، هذا مما لا شك فيه ، والذي قال من غير قبيلتكم : زلة عالم ، غفل عن تدبر الآية .

                    وأما قول من قال : " إن المراد بالشهادة : أيمان الأوصياء للورثة " فباطل من وجوه :

                    أحدها أنه سبحانه قال : { شهادة بينكم } ولم يقل : أيمان بينكم .

                    الثاني : أنه قال : { اثنان } واليمين لا تختص بالاثنين .

                    الثالث أنه قال : { ذوا عدل منكم } واليمين لا يشترط فيها ذلك .

                    الرابع : أنه قال : { أو آخران من غيركم } واليمين لا يشترط فيها شيء من ذلك .

                    الخامس : أنه قيد ذلك بالضرب في الأرض ، وليس ذلك شرطا في اليمين .

                    السادس : أنه قال : { ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين } وهذا لا يقال في اليمين في هذه الأفعال ، بل هو نظير قوله : { ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } .

                    السابع : أنه قال : { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها } ولم يقل بالأيمان .

                    الثامن : أنه قال : { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } فجعل الأيمان قسيما للشهادة ، وهذا صريح في أنها غيرها .

                    التاسع : أنه قال : { فيقسمان بالله : لشهادتنا أحق من شهادتهما } فذكر اليمين والشهادة ، ولو كانت اليمين على المدعى عليه لما احتاجا إلى ذلك ، ولكفاهما القسم : أنهما ما خانا .

                    العاشر : أن الشاهدين يحلفان بالله { لا نكتم شهادة الله } ولو كان المراد بها اليمين ، لكان المعنى : يحلفان بالله لا نكتم اليمين ، وهذا لا معنى له ألبتة ، فإن قيل اليمين لا تكتم ، فكيف يقال : احلف أنك لا تكتم حلفك ؟

                    الحادي عشر : أن المتعارف من " الشهادة " في القرآن والسنة : إنما هو الشهادة المعروفة ، كقوله تعالى : { وأقيموا الشهادة لله } وقوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } وقوله : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } ونظائره . فإن قيل : فقد سمى الله أيمان اللعان شهادة في قوله : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } وقال : { ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله } ؟ . [ ص: 158 ] قيل إنما سمي أيمان الزوج شهادة لأنها قائمة مقام البينة ، ولذلك ترجم المرأة إذا نكلت ، وسمي أيمانها شهادة ، لأنها في مقابلة شهادة الزوج .

                    وأيضا ، فإن هذه اليمين خصت من بين الأيمان بلفظ " الشهادة . بالله " تأكيدا لشأنها ، وتعظيما لحظرها .

                    الثاني عشر : أنه قال : { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } ومن المعلوم : أنه لا يصح أن يكون : أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت ، فإن الموصي إنما يحتاج للشاهدين ، لا إلى اليمين .

                    الثالث عشر : أن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حكم به - وحكم به الصحابة بعده - هو تفسير الآية قطعا ، وما عداه باطل ، فيجب أن يرغب عنه . أما ما ذكره بعض الناس : أن ذلك مخالف للأصول والقياس من وجوه : أحدها : أن ذلك يتضمن شهادة الكافر ، ولا شهادة له .

                    الثاني : أنه يتضمن حبس الشاهدين ، والشاهد لا يحبس .

                    الثالث : أنه يتضمن تحليفهما ، والشاهد لا يحلف .

                    الرابع : أنه يتضمن تحليف إحدى البينتين : أن شهادتهما أحق من شهادة البينة الأخرى .

                    الخامس : أنه يتضمن شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم .

                    السادس : أن أيمان هؤلاء المستحقين التي قدمت على شهادة الشاهدين لما ظهرت خيانتهما : إن كانت شهادة ، فكيف يشهدان لأنفسهما ؟ وإن كانت أيمانا ، فكيف يقضى بيمين المدعي بلا شاهد لا رد ؟ .

                    السابع : أن هذا يتضمن القسامة في الأموال ، والحكم بأيمان المدعين ، ولا يعرف بهذا القائل فهذا - وأمثاله - من الاعتراضات التي نعوذ بالله منها ، ونسأله العافية ، فإنها اعتراضات على حكم الله وشرعه وكتابه .

                    فالجواب عنها : بيان أنها مخالفة لنص الآية ، معارضة لها ، فهي من الرأي الباطل ، الذي حذر منه سلف الأمة ، وقالوا : إنه يتضمن تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أحل الله ، وإسقاط ما فرض الله ، ولهذا اتفقت أقوال السلف على ذم هذا النوع من الرأي ، وأنه لا يحل الأخذ به في دين الله ، ولا يلزم الجواب عن هذه الاعتراضات وأمثالها ، ولكن نذكر الجواب بيانا للحكمة ، وأن الذي تضمنته الآية هو المصلحة ، وهو أعدل ما يحكم به ، وخير من كل حكم سواه { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ } . [ ص: 159 ]

                    وهذا المسلك الباطل يسلكه من يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا ، فإذا جاءهم حديث خلاف قولهم ، قالوا : هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل .

                    والمحكمون لكتاب الله وسنة رسوله يرون هذه الآراء وأمثالها من أبطل الباطل ; لمخالفتها للأصول التي هي كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهذه الآراء هي المخالفة للأصول حتما ، فهي باطلة قطعا ، على أن هذا الحكم أصل بنفسه ، مستغن عن نظير يلحق به .

                    ونحن نجيبكم عن هذه الوجوه أجوبة مفصلة ، فنقول : أما قولكم : إنها تتضمن شهادة الكافر ، ولا شهادة له . قلنا : كيف يقول هذا أصحاب أبي حنيفة ، وهم يجيزون شهادة الكافر في كل شيء بعضهم على بعض ؟ . أم كيف يقوله أصحاب مالك وهم يجيزون شهادة طبيبين كافرين حيث لا يوجد طبيب مسلم ، وليس ذلك في القرآن ، فهلا أجازوا شهادة كافرين في الوصية في السفر ، حيث لا يوجد مسلم ، وهو في القرآن ، وقد حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده ؟ . أم كيف يقوله أصحاب الشافعي ، وهم يرون نص الشافعي صريحا : " إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا به ، ودعوا قولي " وفي لفظ له " فأنا أذهب إليه " وفي لفظ " فاضربوا بقولي عرض الحائط " .

                    وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء به نص كتاب الله ، وعمل به الصحابة . وقولكم : الشاهدان لا يحبسان ، ليس المراد هنا : السجن الذي يعاقب به أهل الجرائم ، وإنما المراد به : إمساكهما لليمين بعد الصلاة ، كما يقال : فلان يصبر لليمين ، أي يمسك لها ، وفي الحديث { ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان } .

                    وقولكم : يتضمن تحليف الشاهدين : والشاهد لا يحلف ، فمن أين لكم أن مثل هذا الشاهد الذي شهادته بدل عن شهادة المسلم للضرورة - لا يحلف ؟ فأي كتاب ، أم أية سنة جاءت بذلك ؟ وقد حلف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع ، وذهب إليه الإمام أحمد ، في إحدى الروايتين عنه ، وقد تقدم الكلام في تحليف الشهود المسلمين إذا ارتاب فيهم الحاكم ، ومن ذهب إليه من السلف وقضاة العدل .

                    وقولكم : فيه شهادة المدعين لأنفسهم ، والحكم لهم بمجرد دعواهم ، ليس بصحيح ، فإن الله سبحانه جعل الأيمان لهم عند ظهور اللوث بخيانة الوصيين ، فشرع لهما أن يحلفا ويستحقا ، كما شرع لمدعي الدم في القسامة أن يحلفوا ويستحقوا دم وليهم ، لظهور اللوث ، فكانت اليمين لقوتها بظهور [ ص: 160 ] اللوث في الموضعين ، وليس هذا من باب شهادة المدعي لنفسه ، بل من باب الحكم له بيمينه القائمة مقام الشهادة ، لقوة جانبه ، كما حكم صلى الله عليه وسلم للمدعي بيمينه ، لما قوي جانبه بالشاهد الواحد ، فقوة جانب هؤلاء بظهور خيانة الوصيين كقوة جانب المدعي بالشاهد ، وقوة جانبه بنكول خصمه ، وقوة جانبه باللوث ، وقوة جانبه بشهادة العرف في تداعي الزوجين المتاع ، وغير ذلك . فهذا محض العدل ، ومقتضى أصول الشرع ، وموجب القياس الصحيح .

                    وقولكم : إن هذا يتضمن القسامة في الأموال . قلنا : نعم لعمر الله ، وهي أولى بالقبول من القسامة في الدماء ، ولا سيما مع ظهور اللوث ، وأي فرق بين ظهور اللوث في صحة الدعوى بالدم ، وظهوره في صحة الدعوى بالمال ؟ وهل في القياس أصح من هذا ؟ وقد ذكر أصحاب مالك القسامة في الأموال ، وذلك فيما إذا أغار قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه ، والناس ينظرون إليهم ، ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوه ، ولكن علم أنهم أغاروا وانتهبوا ، فقال ابن القاسم وابن الماجشون : القول قول المنتهب مع يمينه .

                    وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب : القول قول المنهوب منه مع يمينه فيما يشبه ، وقد تقدم ذلك ، وذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام ، وحكينا كلامه رحمه الله .

                    ولا يستريب عالم أن اعتبار اللوث في الأموال التي تباح بالبدل أولى منه في الدماء التي لا تباح به . فإن قيل : فالدماء يحتاط لها ؟ .

                    قيل : نعم ، وهذا الاحتياط لم يمنع القول بالقسامة فيها ، وإن استحق بها دم المقسم عليه .

                    ثم إن الموجبين للدية في القسامة ، حقيقة قولهم : إن القسامة على المال والقتل طريق لوجوبه ، فهكذا القسامة هاهنا على مال ، كالدية سواء ، فهذا من أصح القياس في الدماء وأبينه . فظهر أن القول بموجب هذه الآية هو الحق الذي لا معدل عنه نصا وقياسا ومصلحة ، وبالله التوفيق .

                    81 - ( فصل )

                    قال شيخنا رحمه الله : وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع : " هو ضرورة " يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة حضرا وسفرا . على هذا لو قيل : يحلفون في شهادة بعضهم على بعض ، كما يحلفون على شهاداتهم على المسلمين في وصية السفر ، لكان متوجها ، ولو قيل : تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون ، لكان له وجه ، ويكون بدلا مطلقا . [ ص: 161 ]

                    قال الشيخ : ويؤيد هذا ما ذكره القاضي وغيره - محتجا به - وهو في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد - أن رجلا من المسلمين خرج ، فمر بقرية فمرض ، ومعه رجلان من المسلمين ، فدفع إليهما ماله ، ثم قال : ادعوا لي من أشهده على ما قبضتماه ، فلم يجدا أحدا من المسلمين في تلك القرية ، فدعوا أناسا من اليهود والنصارى ، فأشهدهم على ما دفع إليهما - وذكر القصة - فانطلقوا إلى ابن مسعود ، فأمر اليهودي والنصراني أن يحلفا بالله : لقد ترك من المال كذا وكذا ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين ، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا أن شهادة اليهود والنصارى حق ، فحلفوا ، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به اليهودي والنصراني ، وذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه .

                    فهذه شهادة للميت على وصيته ، وقد قضى بها ابن مسعود ، مع يمين الورثة ، لأنهم المدعون ، والشهادة على الميت لا تفتقر إلى يمين الورثة .

                    ولعل ابن مسعود أخذ هذا من جهة أن الورثة يستحقون بأيمانهم على الشاهدين إذا استحقا إثما ، فكذلك يستحقون على الوصية مع شهادة الذميين بطريق الأولى .

                    وقد ذكر القاضي هذا في مسألة دعوى الأسير إسلاما ، فقال : وقد قال الإمام أحمد في السبي إذا ادعوا نسبا ، وأقاموا بينة من الكفار : قبلت شهادتهم ، نص عليه في رواية حنبل ، وصالح ، وإسحاق بن إبراهيم ، لأنه قد تتعذر البينة العادلة ، ولم يجز ذلك في رواية عبد الله وأبي طالب .

                    قال شيخنا رحمه الله تعالى : فعلى هذا كل موضع ضرورة غير المنصوص فيه : فيه روايتان ، لكن التحليف هاهنا لم يتعرضوا له ، فيمكن أن يقال : لأنه إنما يحلف حيث تكون شهادتهم بدلا ، كما في مسألة الوصية ، بخلاف ما إذا كانوا أصولا ، والله أعلم .

                    التالي السابق


                    الخدمات العلمية