الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                    61 - ( فصل )

                    والتحليف ثلاثة أقسام تحليف المدعي ، وتحليف المدعى عليه ، وتحليف الشاهد . فأما تحليف المدعي : ففي صور : أحدها : القسامة ، وهي نوعان : قسامة في الدماء ، وقد دلت عليها السنة الصحيحة الصريحة ، وأنه يبدأ فيها بأيمان المدعين ، ويحكم فيها بالقصاص ، كمذهب مالك ، وأحمد في إحدى الروايتين ، والنزاع فيها مشهور قديما وحديثا .

                    والثانية : القسامة مع اللوث في الأموال ، وقد دل عليها القرآن ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى .

                    وقد قال أصحاب مالك : إذا أغار قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه ، والناس ينظرون إليهم ، ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا ، ولكنهم علموا أنهم أغاروا وانتهبوا . فقال ابن القاسم وابن الماجشون : القول قول المنتهب مع يمينه ; لأن مالكا قال في منتهب الصرة يختلفان في عددها : القول قول المنتهب مع يمينه .

                    وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب : القول قول المنتهب منه مع يمينه فيما يشتبه ويحتمل على الظالم .

                    قال مطرف : ومن أخذ من المغيرين ضمن ما أخذه رفاقه ; لأن بعضهم عون لبعض - كالسراق والمحاربين ، ولو أخذوا جميعا وهم أملياء ، فيضمن كل واحد ما ينو به ، وقاله ابن الماجشون وأصبغ في الضمان . قالوا : والمغيرون كالمحاربين إذا شهروا السلاح على وجه المكابرة : كان ذلك على تأمرة بينهم ، [ ص: 123 ] أو على وجه الفساد ، وكذلك والي البلد يغير على بعض أهل ولايته وينتهب ظلما مثل ذلك في المغيرين .

                    وقال ابن القاسم : ولو ثبت أن رجلين غصبا عبدا فمات ، لزم أخذ قيمته من المليء ، ويتبع المليء ذمة رفيقه المعدم بما ينوبه . وأما دلالة القرآن على ذلك : فقال شيخنا قدس الله روحه : لما ادعى ورثة السهمي الجام المفضض المخوص ، وأنكر الوصيان الشاهدان أنه كان هناك جام ، وظهر الجام المدعى ، وذكر مشتريه أنه اشتراه من الوصيين : صار هذا لوثا يقوي دعوى المدعيين ، فإذا حلف الأوليان بأن الجام كان لصاحبهم : صدقا في ذلك . وهذا لوث في الأموال ، نظير اللوث في الدماء ، لكن هناك ردت اليمين على المدعي ، بعد أن حلف المدعى عليه ، فصارت يمين المطلوب وجودها كعدمها ، كما أنه في الدم لا يستحلف ابتداء ، وفي كلا الموضعين يعطى المدعي بدعواه مع يمينه ، وإن كان المطلوب حالفا ، أو باذلا للحلف .

                    وفي استحلاف الله للأوليين دليل على مثل ذلك في الدم ، حتى تصير يمين الأوليين مقابلة ليمين المطلوبين ، وفي حديث ابن عباس : { حلفا أن الجام لصاحبهم } .

                    وفي حديث عكرمة : { ادعيا أنهما اشترياه منه ، فحلف الأوليان ; أنهما ما كتما وغيبا } ، فكان في هذه الرواية أنه لما ظهر كذبهما بأنه لم يكن له جام ردت الأيمان على المدعيين في جميع ما ادعوا . فجنس هذا الباب : أن المطلوب إذا حلف ، ثم ظهر كذبه : هل يقضى للمدعي بيمينه فيما يدعيه ; لأن اليمين المشروعة في جانب الأقوى ، فإذا ظهر صدق المدعي في البعض وكذب المطلوب : قوي جانب المدعي ، فحلف كما يحلف مع الشاهد الواحد ، وكما يحلف صاحب اليد العرفية مقدما على اليد الحسية ، انتهى .

                    والحكم باللوث في الأموال أقوى منه في الدماء ، فإن طرق ثبوتها أوسع من طرق ثبوت الدماء ، لأنها تثبت بالشاهد واليمين ، والرجل والمرأتين ، والنكول مع الرد ، وبدونه ، وغير ذلك من الطرق ، وإذا حكمنا بالعمامة لمن هو مكشوف الرأس وأمامه رجل عليه عمامة وبيده أخرى وهو هارب : فإنما ذلك باللوث الظاهر القائم مقام الشاهدين ، وأقوى منهما بكثير . واللوث علامة ظاهر لصدق المدعي ، وقد اعتبرها الشارع في اللقطة ، وفي النسب ، وفي استحقاق السلب إذا ادعى اثنان قتل الكافر ، وكان أثر الدم في سيف أحدهما أدل منه في سيف الآخر ، كما تقدم . وعلى هذا : فإذا ادعى عليه سرقة ماله ، فأنكر وحلف له ، ثم ظهر معه المسروق : حلف المدعي ، وكانت يمينه أولى من يمين المدعى عليه ، وكان حكمه حكم استحقاق الدم في القسامة .

                    وعلى هذا ، فلو طلب من الوالي أن يضربه ليحضر باقي المسروق فله ذلك . [ ص: 124 ] كما عاقب النبي صلى الله عليه وسلم عم حيي بن أخطب ، حتى أحضر كنز ابن أبي الحقيق كما تقدم .

                    والثانية : إذا ردت اليمين إليه .

                    والثالثة : إذا شهد له شاهد واحد حلف معه واستحق ، كما تقدم .

                    والرابعة : في مسألة تداعي الزوجين والصانعين ، فيحكم لكل واحد منهما بما يصلح له مع يمينه .

                    والخامسة : تحليفه مع شاهديه . وقد اختلف السلف في ذلك ، فقال شريح بن يونس في " كتاب القضاء " له : حدثنا هشيم ، عن الشيباني ، عن الشعبي .

                    قال : كان شريح يستحلف الرجل مع بينته . حدثنا هشيم ، عن أشعث ، عن عون بن عبد الله : أنه استحلف رجلا مع بينته ، فكأنه أبى أن يحلف ، فقال : ما كنت لأقضي لك بما لا تحلف عليه ، وحكاه ابن المنذر عن عبيد الله بن عتبة والشعبي .

                    قال أبو عبيد : إنما ترى شريحا أوجب اليمين على الطالب مع بينته ، حين رأى الناس مدخولين في معاملتهم ، واحتاط لذلك ، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان ، عن ابن هاشم ، عن أبي البختري قال : قيل لشريح : ما هذا الذي أحدثت في القضاء ؟ قال : رأيت الناس أحدثوا فأحدثت .

                    قال الأوزاعي والحسن بن حيي : يستحلف الرجل مع بينته .

                    وقال الطحاوي : وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عن حبيش " أن عليا استحلف عبد الله بن الحسن مع بينته " وأنه استحلف رجلا مع بينته ، فأبى أن يحلف ، فقال : " لا أقضي لك بما لا تحلف عليه " .

                    وهذا القول ليس ببعيد من قواعد الشرع ، ولا سيما مع احتمال التهمة . ويخرج في مذهب أحمد وجهان : فإن أحمد سئل عنه فقال : قد فعله علي والصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، وفيما إذا سئل عن مسألة فقال : قال فيها بعض الصحابة كذا : وجهان ذكرهما ابن حامد . قال الخلال في " الجامع " : حدثنا محمد بن علي ، حدثنا مهنا ، قال : سألت أبا عبد الله عن الرجل يقيم الشهود ، أيستقيم للحاكم أن يقول لصاحب الشهود : احلف ؟ فقال : قد فعل ذلك علي ، قلت : من ذكره ؟ قال : حدثنا حفص بن غياث ، حدثنا ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن حبيش .

                    قال : استحلف علي عبد الله بن الحسن مع الشهود ، فقلت : يستقيم هذا ؟ قال : قد فعله علي رضي الله عنه . وهذا القول يقوى مع وجود التهمة ، وأما بدون التهمة فلا وجه له ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمدعي : { شاهداك أو يمينه ، فقال : يا رسول الله ، إنه فاجر لا يبالي ما حلف عليه ، فقال : ليس لك إلا ذلك } .

                    التالي السابق


                    الخدمات العلمية