الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( وأما ) بيان صفة المحلوف عليه أنه على ماذا يحلف فنقول الدعوى لا تخلو إما إن كانت مطلقة عن سبب وإما إن كانت مقيدة بسبب فإن كانت مطلقة عن سبب بأن ادعى عبدا أو جارية أو أرضا وأنكر المدعى عليه فلا خلاف في أنه يحلف على الحكم وهو ما وقع فيه الدعوى فيقال بالله ما هذا العبد أو الجارية أو الأرض لفلان هذا ولا شيء منه وإن كانت مقيدة بسبب بأن ادعى أنه أقرضه ألفا أو غصبه ألفا أو أودعه ألفا وأنكر المدعى عليه فقد اختلف أبو يوسف ومحمد في أنه يحلف على السبب أو على الحكم قال أبو يوسف يحلف على السبب بالله ما استقرضت منه ألفا أو ما غصبته ألفا أو ما أودعني ألفا إلا أن يعرض المدعى عليه ولا يصرح فيقول قد يستقرض الإنسان وقد يغصب وقد يودع ولا يكون عليه لما أنه أبرأه عن ذلك أو رد الوديعة وأنا لا أبين ذلك لئلا يلزمني شيء فحينئذ يحلف على الحكم وقال محمد يحلف على الحكم من الابتداء بالله ما له عليك هذه الألف التي ادعى .

                                                                                                                                ( وجه ) قول محمد أن التحليف على السبب تحليف على ما لا يمكنه الحلف عليه عسى لجواز أنه وجد منه السبب ثم ارتفع بالإبراء أو بالرد فلا يمكنه الحلف على نفي السبب ويمكنه الحلف على نفي الحكم على كل حال فكان التحليف على الحكم أولى ( وجه ) قول أبي يوسف ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف اليهود بالله } وفي باب القسامة على السبب { فقال عليه الصلاة والسلام بالله ما قتلتموه ولا علمتم له قاتلا } فيجب الاقتداء به ولأن الداخل تحت الحلف ما هو الداخل تحت الدعوى والداخل تحت الدعوى في هذه الصورة مقصودا هو السبب فيحلف عليه فبعد ذلك إن أمكنه الحلف على السبب حلف عليه وإن لم يمكنه وعرض فحينئذ يحلف على الحكم وعلى هذا الخلاف دعوى الشراء إذا أنكر المدعى عليه فعند أبي يوسف يحلف على السبب بالله عز وجل ما بعته هذا الشيء إلا أن يعرض الخصم والتعريض في هذا أن يقول قد يبيع الرجل الشيء ثم يعود إليه بهبة أو فسخ أو إقالة أو رد بعيب أو خيار شرط أو خيار رؤية وأنا لا أبين ذلك كي لا يلزمني شيء فحينئذ يحلف على الحكم بالله تعالى ما بينكما بيع قائم أو شراء قائم بهذا السبب الذي يدعي وهكذا يحلف على قول محمد وعلى هذا دعوى الطلاق بأن ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها ثلاثا أو خالعها على كذا وأنكر الزوج ذلك يحلف على السبب عند أبي يوسف بالله عز وجل ما طلقها ثلاثا أو ما خالعها إلا أن يعرض الزوج فيقول الإنسان قد يخالع [ ص: 229 ] امرأته ثم تعود إليه وقد يطلقها ثلاثا ثم تعود إليه بعد زوج آخر فحينئذ يحلف بالله عز وجل ما هي حرام عليك بثلاث تطليقات أو بالله عز وجل ما هي مطلقة منك ثلاثا أو ما هي حرام عليك بالخلع أو ما هي بائن منك ونحو ذلك من العبارات .

                                                                                                                                وهكذا يحلف على قول محمد وعلى هذا دعوى العتاق في الأمة بأن ادعت أمة على مولاها أنه أعتقها وهو منكر عند أبي يوسف يحلف المولى على السبب بالله عز وجل ما أعتقها إلا أن يعرض لأنه يتصور النقض في هذا والعود إليه بأن ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب ثم سباها أو سباها غيره فاشتراها فحينئذ يحلف كما قاله محمد ولو كان الذي يدعي العتق هو العبد فيحلف على السبب بلا خلاف بالله عز وجل ما أعتقه في الرق القائم للحال في ملكه لانعدام تصور التعريض لأن العبد المسلم لا يحتمل السبي بعد العتق حتى لو كان العبد لم يعرف مسلما أو كان كافرا يحلف عند محمد على الحكم لاحتمال العود إلى الرق لأن الذمي إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب ثم سبي يسترق بخلاف المسلم فإنه يجبر على الإسلام ويقتل إن أبى ولا يسترق وعلى هذا دعوى النكاح وهو تفريع على قولهما لأن أبا حنيفة لا يرى الاستحلاف فيه فيقول الدعوى لا تخلو إما أن تكون من الرجل أو من المرأة فإن كانت من الرجل وأنكرت المرأة النكاح فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا أن يعرض لاحتمال الطلاق والفرقة بسبب ما فحينئذ يحلف على الحكم بالله عز وجل ما بينكما نكاح قائم كما هو قول محمد .

                                                                                                                                وأما عند أبي حنيفة لو قال الزوج أنا أريد أن أتزوج أختها أو أربعا سواها فإن القاضي لا يمكنه من ذلك لأنه إقرار لهذه المرأة أنها امرأته فيقول له إن كنت تريد ذلك فطلق هذه ثم تزوج أختها أو أربعا سواها وإن كان دعوى النكاح من المرأة على رجل فأنكر فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا أن يعرض فيحلف على الحكم كما قاله محمد فأما عند أبي حنيفة لو قالت المرأة إني أريد أن أتزوج فإن القاضي لا يمكنها من ذلك لأنها قد أقرت أن لها زوجا فلا يمكنها من التزوج بزوج آخر فإن قالت ما الخلاص عن هذا وقد بقيت في عهدته أبد الدهر وليست لي بينة وهذه تسمى عهدة أبي حنيفة فإنه يقول القاضي للزوج طلقها فإن أبى أجبره القاضي عليه فإن قال الزوج لو طلقتها للزمني المهر فلا أفعل ذلك يقول له القاضي قل لها إن كنت امرأتي فأنت طالق فتطلق لو كانت امرأتك وإن لم تكن فلا ولا يلزمك شيء لأن المهر لا يلزم بالشك فإن أبى يجبره على ذلك فإذا فعل تخلص عن تلك العهدة ولو كانت الدعوى على إجارة الدار أو عبد أو دابة أو معاملة مزارعة فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا إذا عرض .

                                                                                                                                وعند محمد يحلف على الحكم على كل حال وعند أبي حنيفة ما كان صحيحا وهو الإجارة يحلف وما كان فاسدا وهو المعاملة والمزارعة لا يحلف أصلا لأن الحلف بناء على الدعوى الصحيحة ولم تصح عنده ولو كانت الدعوى في القتل الخطإ بأن ادعى على رجل أنه قتل أباه خطأ وأنه وجبت الدية فأنكر المدعى عليه يحلف على السبب عند أبي يوسف بالله ما قتلت إلا إذا عرض وعند محمد على الحكم بالله ليس عليك الدية ولا على عاقلتك وإنما يحلف على هذا الوجه لاختلاف المشايخ في الدية في فصله الخطإ أنها تجب على العاقلة ابتداء أو تجب على القاتل ثم تتحمل عنه العاقلة فإن حلف برئ وإن نكل يقضي عليه بالدية في ماله على ما نذكر إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية