الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          [ ص: 88 ] فصل الثالث : أن تكذبه الزوجة ويستمر ذلك إلى انقضاء اللعان ، فإن صدقته ، أو سكتت لحقه النسب ولا لعان في قياس المذهب . وإن مات أحدهما قبل اللعان ورثه صاحبه ولحقه نسب الولد ولا لعان . وإن مات الولد فله لعانها ونفيه . وإن لاعن ونكلت الزوجة عن اللعان خلي سبيلها ولحقه الولد ذكره الخرقي . وعن أحمد أنها تحبس حتى تقر ، أو تلاعن . ولا يعرض للزوج حتى تطالبه الزوجة ، فإن أراد اللعان من غير طلبها ، فإن كان بينهما ولد يريد نفيه فله ذلك وإلا فلا .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          فصل

                                                                                                                          ( الثالث أن تكذبه الزوجة ويستمر ذلك إلى انقضاء اللعان ) لأنه لا يتم إلا أن يوجد من الزوجين ، فإذا أقرت المرأة بالزنا تعذر اللعان منهما ; لأن الإنسان لا يستحلف على ما أقر به ، ( فإن صدقته ) مرة ، أو أكثر ( أو سكتت ) أو عفت عنه ، أو ثبت زناها بأربعة سواه ، أو قذف مجنونة بزنا قبله ، أو محصنة فجنت ، أو ناطقة فخرست ، نقل ابن منصور : أو صماء ( لحقه النسب ) ، لأن الولد للفراش ، وإنما ينتفي عنه اللعان ، ولم يوجد شرطه . ( ولا لعان في قياس المذهب ) ونص عليه ; لأن اللعان كالبينة ، وهي لا تقام مع الإقرار . ثم إن كان تصديقها له قبل لعانه ، فلا لعان ; لأن اللعان كالبينة ، إنما تقام مع الإنكار ، وإن كان بعد لعانه لم تلاعن هي ; لأنها لا تحلف مع الإقرار . وحكمها كما لو امتنعت من غير إقرار ، وإن أقرت أربعا وجب الحد ، ولا لعان إذا لم يكن ثم نسب ينفى ، وإن رجعت سقط الحد عنها بغير خلاف علمناه ; لأن الرجوع عن الإقرار بالحد مقبول ، ولا لعان بينهما ، لا للحد لتصديقها إياه ، ولا لنفي النسب ; لأن نفي الولد إنما يكون بلعانهما معا ، وقد تعذر منهما . ( وإن مات أحدهما قبل اللعان ) أو قبل تتمته فقد مات على الزوجية ; لأن الفرقة لا تحصل إلا بكمال اللعان . ( ورثه صاحبه ولحقه نسب الولد ) ، نص عليه ; لأن النكاح إنما يقطعه اللعان كالطلاق . وقيل : ينتفي بلعانه وحده مطلقا كدرء حد . والأول المذهب ; لأن الشرع إنما رتب الأحكام على اللعان التام . [ ص: 89 ] والحكم لا يثبت قبل إكمال سببه ، فإن ماتت بعد طلبها للحد قام وارثها مقامها . ( ولا لعان ) لأن شرطه مطالبة الزوجة ، وقد تعذر بموتها . ( وإن مات الولد فله لعانها ونفيه ) ، لأن شروط اللعان تتحقق بدون الولد ، فلا ينتفي بموته ; لأنه ينسب إليه .



                                                                                                                          ( وإن لاعن ونكلت الزوجة عن اللعان خلي سبيلها ولحقه الولد . ذكره الخرقي ) وأبو بكر . قال ابن حمدان : وهي الأصح وجزم بها في " الوجيز " : لأنه لم يثبت عليها شيء ويلحقه الولد ; لأن نكول الزوجة بمنزله إقرارها وعلم منه أنه لا حد ; لأن زناها لم يثبت ، فإنه لو ثبت زناها بلعان الزوج لم يسمع لعانها كما لو قامت به البينة ، ولا يثبت بنكولها ; لأن الحد يدرأ بالشبهة ، وهي متمكنة منه . وقال الجوزجاني وأبو الفرج ، والشيخ تقي الدين : تحد . قال في " الفروع " : وهو قوي لقوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب الآية . ويؤيد الأول قول عمر : الرجم على من زنى ، وقد أحصن إذا كان بينة ، أو كان الحمل ، أو الاعتراف ، فلم يذكر اللعان ، قال أحمد : فإن أبت أن تلتعن بعد التعان الزوج أجبرتها على اللعان وهبت أن أحكم عليها بالرجم ; لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت ، فكيف إذا أبت اللعان ؛ ( وعن أحمد أنها تحبس ) ، قدمها في " الكافي " و " المحرر " و " الرعاية " ، وصححها القاضي ( حتى تقر ) أربعا ، وقيل : ثلاثا ( أو تلاعن ) لقوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب الآية . فإذا لم تشهد وجب ألا يدرأ عنها العذاب ، ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا ; لأن الفراش قائم ، والولد للفراش . وحكى في " الفروع " الخلاف [ ص: 90 ] من غير ترجيح . ( ولا يعرض ) بضم الياء على البناء للمفعول ( للزوج حتى تطالبه الزوجة ) يعني : لا يتعرض له بإقامة الحد عليه ، ولا طلب اللعان منه حتى تطالبه زوجته بذلك ; لأنه حق لها ، فلا يقام من غير طلبها كسائر الحقوق ، فإن عفت عن الحد ، أو لم تطالب لم تجز مطالبته بنفيه ، ولا حد ، ولا لعان ، ولا يملك ولي المجنونة ، والصغيرة وسيد الأمة المطالبة بالتعزير من أجلهن ; لأن هذا حق ثبت للتشفي ، فلا يقوم الغير فيه مقام المستحق كالقصاص .

                                                                                                                          ( فإن أراد اللعان من غير طلبها ، فإن كان بينهما ولد يريد نفيه فله ذلك ) . وقاله القاضي ; لأنه عليه السلام لاعن بين هلال بن أمية وزوجته ، ولم تكن طالبته ، ولأنه محتاج إلى نفيه فيشرع له طريق إليه كما لو طالبته ، ولأن نفي النسب الباطل حق له ، فلا يسقط برضاها به كما لو طالبت باللعان ورضيت بالولد . ويحتمل ألا يشرع اللعان كما لو قذفها فصدقته ; لأنه أحد موجبي القذف ، فلا يشرع مع عدم المطالبة كالحد . ( وإلا فلا ) أي : إذا لم يكن هناك ولد يريد نفيه لم يكن له أن يلاعن بغير خلاف نعلمه ; لأن الحاجة إلى اللعان لإسقاط الحد ، أو لنفي الولد . والحد لم يطالب به ، والولد معدوم .




                                                                                                                          الخدمات العلمية