الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال

( والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث ) خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله . [ ص: 86 ] هما يقولان إن الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع . وقال زفر ، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله : [ ص: 87 ] إن كان المستعمل متوضئا فهو طهور ، وإن كان محدثا فهو طاهر غير طهور لأن العضو طاهر حقيقة ، وباعتباره يكون الماء طاهرا لكنه نجس حكما ، وباعتباره يكون الماء نجسا فقلنا بانتفاء الطهورية وبقاء الطهارة عملا بالشبهين قال محمد رحمه الله : وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله هو طاهر غير طهور ، ولأن ملاقاة الطاهر للطاهر لا توجب التنجس ، إلا أنه أقيمت به قربة فتغيرت به صفته كمال الصدقة . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله [ ص: 88 ]

: هو نجس لقوله عليه الصلاة والسلام { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم } الحديث ، ولأنه ماء أزيلت به النجاسة الحكمية فيعتبر بماء أزيلت به النجاسة الحقيقية ، ثم في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه نجس نجاسة غليظة [ ص: 89 ] اعتبارا بالماء المستعمل في النجاسة الحقيقة ، وفي رواية أبي يوسف عنه رحمه الله وهو قوله إنه نجس نجاسة خفية لمكان الاختلاف .

التالي السابق


( قوله والماء المستعمل ) تتعلق به مباحث في حكمه وصفته وسبب ثبوتها له ووقت ذلك ، قدم الأول لأنه أهم ، وأما الثاني فقد أثبت فيه مشايخ ما وراء النهر الخلاف بين أصحابنا واختلاف الرواية ، فالحسن عن أبي حنيفة مغلظ النجاسة ، وأبو يوسف عنه مخففها ، ومحمد عنه طاهر غير طهور ، وكل أخذ بما رواه .

وقال مشايخ العراق : إنه طاهر عند أصحابنا . واختار المحققون من مشايخ ما وراء النهر طهارته ، وعليه الفتوى ، وهذا لأن المعلوم من جهة الشارع أن الآلة التي تسقط الفرض وتقام بها القربة تتدنس ، وأما الحكم بنجاسة العين شرعا فلا ، وذلك لأن أصله مال الزكاة تدنس بإسقاط الفرض حتى جعل من الأوساخ في لفظه صلى الله عليه وسلم فحرم على من شرف بقرابته الناصرة له ولم تصل مع هذا إلى النجاسة حتى لو صلى حامل دراهم الزكاة صحت ، فكذا يجب في الماء أن يتغير على وجه لا يصل إلى التنجيس ، وهو يسلب الطهورية إلا أن يقوم فيه دليل يخصه غير هذا القياس .

فإن قيل قد وجدناه فإن الخطايا تخرج مع الماء ، وهي قاذورات ينتج من الشكل الثالث بعض القاذورات يخرج مع الماء وبذلك ينجس . أما الصغرى فلقوله صلى الله عليه وسلم { إذا توضأ المؤمن خرجت خطاياه من جميع بدنه حتى تخرج من تحت أظفاره } وأما الكبرى فلقوله صلى الله عليه وسلم { من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله } فالجواب منع أن إطلاق القاذورات على الخطايا حقيقي ، أما لغة فظاهر ، وأما شرعا فلجواز صلاة من ابتلي بها عقيب وضوئه إذا لم تكن من النواقض دون غسل بدنه . وأما قوله صلى الله عليه وسلم { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة } فغاية ما يفيد نهي الاغتسال كراهة التحريم ، ويجوز كونها لكي لا تسلب الطهورية فيستعمله من لا علم له بذلك في رفع الحدث ويصلي . ولا فرق بين هذا وبين كونه يتنجس فيستعمله من لا علم له بحاله في لزوم المحذور وهو الصلاة مع المنافي فيصلح كون كل منهما مشيرا للنهي المذكور .

وجه رواية النجاسة ، قياس أصله : الماء المستعمل في النجاسة الحقيقية ، والفرع المستعمل في الحكمية بجامع الاستعمال في النجاسة بناء على إلغاء وصف الحقيقي في ثبوت النجاسة ، ذلك لأن معنى الحقيقية ليس إلا [ ص: 86 ] كون النجاسة موصوفا بها جسم محسوس مستقل بنفسه عن المكلف ، لا أن وصف النجاسة حقيقة لا تقوم إلا بجسم كذلك .

وفي غيره مجاز بل معناه الحقيقي واحد في ذلك الجسم وفي الحدث ، وهذا لأنه ليس المتحقق لنا من معناها سوى أنها اعتبار شرعي منع الشارع من قربان الصلاة والسجود حال قيامه لمن قام به إلى غاية استعمال الماء فيه ، فإذا استعمله قطع ذلك الاعتبار كل ذلك ابتلاء للطاعة ، فأما أن هناك وصفا حقيقيا عقليا أو محسوسا فلا ، ومن ادعاه لا يقدر في إثباته على غير الدعوى فلا يقبل ، ويدل على أنه اعتبار اختلافه باختلاف الشرائع ، ألا ترى أن الخمر محكوم بنجاسته في شريعتنا وبطهارته في غيرها فعلم أنها ليست سوى اعتبار شرعي ألزم معه كذا إلى غاية كذا ابتلاء ، وفي هذا لا تفاوت بين الدم والحدث فإنه أيضا ليس إلا نفس ذلك الاعتبار ، فظهر أن المؤثر نفس وصف النجاسة وهو مشترك في الأصل والفرع فثبت مثل حكم الأصل وهو نجاسة الماء المستعمل فيه في الفرع وهو المستعمل في الحدث فيكون نجسا إلا أن هذا إنما ينتهض على من يسلم كون حكم الأصل ذلك كمالك وأكثر العلماء ، وأما من يشترط في نجاسته خروجه من الثوب متغيرا بلون النجاسة كالشافعي فلا فعنده الماء الذي يستعمل في الحقيقية التي لا لون لها يغاير لون الماء كالبول طاهر يجوز شربه وغسل الثوب به دون إزالة الحدث لأنه عنده مستعمل ، وهو لا يقصر وصف الاستعمال على رافع الحدث ، فإنما ينتهض عليه بعد الكلام معه في نفس هذا التفصيل وهو سهل ، غير أنا لسنا إلا بصدد توجيه رواية نجاسة المستعمل عن أبي حنيفة على أصولنا فإن قيل : لو تم ما ذكرت كان للبلوى تأثير في سقوط حكمه .

فالجواب الضرورة لا يعدو حكمها محلها ، والبلوى فيه إنما هي في الثياب فيسقط اعتبار نجاسة ثوب المتوضئ وتبقى حرمة شربه والطبخ منه وغسل الثوب منه ونجاسة من يصيبه . وأما الثالث فقد أشار إليه بقوله والماء المستعمل هو ما أزيل به حدث إلخ . وحاصله أنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف كل من رفع الحدث والتقرب ، وعند محمد التقرب كان معه رفع أو لا ، وعند زفر الرفع كان معه تقرب أو لا ، والتقرب هو أن ينوي الوضوء حتى تصير عبادة .

لا يقال : ما ذكر لا ينتهض على زفر ، [ ص: 87 ] إذ يقول : مجرد القربة لا يدنس بل الإسقاط ، فإن المال لم يتدنس بمجرد التقرب به ، ولذا جاز للهاشمي صدقة التطوع ، بل مقتضاه أن لا يصير مستعملا إلا بالإسقاط مع التقرب ، فإن التصرف : أعني مال الزكاة لا ينفرد فيه الإسقاط عنه ، إذ لا تجوز الزكاة إلا بنية ، وليس هو قول واحد من الثلاثة لأنا نقول : غاية الأمر ثبوت الحكم في الأصل مع المجموع ، وهو لا يستلزم أن المؤثر المجموع بل ذلك دائر مع عقلية المناسب للحكم .

فإن عقل استقلال كل حكم به أو المجموع حكم به ، والذي نعقله أن كلا من التقرب الماحي للسيئات والإسقاط مؤثر في التغير ، ألا ترى أنه انفرد وصف التقرب في صدقة التطوع وأثر التغير حتى حرم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأينا الأثر عند سقوط وصف الإسقاط ومعه غيره ذلك وهو أشد فحرم على قرابته الناصرة له فعرفنا أن كلا أثر تغيرا شرعيا ، وبهذا يبعد قول محمد إنه التقرب فقط إلا أن يمنع كون هذا مذهبه كما قال شمس الأئمة ، قال : لأنه ليس بمروي عنه ، والصحيح عنده أن إزالة الحدث بالماء مفسد له ومثله عن الجرجاني ، وما استدلوا به عليه من مسألة المنغمس لطلب الدلو حيث قال محمد الرجل طاهر والماء طاهر ، جوابه أن الإزالة عنده مفسدة إلا عند الضرورة والحاجة كقولنا جميعا لو أدخل المحدث أو الجنب أو الحائض التي طهرت اليد في الماء للاغتراف لا يصير مستعملا للحاجة . وقد ورد حديث عائشة رضي الله عنها اغتسالها معه صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وكلاهما جنب ، على أن الضرورة كافية في ذلك ، بخلاف ما لو أدخل المحدث رجله أو رأسه حيث يفسد الماء لعدم الضرورة ، وكذا ما في كتاب الحسن عن أبي حنيفة إن غمس جنب أو غير متوضئ يديه إلى المرفقين أو إحدى رجليه في إجانة لم يجز الوضوء منه لأنه سقط فرضه عنه ، وذلك لأن الضرورة لم تتحقق في الإدخال إلى المرفقين حتى لو تحققت بأن وقع الكوز في الحب فأدخل يده إلى المرفق لإخراجه لا يصير مستعملا .

نص عليه في الخلاصة ، قال بخلاف ما لو أدخل يده للتبرد أنه يصير مستعملا لعدم الضرورة ، فهذا يوجب حمل المروي عن أبي حنيفة على نحوه ثم إدخال مجرد الكف إنما لا يصير مستعملا إذا لم يرد الغسل فيه بل أراد رفع الماء ، فإن أراد الغسل إن كان أصبعا أو أكثر دون الكف لا يضر مع الكف بخلافه ذكره في الخلاصة ، ولا يخلو من حاجته ، [ ص: 88 ] إلى تأمل وجهه . واعلم أن ما ذكر في الخلاصة من كونه يصير مستعملا بالإدخال للتبرد محمله ما إذا كان محدثا ، أما إن كان متطهرا فلا ، إذ لا بد عند عدم ارتفاع الحدث من نية القربة لثبوت الاستعمال .

وكذا إطلاق ثبوت الاستعمال بغسل اليدين قبل الطعام وبعده وهو أقرب في هذا ، وكذا ما ذكر من أن بعد الإنقاء في الاستنجاء يصير الماء مستعملا لا نجسا ، فأما لو لم يقصد في هذا وما قبله سوى الزيادة والغسل تبردا لا تقربا واستنانا يجب أن لا يصير مستعملا وقد صرح بذلك .

قال في المبتغى وغيره : بتبرده يصير مستعملا إن كان محدثا وإلا فلا ، وبغسل ثوب طاهر أو دابة تؤكل لا يصير مستعملا ، وكذا بغسل بدنه أو رأسه للطين أو الدرن إذا لم يكن محدثا لظهور قصد إزالة ذلك .

ووضوء الصبي كالبالغ ، وبتعليم الوضوء إذا لم يرد سوى مجرد التعليم لا يستعمل ، وبوضوء الحائض يصير مستعملا لأن وضوءها مستحب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى في باب الحيض ، ولا يخفى انتهاض الوجه على مالك في قوله إن الطهور يطهر مرة بعد أخرى ، وقوله هو كالقطوع لا يجديه شيئا وكشفه أنه ليس من مفهوم الطهور أن يطهر مرة واحدة فضلا عن التكرر ، فإن مفهومه ليس إلا المبالغة في الطاهر ، كذا كل ما كان على صيغة فعول فإنه لا يفيد سوى المبالغة في ذلك الوصف ، والمبالغة فيه لا تستلزم تطهير غيره ، بل رفع مانع الغير ليس إلا أمرا شرعيا لولا استفادته من قوله تعالى { ماء ليطهركم به } لما أفاده الماء أخذا من صيغة [ ص: 89 ] فعول ، وتكرر القطع لما يطلق عليه قطوع ليس إلا لخصوص المادة التي وقعت فيها المبالغة ، وذلك لأن القطع تأثير في الغير بالإبانة ، وهذا يستفاد من صيغة فاعل فإن صحة إطلاق قاطع ما دام قائما كان ثبوت القطع قائما ويلزمه تكرر القطع فقد ثبت التكرر بدون صيغة فعول فالمبالغة المستفادة منه حينئذ ليس إلا باعتبار كثرته وجودته .

والحاصل أن فعولا للمبالغة في ذلك الوصف ، فإن كان ذلك الوصف متعديا كان المبالغة فيه باعتبار تعلقه بالغير ، وإن كان قاصرا في نفسه كان باعتباره في نفسه لا أنه يصيره متعديا وصفة طاهر قاصرة فالمبالغة فيه باعتبار جودته في نفسه ، أما إفادة المبالغة تعلقه بالغير فلا لغة ولا عرفا ، وانظر إلى قول جرير :


عذاب الثنايا ريقهن طهور في صفة أهل الجنة وليس هو برافع






الخدمات العلمية