الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال استقيموا ولن تحصوا واعملوا وخير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          67 66 - ( مالك أنه بلغه ) جاء هذا صحيحا مسندا من حديث ابن عمر وعند ابن ماجه والبيهقي إلا أن فيه : واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة .

                                                                                                          ومن حديث ثوبان أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه على شرطهما والبيهقي إلا أن فيه : واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، وسائره بلفظ الموطأ ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : استقيموا ) أي لا تزيغوا وتميلوا عما سن لكم وفرض عليكم وليتكم تطيقون ذلك ، قاله ابن عبد البر ، وقال غيره : أي الزموا المنهج المستقيم بالمحافظة على إيفاء حقوق الحق - جل جلاله - ورعاية حدوده والرضا بالقضاء .

                                                                                                          ( ولن تحصوا ) ثواب الاستقامة إن استقمتم . قاله مطرف ، قال تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) ( سورة النحل : الآية 18 ) ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة لعسرها كما أشار له ابن عبد البر بقوله : وليتكم تطيقون أو لن تطيقوها بقوتكم وحولكم وإن بذلتم جهدكم بل بالله ، أو استقيموا على الطريق الحسنى وسددوا وقاربوا فإنكم لن تطيقوا الإحاطة في الأعمال ولا بد للمخلوق من تقصير وملال ، وهذا معنى قول الباجي أي لا يمكنكم استيعاب أعمال البر من قوله تعالى : ( علم أن لن تحصوه ) ( سورة المزمل : الآية 20 ) اهـ .

                                                                                                          وكأن القصد به تنبيه المكلف على رؤية التقصير وتحريضه على الجد لئلا يتكل على عمله ، ولذا قال البيضاوي : أخبرهم بعد الأمر بذلك أنهم لا يقدرون على إيفاء حقه والبلوغ إلى غايته لئلا يغفلوا عنه فكأنه يقول : لا تتكلوا على ما تأتون به ولا تيأسوا من رحمة ربكم فيما تذرون عجزا وقصورا لا تقصيرا .

                                                                                                          وقال الطيبي : قوله : ( ولن تحصوا ) إخبار واعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه كما اعترض ولن تفعلوا بين الشرط والجزاء في قوله : ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا ) ( سورة البقرة : الآية 24 ) كأنه - صلى الله عليه وسلم - لما أمرهم بالاستقامة وهي شاقة جدا تداركه بقوله : ( ولن تحصوا ) رحمة ورأفة منه على هذه الأمة المرحومة كما قال الله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ( سورة التغابن : الآية 16 ) بعدما أنزل : ( اتقوا الله حق تقاته ) ( سورة آل عمران : الآية 102 ) أي واجب تقواه .

                                                                                                          [ ص: 166 ] ( واعملوا ) الأعمال الصالحة كلها .

                                                                                                          ( وخير أعمالكم الصلاة ) أي إنها أكثر أعمالكم أجرا ، فلذا كانت أفضل الأعمال لجمعها العبادات كقراءة وتسبيح وتكبير وتهليل وإمساك عن كلام البشر والمفطرات ، هي معراج المؤمن ومقربته إلى الله فالزموها وأقيموا حدودها سيما مقدمتها التي هي شطر الإيمان فحافظوا عليها فإنه لا يحافظ عليها إلا مؤمن راسخ القدم في التقوى كما قال .

                                                                                                          ( ولا ) وفي رواية : ولن ( يحافظ على الوضوء ) الظاهري والباطني ( إلا مؤمن ) كامل الإيمان فلا يديم فعله في المكاره وغيرها منافق ، فالظاهري ظاهر والباطني طهارة السر عن الأغيار والمحافظة على المجاهدة التي يكون بها تارة غالبا وتارة مغلوبا ، أي لن تطيقوا الاستقامة في تطهير سركم ، ولكن جاهدوا في تطهيره مرة بعد أخرى كتطهير الحدث مرة بعد أخرى فأنتم في الاستقامة بين عجز البشرية وبين الاستظهار بالربوبية ، فتكونون بين رعاية وإهمال وتقصير وإكمال ومراقبة وإغفال ، وبين جد وفتور كما أنكم بين حدث وطهور ، وفيه استحباب إدامة الوضوء وتجديده إن صلى به لأن تجديده من المحافظة الكاملة عليه ، ومن شواهد هذا الحديث أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم - : " استقيموا ونعما إن استقمتم ، وخير أعمالكم الصلاة ، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن " رواه ابن ماجه عن أبي أمامة والطبراني .




                                                                                                          الخدمات العلمية