الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                            ( الحمد لله ) افتتح كتابه بعد التيمن بالبسملة بحمد الله تعالى أداء لحق شيء مما يجب عليه من شكر نعمائه التي تأليف هذا الكتاب أثر من آثارها ، واقتداء بالكتاب العزيز ، وعملا بخبر { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع } وفي رواية { بالحمد لله } وفي رواية { بحمد الله } وفي رواية " بالحمد " وفي رواية { كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم } رواه أبو داود وغيره وحسنه ابن الصلاح وغيره . ومعنى ذي بال : أي حال يهتم به ، وفي رواية لأحمد : { لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر وأقطع . } فإن قيل نرى كثيرا من الأمور يبتدأ فيها بسم الله ولا تتم وكثيرا بعكس ذلك . قلنا : ليس المراد التمام الحسي ، ولهذا [ ص: 25 ] قال بعضهم : المراد من كونه ناقصا أن لا يكون معتبرا في الشرع ، ألا ترى أن الأمر الذي ابتدئ فيه بغير اسم الله غير معتبر شرعا وإن كان تاما حسا . ولا تعارض بين روايتي البسملة والحمدلة ؛ لأن الابتداء حقيقي وإضافي ، فالحقيقي حصل بالبسملة والإضافي بالحمدلة ، أو لأنه أمر عرفي يعتبر ممتدا فيسع أمرين أو أكثر ، أو ؛ لأن المقصود الابتداء بذكر الله على أي وجه كان بدليل رواية أحمد السابقة .

                                                                                                                            والحمد اللفظي لغة : هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على قصد التعظيم سواء أتعلق بالفضائل أم بالفواضل ، وعرفا : فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما على الحامد أو غيره سواء كان ذكرا باللسان أم اعتقادا ومحبة بالجنان أم عملا وخدمة بالأركان " فمورد اللغوي [ ص: 26 ] هو اللسان وحده ومتعلقه يعم النعمة وغيرها ، ومورد العرفي يعم اللسان وغيره ومتعلقه يكون النعمة وحدها ، فاللغوي أعم باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد ، والعرفي بالعكس . والشكر لغة : فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما على الشاكر . وعرفا : صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله . والمدح لغة : الثناء باللسان على الجميل مطلقا على قصد التعظيم ، وعرفا : ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل ، والذم نقيض الحمد ، والكفران نقيض الشكر ، والهجو نقيض المدح ، وجملة الحمد لله خبرية لفظا إنشائية معنى لحصول الحمد بها مع الإذعان لمدلولها .

                                                                                                                            وقيل إنها خبرية لفظا ومعنى ، ويجوز أن تكون موضوعة شرعا للإنشاء ، والحمد مختص بالله كما أفادته الجملة ، سواء أجعلت لام التعريف فيه للاستغراق كما عليه الجمهور وهو ظاهر ، أم للجنس كما عليه الزمخشري ؛ لأن لام لله للاختصاص فلا مرد منه لغيره ، إذ الحمد في الحقيقة كله [ ص: 27 ] له ، إذ ما من خير إلا وهو موليه بوسط أو غير وسط كما قال تعالى { وما بكم من نعمة فمن الله } وفيه إشعار بأنه تعالى حي قادر مريد عالم ، إذ الحمد لا يستحقه إلا من كان هذا شأنه ، أم للعهد كالتي في قوله تعالى { إذ هما في الغار } كما نقله الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، وأجازه الواحدي على معنى أن الحمد الذي حمد الله به نفسه وحمده به أنبياؤه وأولياؤه مختص به ، والعبرة بحمد من ذكر فلا مرد منه لغيره ، وأولى الثلاثة الجنس ، ولما كان استحقاقه لجميع المحامد لذاته لم يقل الحمد للخالق أو للرازق أو نحوه لئلا يوهم أن استحقاقه الحمد لذلك الوصف ، إذ تعليق الحكم بالمشتق يشعر بعلية المشتق منه لذلك الحكم ، والحمد لله ثمانية أحرف وأبواب الجنة ثمانية ، فمن قالها عن صفاء قلبه استحق ثمانية أبواب الجنة .

                                                                                                                            ( البر ) بفتح الباء : أي المحسن ، وقيل اللطيف ، وقيل الصادق فيما وعد ، وقيل خالق البر بكسر الباء الذي هو اسم جامع للخير ، وقيل الرفيق بعباده يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر ، ويعفو عن كثير من سيئاتهم ولا يؤاخذهم بجميع جناياتهم ، ويجزيهم بالحسنة عشر أمثالها ولا يجزيهم بالسيئة إلا مثلها ، ويكتب لهم الهم بالحسنة ولا يكتب عليهم الهم بالسيئة ، ذكره البيهقي في كتابه الأسماء والصفات ( الجواد ) [ ص: 28 ] بالتخفيف : أي الكثير الجود أي العطاء ، قيل لم يرد بالجواد توقيف وأسماؤه تعالى توقيفية ، فلا يجوز اختراع اسم أو وصف له سبحانه وتعالى إلا بقرآن أو خبر صحيح مصرح به لا بأصله الذي اشتق منه فحسب : أي وبشرط أن لا يكون ذكره لمقابلة كما هو ظاهر نحو { أم نحن الزارعون } { والله خير الماكرين } وليس كذلك ، بل رواه الترمذي في جامعه والبيهقي في الأسماء والصفات مرسلا واعتضد بمسند وبالإجماع .

                                                                                                                            ( الذي جلت ) أي عظمت والجليل العظيم ( نعمه ) جمع نعمة بكسر النون بمعنى إنعام وهو الإحسان ، وأما النعمة بفتح النون فهي التنعم وبضمها المسرة ( عن الإحصاء ) بكسر الهمزة وبالمد : أي الضبط قال تعالى { أحصاه الله ونسوه } ( بالأعداد ) بفتح الهمزة : أي [ ص: 29 ] بجميعها إذ اللام فيها للاستغراق ، فاندفع ما قيل إن الأعداد جمع قلة ، والشيء قد لا يضبطه الشيء القليل ويضبطه الكثير ، فكان الصواب أن يعدل عنه ، ويعبر بالتعداد ونحوه والباء في الأعداد للاستعانة أو المصاحبة ، ونعم الله تعالى وإن كانت لا تحصى تنحصر في جنسين دنيوي وأخروي والأول قسمان موهبي وكسبي . والموهبي قسمان : روحاني كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى كالفكر والفهم والنطق . وجسماني كتخليق البدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء .

                                                                                                                            والكسبي تزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق والملكات الفاضلة وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلي المستحسنة وحصول الجاه والمال ، والثاني أن يعفو عما فرط منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى عليين مع الملائكة المقربين .

                                                                                                                            ( المان ) أي المنعم منا منه لا وجوبا عليه . وقيل المان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال ، وأما كون المان بمعنى معدد النعم وإن كان صفة مدح في حق الله تعالى لكنه لا يناسب هذا التركيب ( باللطف ) أي بالإقدار على الطاعة ، إذ هو بضم اللام وسكون الطاء الرأفة والرفق ، وهو من الله خلق قدرة الطاعة في العبد ، وبفتح اللام والطاء لغة فيه ، [ ص: 30 ] ويطلق على ما يبر به الشخص ( والإرشاد ) أي الهداية للطاعة فإنه مصدر أرشده بمعنى وفقه وهداه ، والرشاد والرشد بضم الراء وإسكان الشين وبفتحها نقيض الغي وهو الهدى والاستقامة ، يقال رشد يرشد رشدا بوزن عجب يعجب عجبا وبوزن أكل يأكل أكلا بضم الهمزة ( الهادي إلى سبيل الرشاد ) أي الدال على طريق الاستقامة بلطف ، ومن أسمائه الهادي وهو الذي بصر عباده طريق معرفته حتى أقروا بربوبيته .

                                                                                                                            وهداية الله تعالى تتنوع أنواعا لا يحصيها عد لكنها تنحصر في أجناس مترتبة :

                                                                                                                            الأول إفاضة القوى التي يتمكن بها من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنية والمشاعر الظاهرة .

                                                                                                                            والثاني نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد .

                                                                                                                            والثالث الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب .

                                                                                                                            والرابع أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء ( الموفق للتفقه ) اللام فيه للتعدية ( في الدين من لطف به ) مفعول الموفق والضمير في به لمن باعتبار لفظها ( واختاره ) له ( من العباد ) المفعول الثاني لاختار ، [ ص: 31 ] واللام فيه للجنس أو للاستغراق أو للعهد ، وأشار بهذا إلى خبر { من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين } متفق عليه ، والتوفيق خلق قدرة الطاعة وتسهيل سبيل الخير ، ويعبر عنه بما يقع عند صلاح العبد أخرة وهو عكس الخذلان .

                                                                                                                            وفي الحديث { لا يتوفق عبد حتى يوفقه الله } وفي أوائل الإحياء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { قليل من التوفيق خير من كثير من العلم } قال القاضي الحسين : والتوفيق المختص بالمتعلم أربعة أشياء : شدة العناية ، ومعلم ذو نصيحة ، وذكاء القريحة واستواء الطبيعة : أي خلوها عن الميل لغير ذلك وإن لم يرتسم فيها وتتكيف بما يخالف الشيء الملقى إليها . ولما كان التوفيق عزيزا لم يذكر في القرآن إلا في قوله تعالى { وما توفيقي إلا بالله } { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } { إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا } وظاهر أن المراد ذكر لفظه وإلا فالآيتان المتأخرتان ليستا من التوفيق المذكور .

                                                                                                                            والتفقه أخذ الفقه شيئا فشيئا . والفقه لغة الفهم ، وقيل فهم ما دق . قال النووي : يقال فقه يفقه فقها كفرح يفرح فرحا ، وقيل فقها بسكون القاف وابن القطاع وغيره يقال : فقه بالكسر إذا فهم ، وفقه بالضم إذا صار الفقه  له سجية ، وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم .

                                                                                                                            وشرعا : العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية وموضوعه أفعال المكلفين ؛ لأنه يبحث فيه عنها ، والدين ما شرعه الله من الأحكام ، وهو وضع [ ص: 32 ] سائق إلهي لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير بالذات .

                                                                                                                            وقيل الطريقة المخصوصة المشروعة ببيان النبي صلى الله عليه وسلم المشتملة على الأصول والفروع والأخلاق والآداب ، سميت من حيث انقياد الخلق لها دينا ، ومن حيث إظهار الشارع إياها شرعا وشريعة ، ومن حيث إملاء الشارع إياها ملة ( أحمده أبلغ حمد ) أي أنهاه ( وأكمله ) أي أتمه . قال بعضهم : قصد بذلك أن يكون حمده على الوجه الذي عليه أهل الحق لا كما وقع للمعتزلة من نفي صفاته الحقيقية وبعض الإضافية ( وأزكاه ) أي أنماه ( وأشمله ) أي أعمه .

                                                                                                                            المعنى : أصفه بجميع صفاته ؛ لأن كلا منها جميل ، ورعاية جميعها أبلغ في التعظيم المراد بما ذكر ، إذ المراد به إيجاد الحمد لا الإخبار بأنه سيوجد ، وهو أبلغ من حمده الأول كما أفاده الشارح ؛ لأنه ثناء بجميع الصفات برعاية الأبلغية كما تقدم ، وذاك بواحدة منها وهي الثناء عليه بأنه مالك لجميع الحمد من الخلق ، أو مستحق لأن يحمدوه ، وإن لم تراع الأبلغية هنا بأن يراد الثناء بالجميل فإنه يصدق بالثناء بكل الصفات وببعضها ، وذلك البعض أعم من تلك الصفة لصدقه بها وبغيرها وبها مع غيرها الكثير فالثناء به أبلغ من الثناء بما في الجملة أيضا ، نعم الثناء بها من حيث تفصيلها أوقع في النفس من الثناء به .

                                                                                                                            واعترض بأنه كيف يتصور أن يصدر منه عموم الحمد مع أن بعض المحمود عليه وهو النعم لا يتصور حصرها كما سبق . وأجيب بأن المراد نسبة عموم المحامد إلى الله تعالى على جهة الإجمال بأن يعترف مثلا باتصاف الله تعالى بجميع [ ص: 33 ] صفات الكمال الجلالية والجمالية ، وقد عبر المصنف أولا بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبوت " وثانيا بالجملة الفعلية الدالة على التجدد والحدوث ، واقتدى في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ففي خبر مسلم وغيره أن الحمد لله نحمده ونستعينه ( وأشهد ) أي أعلم ( أن لا إله ) أي لا معبود بحق في الوجود ( إلا الله ) الواجب الوجود ( الواحد ) أي الذي لا تعدد له فلا ينقسم بوجه ولا نظير له ، فلا مشابهة بينه وبين غيره بوجه ( الغفار ) أي الستار لذنوب من أراد من عباده المؤمنين فلا يظهرها بالعقاب عليها .

                                                                                                                            وقد صرح بكلمة لا إله إلا الله في القرآن في سبعة وثلاثين موضعا ، ولم يقل القهار بدل الغفار ؛ لأن معنى القهر مأخوذ مما قبله ، إذ من شأن الواحد في ملكه القهر . ولما كان من شروط الإسلام ترتيب الشهادتين عطف المصنف الشهادة الثانية على الأولى فقال ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار ) من الخلق لدعوة من بعث إليه من الأحمر والأسود إلى دين الإسلام ، وقول الشارح من الناس ليدعوهم فيه إشارة إلى أنه لم يبعث إلى الملائكة وهو الراجح كما أوضحه الوالد رحمه الله في فتاويه ، [ ص: 34 ] لكن عبارة الشارح قد تخرج الجن مع أنه مبعوث إليهم ، فإما أن يقال بشمول الناس لهم كما عزي للجوهري وعليه فلا اعتراض ، أو أنهم دخلوا بدليل آخر . ومحمد علم منقول من اسم المفعول المضعف سمي به نبيا بإلهام من الله تعالى تفاؤلا بأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة خصاله المحمودة ، كما روي في السير أنه قيل لجده عبد المطلب وقد سماه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها : لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك ولا قومك ؟ فقال : رجوت أن يحمد في السماء والأرض ، وقد حقق الله رجاءه كما سبق في علمه قال العلماء : ليس للمؤمن صفة أتم ولا أشرف من العبودية ، ولهذا أطلقها الله على نبيه في أشرف المواطن كقوله تعالى { سبحان الذي أسرى بعبده } { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } { فأوحى إلى عبده ما أوحى } وقد روي { أن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم : بم أشرفك ؟ قال : بأن تنسبني إليك بالعبودية } .

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية