الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ثم أشار إلى الركن الثاني بقوله ( ونية استباحة الصلاة ) ونحوها مما يفتقر استباحته إلى طهارة كطواف وسجدة تلاوة وشكر وحمل مصحف ، وكلامه هنا في صحة التيمم من حيث الجملة ، أما ما يستبيحه به فسيأتي ، ولا فرق بين أن يعين الحدث أم لا حتى لو تيمم بنية الاستباحة ظانا كون حدثه أصغر فتبين أنه أكبر أو بالعكس لم يضر لأن موجبهما متحد ، بخلاف ما إذا كان متعمدا فإنه يضر لتلاعبه ، فلو كان مسافرا وأجنب فيه ونسي وكان يتيمم وقتا ويتوضأ وقتا أعاد صلاة الوضوء فقط لما ذكر ( لا ) نية ( رفع الحدث ) أصغر كان أو أكبر أو الطهارة عن أحدهما فلا تكفي لأن التيمم لا يرفعه لبطلانه بزوال مقتضيه ، { ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص وقد تيمم عن الجنابة من شدة [ ص: 297 ] البرد يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب } وشمل كلامه ما لو كان مع التيمم غسل بعض الأعضاء وإن قال بعضهم : إنه يرفعه حينئذ .

                                                                                                                            قال الكمال ابن أبي شريف : فإن قيل الحدث الذي ينوي رفعه هو المنع والمنع يرتفع بالتيمم ، قلنا : الحدث منع متعلقه كل صلاة فريضة كانت أو نافلة وكل طواف فرضا كان أو نفلا وغير ذلك مما ذكر معه ، لأنه الذي يترتب على أحد الأسباب ، وهذا المنع العام المتعلق لا يرتفع بالتيمم إنما يرتفع به منع خاص المتعلق وهو المنع من النوافل فقط ، أو من فريضة واحدة وما يستباح معها والخاص غير العام ، ويؤخذ من هذا أنه لو نوى رفع الحدث الخاص صح وهو كذلك كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى ( ولو ) ( نوى فرض التيمم ) أو فرض الطهر أو التيمم المفروض ( لم يكف في الأصح ) بخلاف نظيره في الوضوء لأن التيمم إنما يؤتى به عن ضرورة فلا يصلح مقصدا ، ولهذا لا يندب تجديده بخلاف الوضوء .

                                                                                                                            نعم إن تيمم ندبا كأن تيمم للجمعة عند تعذر غسله أجزأته نية التيمم بدل الغسل كما بحثه الشيخ .

                                                                                                                            والثاني يكفي قياسا على الوضوء وفرق الأول بما تقدم .

                                                                                                                            لا يقال : لم لم تصح [ ص: 298 ] نية التيمم أو فرضه مع أنه إنما نوى الواقع .

                                                                                                                            لأنا نقول : ممنوع بإطلاقه ، لأنه وإن نواه من وجه نوى خلافه من وجه آخر ، لأن تركه نية الاستباحة وعدوله إلى نية التيمم أو نية فرضيته ظاهر في أنه عبادة مقصودة في نفسها من غير تقييد بالضرورة وهذا خلاف الواقع .

                                                                                                                            ويؤخذ مما تقرر أنه لو نوى فرضية الإبدال لا الأصول صح ، ويوجه بأنه الآن نوى الواقع من كل وجه فلم يكن للإبطال وجه ( ويجب قرنها ) أي النية ( بالنقل ) الحاصل بالضرب إلى وجهه إذ هو أول الأركان ( وكذا ) يجب ( استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح ) فلو عزبت قبل المسح لم يكف إذ النقل وإن كان ركنا غير مقصود في نفسه قال في المهمات : والمتجه الاكتفاء باستحضارها عندهما وإن عزبت بينهما ، واستشهد له بكلام لأبي خلف الطبري وهو المعتمد ، والتعبير بالاستدامة كما قاله الوالد رحمه الله تعالى جرى على الغالب لأن الزمن يسير لا تعزب النية فيه غالبا حتى إنه لو لم ينو بعد ذلك إلا عند إرادة المسح للوجه أجزأه كما يؤخذ من الفرق المتقدم ، ولا ينافيه قول الأصحاب : يجب قرنها بالنقل على الوجه المعتد به ، وهذا لا يعتد به ، إذ المعتد به الآن هو النقل من اليدين إلى الوجه وقد اقترنت النية به ، ومقابل الصحيح لا تجب الاستدامة كما لو قارنت نية الوضوء أول غسل الوجه ثم انقطعت ، والأول أجاب بما مر .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : مما تفتقر ) بيان لنحوها ( قوله لأن موجبهما ) بفتح الجيم : أي وهو مسح الوجه واليدين ( قوله : لما ذكر ) أي من صحة تيمم المحدث حدثا أصغر بنية الأكبر غلطا وعكسه وقد ألغز السيوطي بذلك فقال : [ ص: 297 ] أليس عجيبا أن شخصا مسافرا إلى غير عصيان تباح له الرخص إذا ما توضأ للصلاة أعادها
                                                                                                                            وليس معيدا للتي بالتراب خص لقد كان هذا للجنابة قد نسي
                                                                                                                            وصلى مرارا بالوضوء أتى بنص كذاك مرارا بالتيمم يا فتى
                                                                                                                            عليك بكتب العلم يا خير من فحص قضاء صلاة بالوضوء فواجب
                                                                                                                            وليس معيدا للتي بالتراب خص لأن مقام الغسل قام تيمم
                                                                                                                            خلاف وضوء هاك فرقا به تخص وذا نظم عبد الله وهو ابن أحمد
                                                                                                                            فيا رب سلمه من الهم والغصص ( قوله : صليت ) الذي تقدم أصليت ( قوله : وأنت جنب ) قال حج : سماه جنبا مع تيممه إفادة لعدم رفعه .

                                                                                                                            وقد يقال : يجوز أنه إنما سماه بذلك لأن التيمم للبرد لا يسقط معه القضاء فكان وجوده كعدمه ( قوله : خاص المتعلق ) أي خاص متعلقه فهو من إضافة الوصف إلى فاعله ( قوله رفع الحدث ) وهو المنع المتعلق بفرض ونوافل أو نوافل فقط ( قوله : فرض التيمم ) أي أو التيمم فقط م ر سم على منهج ( قوله لم يكف في الأصح ) .

                                                                                                                            [ فرع ] صمم ابن الرملي على أن محل عدم الاكتفاء بنية التيمم أو فرض التيمم إذا لم يضفها لنحو الصلاة فإن أضافها كنويت التيمم للصلاة أو فرض التيمم للصلاة جاز أخذا من العلة لأنه إنما بطل هناك لأن التيمم لا يصلح مقصدا ولما أضافه لم يبق مقصدا سم على منهج .

                                                                                                                            أقول : ويستبيح به النوافل فقط تنزيلا له على أقل الدرجات ، إذ غاية ذلك أن إضافته للصلاة ألحقته بما لو نوى استباحتها ( قوله لأن التيمم ) هذا التعليل يقتضي أن صاحب الضرورة لا ينوي فرض الوضوء لأن طهره طهر ضرورة فليس مرادا ( قوله : ولهذا ) أي لكونه إنما يأتي به ( قوله : لا يندب ) وقضية عدم سنه أنه إذا جدده لا يصح ، لكن نقل عن الشارح كراهته فقط وهو صريح في الصحة ( قوله : أجزأته ) وكذا إن تيمم في غير ذلك : أي غسل الجمعة بدلا عن الوضوء سم ، وظاهر الشارح وإن لم يضفه إلى الجمعة أو غسلها ، وعبارة حج : ومن ثم لما لم يكن في تيمم نحو غسل الجمعة استباحة جاز له نية تيمم [ ص: 298 ] الجمعة وسنة تيممها لانحصار الأمر فيها ( قوله : بإطلاقه ) أي المتيمم ( قوله : فرضية الإبدال ) بأن نوى فرض التيمم قاصدا أنه بدل عن الغسل أو الوضوء لا أنه فرض أصلي ( قوله : لا تعزب النية فيه غالبا ) كون التعبير بالاستدامة جريا على الغالب ، وأن عزوبها بين النقل والمسح لا يضر يبعده فرض الخلاف بين الصحيح ومقابله في اعتبار الاستدامة وقوله ولا ينافيه .

                                                                                                                            قد يقال : هو لا يحصل الفرض لأنه متى جدد النية عند إرادة المسح وقبل مماسة التراب للوجه اكتفى بذلك وإن قلنا إن عزوب النية مضر لأن النية على الوجه المذكور محصلة للنقل ( قوله : كما يؤخذ من الفرق المتقدم ) أي في قوله لأنا نقول بجوازه عند تجديد النية إلخ ( قوله : ولا ينافيه ) أي الإجزاء المذكور ( قوله : إذ المعتد ) علة لقوله : لا ينافيه .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : بخلاف ما إذا كان متعمدا ) أي كأن نوى استباحة الصلاة عن الأكبر مع علمه أنه ليس عليه أكبر ، قاله الشهاب ابن قاسم وظاهره وإن لم يتلفظ بذلك ( قوله : ولقوله صلى الله عليه وسلم إلخ ) [ ص: 297 ] وجه الدلالة منه أنه أطلق عليه جنبا في هذه الحالة كما قاله الشهاب ابن حجر ولك أن تقول : هو صلى الله عليه وسلم إنما أطلق عليه جنبا بناء على عدم صحة تيممه قبل علمه بالسبب ، ومن ثم لما أخبره به سكت ( قوله : العام المتعلق ) من إضافة اسم الفاعل لفاعله فالمتعلق بفتح اللام ، وكذا يقال : في خاص المتعلق [ ص: 298 ] قوله : حتى إنه لو لم ينو بعد ذلك ) الأولى حذف قوله بعد ذلك ; لأنه لا يصح إلا إن كانت الإشارة به إلى مجرد صورة النقل ( قوله : كما يؤخذ من الفرق المتقدم ) أي قبيل قول المصنف فلو نقل من وجه إلى يد إلخ ، وإن لم يكن بعنوان الفرق ( قوله : ومقابل الصحيح لا تجب الاستدامة ) أي بل يكفي قرنها بالنقل وإن لم يستحضر عند مسح الوجه




                                                                                                                            الخدمات العلمية