الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( الثالث ) من الفروض ( غسل يديه ) للآية والإجماع ( مع مرفقيه ) بكسر الميم وفتح الفاء أفصح من عكسه أو قدرهما من فاقدهما كما في العباب لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه توضأ فغسل وجهه وأسبغ الوضوء ، ثم غسل يده اليمنى حتى شرع في العضد ثم اليسرى كذلك إلى آخره ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ } ولقوله تعالى { وأيديكم إلى المرافق } فإن إلى بمعنى مع إن قلنا إن اليد إلى الكوع فقط إذ لم يقل أحد بغسل الكوعين والمرفقين دون ما بينهما ، أو على حقيقتها ، واستفيد دخول المرافق من فعله صلى الله عليه وسلم [ ص: 172 ] والإجماع ومن كون الغاية فيها للإسقاط بناء على ما يأتي لإفادتها مد الحكم إليها أو إسقاط ما وراءها ، وضابطه أن اللفظ إن تناول محلها لولا ذكرها أفادت الثاني وإلا أفادت الأول ، فالليل في الصوم منه بخلاف اليد هنا فإنها من الثاني لصدقها على العضو إلى الكتف لغة ، فكان ذكر الغاية إسقاطا لما وراء المرافق فدخل المرفق .

                                                                                                                            ويدفع ما نقض به الضابط من نحو قراءة القرآن إلى سورة كذا بمنع خروج السورة عن المقروء إلا بقرينة ، ويجوز جعل اليد التي هي حقيقة إلى المنكب أو الكوع مجازا إلى المرفق مع جعل إلى غاية للغسل داخلة في المغيا بقرينتي الإجماع والاحتياط للعبادة ، وكذا يقال في أرجلكم إلى الكعبين ( فإن قطع بعضه ) أي بعض ما يجب غسله ( وجب ) غسل ( ما بقي ) لخبر { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور ( أو ) قطع ( من مرفقه ) بأن سل عظم ذراعه وبقي العظمان المسميان برأس العضد ( فرأس ) أي فيجب غسل رأس ( عظم العضد على المشهور ) لكونه [ ص: 173 ] من المرفق تفريعا على أنه اسم لمجموع العظمين والإبرة وهو الأصح ، والثاني فرعه على أنه طرف عظم الساعد فقط ووجوب غسل رأس العضد بالتبعية ( أو فوقه ) أي قطع من فوق مرفقه ( ندب ) غسل ( باقي عضده ) كما لو كان سليم اليد لئلا يخلو العضو عن طهارة ، ويجب غسل ما على اليدين من شعر وإن كثف وأظفار وإن طالت كيد أو سلعة نبتت في محل الفرض ، وباطن ثقب أو شق فيه لأنه صار ظاهرا .

                                                                                                                            نعم إن كان لهما غور في اللحم لم يجب إلا غسل ما ظهر منهما ، وكذا يقال في بقية الأعضاء ، ولو انكشطت جلدة الساعد فبلغ تكشطها العضد ثم تدلت منه لم يجب غسل شيء منها لتدليها من غير محل الفرض بخلاف عكسه ، وغسل ما حاذاهما من يد زائدة نبتت فوق محل الفرض وتدلت ولم تشتبه بالأصلية لنحو ضعف بطش أو فقد أصبع لحصول ذلك القدر في محل الفرض مع وقوع الاسم عليها ، وخرج نحو سلعة وشعر تدلى من عضده وجلدة منكشطة منه حيث لم يبلغ التكشط محل الفرض ، فلا يجب غسل المحاذي منها ولا غيره لعدم وقوع الاسم عليها ، ولو جاوز تكشطها مرفقه وتدلت على ساعده وجب غسل المتدلي مطلقا ما لم يلتصق به ، وإلا غسل ظاهرها بدلا عما استتر منه ، ولهذا لو زالت بعد أن غسلها وجب غسل ما ظهر ، بخلاف ما لو حلق لحيته الكثة لأن الاقتصار على غسل ظاهر الملتصقة كان للضرورة وقد زالت ، ولا كذلك اللحية لتمكنه من غسل باطنها ، ولو انكشطت من ساعده والتصق رأسها بعضده مع تجافي باقيها وجب غسل محاذي محل الفرض منها ظاهرا وباطنا دون ما فوقه لأنه على غير محل الفرض ، فلا نظر لأصله بناء على أن العبرة بما إليه التكشط لا بما منه ذلك .

                                                                                                                            ويؤخذ من تعبيرهم بالمحاذاة [ ص: 174 ] أن الزائدة لو نبتت بعد قطع الأصلية لم يجب غسل شيء منها لانتفاء المحاذاة حينئذ ، ويحتمل خلافه بناء على شمول المحاذاة لما كان فعلا أو قوة وهو أقرب ، ولو طالت الزائدة فجاوزت أصابعها أصابع الأصلية اتجه وجرب غسل الزائد على الأصلية ويحتمل عدمه

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : أو قدرهما ) لعل المراد قدرهما من المعتدل من غالب أمثاله أخذا مما ذكره في الكعبين ( قوله : وأسبغ الوضوء ) أي تمم ( قوله : حتى شرع ) أي دخل ( قوله : أو على حقيقتها ) أي إن [ ص: 172 ] قلنا : اليد للمنكب على ما يأتي ( قوله بناء على ما يأتي ) أي من أنها : أي الغاية لإفادتها إلخ ( قوله : أو إسقاط ما وراءها ) وذلك بأن يجعل التقدير هنا : اغسلوا أيديكم من الأصابع واتركوا من أعلاها إلى المرافق .

                                                                                                                            والدليل على أن المراد الغسل من الأصابع الحمل على ما هو الغالب في غسل الأيدي أنه من الأصابع .

                                                                                                                            ومن لازمه أن يكون الترك من الأعلى ، وبين ذلك فعله صلى الله عليه وسلم كما يفهم من قوله : حتى شرع إلخ ( قوله : وضابطه ) حاصل هذا الضابط يرجع إلى أن الغاية إن كانت من جنس المغيا دخلت فيه إلا بقرينة تقتضي خروجها كما يأتي في قراءة القرآن إلى سورة كذا من خروج السورة إن دلت القرينة على خروجها وإلا فتدخل ، وإن لم تكن من جنسه لا تدخل إلا بقرينة تدل على الدخول .

                                                                                                                            وفي شرح البهجة الكبير ما يفيد أن هذا القول مرجوح ، وأن الراجح عدم دخولها مطلقا إلا بقرينة ، وعلى الأول لو نذر أن يقرأ القرآن إلى سورة الكهف مثلا أو استأجره آخر على قراءة إليها وجب قراءتها أيضا ما لم تدل قرينة على إخراجها ، وعلى كلام شرح البهجة وكلام ابن هشام في المغني لا تدخل السورة ( قوله أفادت الثاني ) هو قوله : أو إسقاط ما وراءها والأول هو قوله لإفادتها الحكم إليها ( قوله فالليل في الصوم منه ) أي من الأول ( قوله فإن قطع بعضه إلخ ) . [ فرع ] لو قطعت يده ثم ألصقها في حرارة الدم ، فإن التحمت بحيث صار يخشى محذور تيمم يمتنع عليه قطعها ويجب غسلها وإلا فلا م ر سم على منهج . [ فرع آخر ] لو كان فاقد اليدين أو إحداهما فغسل بعد الوجه ما يجب غسله منهما ، إن كان ثم ما يجب غسله ثم مسح الرأس وتمم وضوءه ثم نبت له يدان بدل المفقودتين فهل يجب غسلهما الآن ويعيد ما بعدهما من الرأس والرجلين أو لا فيه نظر ، والذي يظهر الثاني لأنه لم يخاطب بغسلهما حين الوضوء لفقدهما ، فمسحه للرأس وقع صحيحا معتدا به فلا يبطله ما عرض من نبات اليدين ، وكما لو غسل وجهه أو مسح رأسه ثم نبت له شعر فيهما حيث لا يجب غسله ولا مسحه . ( قوله : عظم العضد ) العضد ما بين المرفق إلى الكتف ، وفيها خمس لغات : وزان رجل ، وبضمتين في لغة الحجاز ، وقرأ بها الحسن في قوله تعالى { وما كنت متخذ المضلين عضدا } ومثال كبد في لغة بني أسد [ ص: 173 ] ومثال فلس في لغة تميم وبكر ، والخامسة مثال قفل ، قال أبو زيد : أهل تهامة يؤنثون العضد ثم يذكرون والجمع أعضد وأعضاد مثل أفلس وأقفال ا هـ مصباح ( قوله : من شعر وإن كثف ) ظاهره وإن طال وخرج عن المحاذاة م ر سم على بهجة .

                                                                                                                            وقضية إطلاقه أنه يجب غسل ظاهره وباطنه لكن قال سم على منهج : وافق م ر على أنه يكفي غسل ظاهر الخارج الكثيف من اليدين ا هـ .

                                                                                                                            وإطلاق الشارح يوافق ما في حاشية البهجة وهو ظاهر عملا بإطلاقه ( قوله : نعم إن كان لهما غور ) أي الثقب والشق . [ فرع ] ولو دخلت شوكة أصبعه مثلا وصار رأسها ظاهرا غير مستور ، فإن كانت بحيث لو قلعت بقي موضعها مجوفا وجب قلعها ، ولا يصح غسل اليد مع بقائها ، وإن كانت بحيث لو قلعت لا يبقى موضعها مجوفا بل يلتحم وينطبق لم يجب قلعها ، وصح غسل اليد مع وجودها لعدم ظهورها انتهى قب .

                                                                                                                            ومثله على منهج نقلا عن م ر ، وعبارة حج : عطف على ما يجب غسله ومحل شوكة لم تغص في الباطن حتى استترت والأصح الوضوء ، وكذا الصلاة على الأوجه إذ لا حكم لما في الباطن انتهى .

                                                                                                                            وظاهره أنه متى كان بعض الشوكة ظاهرا اشترط قلعها مطلقا ( قوله : فبلغ تكشطها العضد إلخ ) أي وإن لم يلتصق به كما يفهم من قوله ثم تدلت ( قوله : بخلاف عكسه ) أي فيجب غسله ، وعليه فالعبرة في المنكشط بما انتهى إليه التقلع لا بما منه التقلع ( قوله : مع وقوع الاسم عليها ) وبهذا فارق الجلدة المتدلية من غير محل الفرض والسلعة والشعرة ( قوله وجب غسل المتدلي مطلقا ) أي ظاهرا وباطنا طال أو قصر ( قوله : وجب غسل ما ظهر ) أي وأعاد ما بعده رعاية للترتيب ( قوله : بخلاف ما لو حلق لحيته الكثة ) فإنه لا يجب عليه غسل ما ظهر بالحلق ( قوله : بناء على أن العبرة إلخ ) هذا قد ينافي ما ذكره من عدم وجوب غسل ما لم يحاذ الفرض لأن التكشط لم يجاوز محل الفرض ، إلا أن يقال لما التصق طرفها بغير الفرض نزل منزلة ما انتهى فيه [ ص: 174 ] التكشط بغير الفرض ( قوله : إن الزائدة لو نبتت إلخ ) أي في غير محل الفرض ( قوله : وهو أقرب ) معتمد ( قوله : اتجه ) خلافا لحج



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : إذ لم يقل أحد ) تعليل لغير مذكور لكنه معلوم ، وهو وجوب غسل ما بين الكوعين ، والمرفقين [ ص: 172 ] قوله : بناء على ما يأتي ) أي من أن اليد تصدق على العضو إلى الكتف ، فهو مقابل قوله فيما مر إن قلنا إن اليد إلى الكوع فقط ، وهو أولى مما في حاشية الشيخ ( قوله : إليها ) أي إلى الغاية على حذف مضاف : أي إلى مدخولها وكذا يقال في ورائها ( قوله : وضابطه ) أي إفادتها مد الحكم تارة وإسقاط ما وراءها أخرى ( قوله : أفادت الثاني ) أي كونها غاية للإسقاط وقوله وإلا أفادت الأول : أي كونها غاية لمد الحكم ( قوله : منه ) أي من الأول [ ص: 173 ] قوله : من يد زائدة ) من فيه تبعيضية .




                                                                                                                            الخدمات العلمية