الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                            ( الثاني ) من الفروض ( غسل ) ظاهر ( وجهه )  بالإجماع للآية ، والمراد بالغسل في هذا الباب الانغسال ، ولو خلق له وجهان وجب غسلهما لحصول المواجهة بهما ، [ ص: 167 ] أو رأسان كفى مسح بعض أحدهما ، نعم لو كان له وجه من جهة قبله وآخر من جهة دبره وجب غسل الأول فقط كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ( وهو ) طولا ( ما بين منابت شعر رأسه غالبا و ) تحت ( منتهى لحييه ) بفتح اللام وهما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى ( وما بين أذنيه ) أي عرضا لحصول المواجهة بكل ذلك ، بخلاف باطن الفم والأنف والعين فلا يجب غسلهما ، بل ولا يستحب غسل باطن العين ، على أن بعضهم صرح بكراهته لضرره ، [ ص: 168 ] نعم إن تنجس باطنها وجب غسله ، ويفرق بغلظ النجاسة بدليل إزالتها عن الشهيد حيث كانت غير دم الشهادة .

                                                                                                                            ويجب غسل موقى العين قطعا ، فإن كان عليه نحو رماص يمنع وصول الماء إلى المحل الواجب وجب إزالته وغسل ما تحته ، وقوله غالبا إيضاح لبيان إخراج الصلع وإدخال الغمم ، إذ التعبير بالمنابت كاف في ذلك فيهما لأن موضع الصلع منبت شعر الرأس وإن انحسر الشعر عنه لسبب ، والجبهة ليست منبته وإن نبت عليها الشعر ، ولهذا قال الإمام : إنه لا حاجة إليه .

                                                                                                                            أما موضع الغمم فداخل كما ذكره بقوله ( فمنه ) أي من الوجه ( موضع الغمم ) وهو الشعر النابت على الجبهة أو بعضها لحصول المواجهة به ، والغمم مأخوذ من غم الشيء إذا ستره ، ومنه غم الهلال ، ويقال رجل أغم وامرأة غماء ، والعرب تذم به وتمدح بالنزع ، إذ الغمم يدل على البلادة والجبن والبخل ، والنزع بضد ذلك .

                                                                                                                            قال القائل :

                                                                                                                            فلا تنكحي إن فرق الله بيننا أغم القفا والوجه ليس بأنزعا

                                                                                                                            ومنتهى اللحيين من الوجه كما تقرر وإن لم تشمله عبارة المصنف ( وكذا التحذيف في الأصح ) أي موضعه وهو بالذال المعجمة : ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة لمحاذاته بياض الوجه ، سمي بذلك لأن النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه .

                                                                                                                            والثاني أنه من الرأس وسيأتي ترجيحه ، وضابطه كما قاله الإمام وجزم به المصنف في دقائقه : أن تضع طرف خيط على رأس الأذن والطرف الثاني على أعلى الجبهة ويفرض هذا الخيط مستقيما ، فما نزل عنه إلى جانب الوجه فهو موضع التحذيف ( لا النزعتان ) بفتح الزاي ويجوز إسكانها [ ص: 169 ] ( وهما بياضان يكتنفان الناصية ) فليستا من الوجه لأنهما في حد تدوير الرأس ، والناصية مقدم الرأس من أعلى الجبين ( قلت : صحح الجمهور أن موضع التحذيف من الرأس ، والله أعلم ) لاتصال الشعر به فلا يصير وجها بفعل بعض الناس ، ومن الرأس أيضا الصدغان لدخولهما في تدويره ، وهما فوق الأذنين متصلان بالعذارين .

                                                                                                                            ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه  خروجا من خلاف من أوجب غسلها ، ولا بد من غسل جزء من الرأس ومن تحت الحنك ومن الأذنين وجزء فوق اليدين والرجلين ، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ومن الوجه ما بين العذار والأذن من البياض لكونه داخلا في حده ، وما ظهر من حمرة الشفتين ومن الأنف بالجدع ، حتى لو اتخذ له أنفا من ذهب وجب غسله كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ، لأنه وجب عليه غسل ما ظهر من أنفه بالقطع وقد تعذر للعذر فصار الأنف المذكور في حقه كالأصلي ( ويجب غسل كل هدب   ) وهو بضم الهاء مع سكون الدال المهملة وضمها وبفتحهما معا الشعر النابت على العين ( وحاجب ) جمعه حواجب وحاجب الأمير جمعه حجاب ، سمي بذلك لأنه يحجب عن العين شعاع الشمس ( وعذار ) وهو بذال معجمة الشعر النابت المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض أول ما ينبت للأمرد غالبا ( وشارب ) وهو الشعر النابت على الشفة العليا ( وخد ) أي الشعر النابت عليه ، وهو من زيادته على المحرر ( وعنفقة ) وهو الشعر النابت على الشفة السفلى ( شعرا وبشرا ) أي ظاهرا وباطنا وإن كان كثيفا لندرة كثافته فألحق بالغالب ، وقوله شعرا وبشرا [ ص: 170 ] أورد عليه أنه كان ينبغي أن يسقط شعرا ويقول وبشرتها : أي بشرة جميع ذلك ، فقوله شعرا تكرار فإنما تقدم اسم لها لا لمنابتها ، وقوله بشرا غير صالح لتفسير ما تقدم .

                                                                                                                            وأجيب بأنه ذكر الخد أيضا فنص على شعره كما نص على بشرة ما ذكره من الشعر ( وقيل لا يجب ) غسل ( باطن عنفقة كثيفة ) بالمثلثة ولا بشرتها كاللحية ، وفي ثالث يجب إن لم تتصل باللحية ( واللحية ) من الرجل ( إن خفت كهدب ) فيجب غسل ظاهرها وباطنها ( وإلا ) بأن كثفت ( فليغسل ظاهرها ) ولا يجب غسل باطنها وهو منابتها { لأنه صلى الله عليه وسلم غرف غرفة واحدة لوجهه } وكانت لحيته كثيفة والغرفة الواحدة لا تصل إلى باطن ذلك غالبا ، ولما في غسل باطنها من المشقة ، والأصح أن الشعر أصل لا بدل .

                                                                                                                            وحاصل ذلك أن شعور الوجه إن لم تخرج عن حده ، فإما أن تكون نادرة الكثافة كالهدب والشارب [ ص: 171 ] والعنفقة ولحية المرأة والخنثى فيجب غسلها ظاهرا وباطنا خفت أو كثفت ، أو غير نادرة الكثافة وهي لحية الرجل وعارضاه ، فإن خفت بأن ترى البشرة من تحتها في مجلس التخاطب وجب غسل ظاهرها وباطنها ، فإن كثفت وجب غسل ظاهرها فقط ، فإن خف بعضها وكثف بعضها فلكل حكمه إن تميز ، فإن لم يتميز وجب غسل الجميع ، فإن خرجت عن حد الوجه وكانت كثيفة وجب غسل ظاهرها فقط وإن كانت نادرة الكثافة ، وإن خفت وجب غسل ظاهرها وباطنها .

                                                                                                                            ووقع لبعضهم في هذا المقام ما يخالف ما تقرر فاحذره .

                                                                                                                            قال ابن العماد : المراد بعدم التمييز عدم إمكان إفراده بالغسل وإلا فهو متميز في نفسه .

                                                                                                                            ويجب غسل سلعة نبتت في الوجه وإن خرجت عن حده لحصول المواجهة بها ( وفي قول لا يجب غسل خارج عن ) حد ( الوجه ) لخروجه عن محل الفرض كالذؤابة من الرأس ، والأصح الوجوب لحصول المواجهة به

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية