الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      في زكاة ماشية الخلطاء قلت : ما الذي يكون الناس به في الماشية خلطاء ؟ فقال : سألنا مالكا عن أهل القرية تكون لهم أغنام فإذا كان الليل انقلبت إلى دور أصحابها والدور مفترقة تبيت عندهم يحتلبونها ويحفظونها ، فإذا كان النهار غدا بها رعاؤها أو راع واحد يجمعونها من بيوت أهلها . فانطلقوا بها إلى مراعيها فرعوها بالنهار وسقوها ، فإذا كان الليل راحت إلى أربابها على حال مما وصفت لك أفترى هؤلاء خلطاء ؟ فقال : نعم وإن افترقوا في المبيت والحلاب إذا كان الدلو والمراح والراعي واحدا ، وإن افترقوا في الدور فأراهم خلطاء .

                                                                                                                                                                                      قلت لابن القاسم : أرأيت إن فرقها الدلو فكان هؤلاء يسقون على ماء يمنعون منه أصحابهم وأصحابهم على ماء يمنعونهم منه ؟ فقال : سمعت مالكا يقول : إذا كان الدلو والمراح والراعي واحدا ، وإن تفرقوا في المبيت والحلاب فهم خلطاء ، قال : والراعي عندي وإن كانوا رعاة كثيرين يتعاونون فيها فهم بمنزلة الراعي الواحد ، وأما ما ذكرت من افتراق الدلو إذا كانت مجتمعة فذلك عندي بمنزلة المراح ، مثل قول مالك لي : هي مجتمعة وإن فرقها الدلو بحال ما وصفت .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن كان راعي هؤلاء أجرة عليهم خاصة ، وراعي هؤلاء الآخرين أجرة عليهم خاصة إلا أن المسرح يجمعهم فيخلطون الغنم ويجتمعون في حفظها ؟ فقال : قال مالك : هي بمنزلة الراعي الواحد إن كان أربابها جمعوها أو أمروهم بجمعها فجمعوها حتى كان المراح والدلو والمسرح واحدا فهم خلطاء وهو قول مالك .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن اختلطوا في أول السنة وافترقوا في وسطها واختلطوا في آخر السنة ؟ فقال : إذا اجتمعوا قبل انقضاء السنة بشهرين فهم خلطاء عند مالك ، وقد وصفت لك ذلك في أول الكتاب . وإنما ينظر مالك في ذلك إلى آخر السنة ولا ينظر إلى أولها .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن جمعها الدلو في أول السنة وفرقها في وسط السنة وجمعها في آخر [ ص: 370 ] السنة ؟ فقال : هذا بمنزلة ما وصفت لك من اجتماعهم وافتراقهم ، وإنما ينظر مالك إلى آخر السنة ولا ينظر إلى أولها .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن اجتمعت في آخر السنة لأقل من شهرين لأني سمعتك تذكر شهرين ونحوهما ؟ فقال : إنما سألت مالكا عن الشهرين ؟ فقال : أراهم خلطاء ، ولم أسأله عن أقل من ذلك ، وأنا أرى أنهم خلطاء في أقل من الشهرين ما لم يتقارب الحول ويهربا فيه إلى أن يكونا خليطين فرارا من الزكاة ، وما نرى أنه نهى عن مثله في حديث عمر بن الخطاب .

                                                                                                                                                                                      قلت : والفحل إن فرقها في بعض السنة وجمعها في آخرها بمنزلة ما وصفت في قول مالك ؟ فقال : نعم إذا كان الدلو والمراح واحدا .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن جمع هذه الغنم الدلو والفحل والراعي وفرقها المبيت هذه في قرية وهذه في قرية أخرى ، أتراهم خلطاءفي قول مالك ؟ فقال : نعم كذلك قال لي فيها مالك .

                                                                                                                                                                                      قلت : وترى هذه الغنم وإن فرقتها هذه القرى في مراح واحد ؟

                                                                                                                                                                                      فقال : نعم هي بمنزلة المراح الواحد ، وقد قال لي مالك : وإن فرقها المبيت فهم خلطاء .

                                                                                                                                                                                      قلت : فأرى مالكا قد ضعف المبيت ؟ فقال : نعم كذلك قال مالك .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن جمعها المراح والراعي والمبيت ، والفحل وفرقها الدلو ؟ فقال ابن القاسم : وكيف يفرقها الدلو ؟

                                                                                                                                                                                      قلت : يكون جميعها في مراحها وراعيها وفحلها واحدا في موضع واحد ، حتى إذا كان يوم سقيها أخذ هؤلاء ماشيتهم فسقوها على مائهم ، وأخذ هؤلاء ماشيتهم فسقوها على مائهم ثم جمعوها بعد ذلك ، فكانوا في جميع الأشياء كلها خلطاء لا تفترق الغنم إلا في يوم ورودها ، فقال : أراهم على ما قال لي مالك في المراح أنهم خلطاء ، وهذا أهون عندي من تفرقة المبيت فأراهم خلطاء .

                                                                                                                                                                                      قلت : فأين قولهم في الدلو والفحل والمراح والراعي ؟ فقال إنما أريد بهذا الحديث فيما يظن ليعرف به أنهم خلطاء وأنهم متعاونون وأن أمرهم واحد ولم يريدوا بهذا الحديث إذا انخرم منه شيء أن لا يكونوا خلطاء .

                                                                                                                                                                                      قلت : أفتحفظ هذا التفسير من مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا ، ولكن هذا رأيي ، وقال مالك : الخليطان في البقر بمنزلة الخليطين ، في الغنم .

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية