الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      الحديث الرابع هو ما أخرجه مسلم في " صحيحه " : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع ، واللفظ لابن رافع ، قال إسحاق : أخبرنا وقال ابن رافع : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا روح بن عبادة ، أخبرنا ابن جريج ، وحدثنا ابن رافع واللفظ له ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني ابن طاوس ، عن أبيه ، أن أبا الصهباء قال لابن عباس : أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر ؟ فقال ابن عباس : نعم .

                                                                                                                                                                                                                                      وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب السختياني ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، أن أبا الصهباء قال لابن عباس : هات من هناتك ، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدة ؟ فقال : قد كان ذلك ، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم ، هذا لفظ مسلم في " صحيحه " .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بدله عن غير واحد ، ولفظ المتن : أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس : بلى ، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ، فلما رأى الناس - يعني عمر - قد تتايعوا فيها ، قال : أجيزوهن عليهم
                                                                                                                                                                                                                                      ، وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة :

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 121 ] الأول : أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة ، ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد ، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلا ولا شرعا أن تكون بلفظ واحد ، فمن قال لزوجته : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، ثلاث مرات في وقت واحد ، فطلاقه هذا طلاق الثلاث ; لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات ، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ، من أين أخذت كونها بكلمة واحدة ؟ فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة ؟ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة ؟ فإن قال : لا . يقال له طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة ، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة ، وإن اعترف بالحق وقال : يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة ، وعلى ما أوقع بكلمات متعددة ، وهو أشد بظاهر اللفظ ، قيل له : وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له ، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع . ومما يدل على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة ، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه ، أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، بتفريق الطلقات ; لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات ، ولذا ترجم في " سننه " لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث ، فقال : " باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة " ثم قال : أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال : يا ابن عباس ، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة ؟ قال : نعم ، فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد بل بألفاظ متفرقة ، ويدل على صحة ما فهمه النسائي - رحمه الله - من الحديث ما ذكره ابن القيم في " زاد المعاد " في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة بحديث عائشة : أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت . الحديث . فإنه قال فيه ما نصه : ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد ؟ بل الحديث حجة لنا فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثا وقال : ثلاثا ، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة ، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم ، كما يقال قذفه ثلاثا وشتمه ثلاثا وسلم عليه ثلاثا . ا ه منه بلفظه .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 122 ] وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائي - رحمه الله - من الحديث ; لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة ، كما أوضحه ابن القيم في حديث عائشة المذكور آنفا .

                                                                                                                                                                                                                                      وممن قال : بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور ، الثلاث المفرقة بألفاظ نحو أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، ابن سريج فإنه قال : يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ ، كأن يقول : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . وكانوا أولا على سلامة صدورهم ، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد ، فلما كثر الناس في زمن عمر ، وكثر فيهم الخداع ونحوه ; مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم . قاله ابن حجر في " الفتح " وقال : إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي ، وقواه بقول عمر : إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال النووي في " شرح مسلم " ما نصه : وأما حديث ابن عباس فاختلف الناس في جوابه وتأويله ، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، ولم ينو تأكيدا ولا استئنافا يحكم بوقوع طلقة ; لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك ، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد . فلما كان في زمن عمر - رضي الله عنه - وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة ، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها ، حملت عند الإطلاق على الثلاث ; عملا بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده عفا الله عنه : وهذا الوجه لا إشكال فيه ; لجواز تغير الحال عند تغير القصد ; لأن " الأعمال بالنيات " ولكل امرئ ما نوى " وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا .

                                                                                                                                                                                                                                      وعلى كل حال ، فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت ، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد ، ولم يتعين ذلك من اللغة ، ولا من الشرع ، ولا من العقل كما ترى .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده عفا الله عنه : ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أحمد ، وأبي يعلى من قوله : طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " كيف طلقتها " ؟ [ ص: 123 ] قال : ثلاثا في مجلس واحد ; لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد ، إذ لو كان اللفظ واحدا لقال بلفظ واحد ولم يحتج إلى ذكر المجلس ، إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم وترك الأخص بلا موجب ، كما هو ظاهر الجواب الثاني عن حديث ابن عباس هو : أن معنى الحديث أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثا كان يقع قبل ذلك واحدة ; لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا ، أو يستعملونها نادرا . وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها .

                                                                                                                                                                                                                                      ومعنى قوله : فأمضاه عليهم على هذا القول ، أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله ، ورجح هذا التأويل ابن العربي ، ونسبه إلى أبي زرعة الرازي . وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال : معنى هذا الحديث عندي إنما تطلقون أنتم ثلاثا ، كانوا يطلقون واحدة . قال النووي : وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة ، لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة ، وهذا الجواب نقله القرطبي في تفسير قوله تعالى : الطلاق مرتان [ 2 \ 229 ] عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجي ، والقاضي عبد الوهاب ، والكيا الطبري .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده عفا الله عنه : ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف ، وإن قال به بعض أجلاء العلماء .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية