الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 1363 ) مسألة : قال : ( ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ، ويلبس ثوبين نظيفين ، ويتطيب ) لا خلاف في استحباب ذلك ، وفيه آثار كثيرة صحيحة ، منها ما روى سلمان الفارسي ، قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ثم يخرج ، فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام ، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى } . رواه البخاري .

                                                                                                                                            وليس ذلك بواجب في قول أكثر أهل العلم . قال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم . وهو قول الأوزاعي ، والثوري ، ومالك ، والشافعي ، وابن المنذر وأصحاب الرأي ، وقيل : إن هذا إجماع .

                                                                                                                                            قال ابن عبد البر : أجمع علماء المسلمين قديما وحديثا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب . وحكي عن أحمد رواية أخرى ، أنه واجب ، وروي ذلك عن أبي هريرة ، وعمرو بن سليم وقاول عمار بن ياسر رجلا ، فقال عمار : أنا إذا أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة ووجهه قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ ص: 99 ] { غسل الجمعة واجب على كل محتلم } ، وقوله عليه السلام { : من أتى منكم الجمعة فليغتسل } وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما ، يغسل رأسه وجسده } متفق عليهن .

                                                                                                                                            ولنا ، ما روى سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل } رواه النسائي والترمذي ، وقال : حديث حسن . وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : { من توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت ، غفر له ما بينه وبين الجمعة ، وزيادة ثلاثة أيام ، ومن مس الحصى فقد لغا } . متفق عليه .

                                                                                                                                            وأيضا فإنه إجماع ، حيث قال عمر لعثمان : أية ساعة هذه ؟ فقال : إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء ، فلم أزد على الوضوء ، فقال له عمر : والوضوء أيضا وقد علمت { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل ؟ } ولو كان واجبا لرده ، ولم يخف على عثمان وعلى من حضر من الصحابة ، وحديثهم محمول على تأكيد الندب ، ولذلك ذكر في سياقه : " وسواك ، وأن يمس طيبا " كذلك رواه مسلم . والسواك ، ومس الطيب ، لا يجب ، ولما ذكرنا من الأخبار ، وقالت عائشة : كان الناس مهنة أنفسهم ، وكانوا يروحون إلى الجمعة بهيئتهم ، فتظهر لهم رائحة ، فقيل لهم : لو اغتسلتم . رواه مسلم بنحو هذا المعنى ( 1364 ) فصل : وقت الغسل بعد طلوع الفجر ، فمن اغتسل بعد ذلك أجزأه ، وإن اغتسل قبله لم يجزئه ، وهذا قول مجاهد ، والحسن ، والنخعي ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق وحكي عن الأوزاعي أنه يجزئه الغسل قبل الفجر . وعن مالك : أنه لا يجزئه الغسل إلا أن يتعقبه الرواح . ولنا ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : { من اغتسل يوم الجمعة } واليوم من طلوع الفجر ، وإن اغتسل ، ثم أحدث ، أجزأه الغسل ، وكفاه الوضوء ، وهذا قول مجاهد ، والحسن ، ومالك ، والأوزاعي ، والشافعي . واستحب طاوس والزهري ، وقتادة ، ويحيى بن أبي كثير ، إعادة الغسل .

                                                                                                                                            ولنا ، أنه اغتسل يوم الجمعة ، فدخل في عموم الخبر ، وأشبه من لم يحدث ، والحدث إنما يؤثر في الطهارة الصغرى ، ولا يؤثر في المقصود من الغسل ، وهو التنظيف ، وإزالة الرائحة ، ولأنه غسل ، فلا يؤثر الحدث في إبطاله ، كغسل الجنابة . ( 1365 ) فصل : ويفتقر الغسل إلى النية ; لأنه عبادة محضة ، فافتقر إلى النية ، كتجديد الوضوء ، فإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلا واحدا ونواهما ، أجزأه ، ولا نعلم فيه خلافا وروي ذلك عن ابن عمر ، ومجاهد ، ومكحول ، ومالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبي ثور . وقد ذكرنا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم { من غسل واغتسل } أي : جامع واغتسل ، ولأنهما غسلان اجتمعا ، فأشبها غسل الحيض والجنابة ، وإن اغتسل للجنابة ، ولم ينو غسل الجمعة ، ففيه وجهان ، أحدهما لا يجزئه .

                                                                                                                                            [ ص: 100 ] وروي عن بعض بني أبي قتادة ، أنه دخل عليه يوم الجمعة مغتسلا ، فقال : للجمعة اغتسلت ؟ فقال : لا ، ولكن للجنابة . قال : فأعد غسل الجمعة . ووجه ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : { وإنما لكل امرئ ما نوى } . والثاني : يجزئه ، لأنه مغتسل ، فيدخل في عموم الحديث ، ولأن المقصود التنظيف ، وهو حاصل بهذا الغسل ، وقد روي في بعض الحديث : { من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة } ( 1366 ) فصل : ومن لا يأتي الجمعة فلا غسل عليه قال أحمد : ليس على النساء غسل يوم الجمعة ، وعلى قياسهن الصبيان والمسافر والمريض . وكان ابن عمر ، وعلقمة ، لا يغتسلان في السفر ، وكان طلحة يغتسل وروي عن مجاهد ، وطاوس ، ولعلهم أخذوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : { غسل الجمعة واجب على كل محتلم } وغيره من الأخبار العامة .

                                                                                                                                            ولنا قوله عليه السلام : { من أتى الجمعة فليغتسل } ولأن المقصود التنظيف ، وقطع الرائحة حتى لا يتأذى غيره به ، وهذا مختص بمن أتى الجمعة ، والأخبار العامة يراد بها هذا ، ولهذا سماه غسل الجمعة ، ومن لا يأتيها لا يكون غسله غسل الجمعة ، وإن أتاها أحد ممن لا تجب عليه استحب له الغسل لعموم الخبر ، ووجود المعنى فيه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية